في كلّ مرّة يدخل فيها لبنان لحظةَ عنفٍ كبرى—حرب، انهيار، أو إعادة ترتيب إقليمي—يظهر الإحساس نفسه بأننا أمام قطيعة. ليس فقط لأن الواقع يتغيّر، بل لأن اللغة التي نصف بها هذا الواقع تُعاد صياغتها جذريًّا فجأة، تصبح كلّ المرحلة السابقة قابلةً للإغلاق، كأنها فصلٌ انتهى، ويبدأ الكلام عن “ما بعد”: ما بعد الحرب، ما بعد السلاح، ما بعد الانهيار، ما بعد كلّ شيء. هذا “الما بعد” لا يُطرح كاحتمال، بل كضرورة منطقية، كأن التاريخ نفسه لا يستطيع أن يستمرّ إلا عبر هذه القفزة.لكن ما يستحقّ التوقّف عنده ليس فشل هذه القفزات بقدر ما هو تكرارها. ففي كلّ مرّة، تُقدَّم لحظة التحوّل كأنها استثناء، بينما هي، في الحقيقة، الشكل الأكثر ثباتًا في التجربة اللبنانية.إذا عدنا قليلًا إلى الوراء، يمكن قراءة التاريخ الحديث للبنان كسلسلة من المشاريع التي حملت هذا الوعد الضمني بالقطيعة. لحظة “لبنان الكبير” لم تكن مجرّد إعادة ترسيم جغرافي، بل افتراضًا بأن توسيع الإطار يمكن أن يستوعب التناقضات التي عجزت الصيغ السابقة عن احتوائها. لم يكن الرهان على التوازن بقدر ما كان على الامتصاص: أن يصبح الاختلاف، بحكم اتساع المجال، أقلّ حدّة. لكن ما حدث لاحقًا لم يكن امتصاصًا، بل إعادة توزيع، بحيث لم يختفِ التناقض، بل تغيّر موقعه. كلّ “ما بعد” في لبنان ليس نهايةً لشيء، بل صياغةً جديدة للمأزق نفسه الحل في الاقتصاد في التسعينيات، ظهرت صيغة مختلفة ظاهريًّا، لكنها متشابهة بنيويًّا: لم يعد الحلّ في الجغرافيا، بل في الاقتصاد. فكرة أن السوق يمكن أن يعيد تنظيم المجتمع، وأن تدفّق الرساميل والبنى التحتية يمكن أن يخلق استقرارًا يتجاوز الانقسامات. لم يكن هذا الطرح ساذجًا، بل كان يستند إلى تجربة عالمية أوسع. لكن ما كشفته التجربة اللبنانية هو أن الاقتصاد لا يذيب البُنى القائمة، بل يعيد تشكيلها ضمن شروطه. لم تختفِ الطوائف، بل أعادت تموضعها داخل الاقتصاد نفسه، بحيث أصبح السوق مجالًا إضافيًّا للتنافس، لا بديلًا عنه.ثم جاءت لحظة “المقاومة”، التي قدّمت نفسها كخروج من هذه الدائرة: لا الجغرافيا ولا السوق، بل وظيفة تاريخية تتجاوز الداخل اللبناني. هنا، لم يعد الرهان على إدارة التناقض، بل على إعطائه اتجاهًا، أي تحويله إلى صراع محدّد مع الخارج. لكن هذا الخروج، كما يظهر لاحقًا، لم يكن خروجًا فعليًّا، بل إعادة إدخال الداخل في معادلة أوسع، بحيث يعود التناقض الداخلي ليظهر داخل الصراع نفسه. لحظات كثيرة ما يجمع هذه اللحظات ليس مضمونها، بل شكلها. في كلّ مرّة، هناك افتراض بأن المشكلة يمكن حلّها عبر فكرة كبرى تُعلّق الحاجة إلى السياسة اليومية. كأن السياسة، بمعناها الدقيق—أي إنتاج قرار داخل مجتمع منقسم—يمكن تجاوزها عبر مشروع شامل.هنا يمكن استدعاء مشهد من مسرحية Waiting for Godot. ليس لأن المسرحية تقدّم تشبيهًا جاهزًا، بل لأنها تضعنا أمام بنية ذهنية دقيقة: الانتظار ليس نتيجة جهل، بل نتيجة معرفة مؤجَّلة. الشخصيتان لا تنتظران لأنهما تؤمنان بوصول غودو، بل لأن التوقّف عن الانتظار سيجبرهما على مواجهة فراغ لا يمكن تحمّله. الانتظار، بهذا المعنى، ليس خطأً، بل آلية دفاع.إذا قرأنا التجربة اللبنانية من هذا المنظور، يصبح “المشروع التالي” أقلّ ارتباطًا بمضمونه وأكثر ارتباطًا بوظيفته. كلّ مشروع يُطرح كحلّ نهائي، لكنه يعمل، فعليًّا، كوسيلة لتأجيل لحظة الحسم. ليس لأنه كاذبًا، بل لأن تحقّقه الكامل يفرض شروطًا لا يستطيع النظام تحمّلها.وهنا، تصبح الحرب الحالية لحظةً كاشفة، لا لأنها استثناء، بل لأنها تكثيف. هناك من يرى فيها فرصة لإغلاق مرحلة كاملة: إذا تغيّر ميزان القوى، إذا أُزيل عنصر من المعادلة، يمكن العودة إلى الدولة، إلى الاقتصاد، إلى “الطبيعي”. هذا التصوّر ليس بلا أساس، لكنه يفترض شيئًا لم تثبته التجربة: أن المشكلة كانت في عنصر محدّد، لا في البنية التي سمحت لهذا العنصر أن يصبح حاسمًا. من يقرر؟ السؤال الذي يُؤجَّل في كلّ هذه اللحظات يبقى نفسه: من يقرّر؟ليس بوصفه سؤالًا دستوريًّا أو تقنيًّا، بل بوصفه سؤالًا عن طبيعة الخسارة.في نظام حيث تُفهم الخسارة السياسية كتهديد وجودي، يصبح من المنطقي بناء آليات تمنع الوصول إلى لحظة القرار. وهنا، تتحوّل مفاهيم مثل التوازن والتوافق والعيش المشترك من أدوات لتنظيم الاختلاف إلى وسائل لتعليق السياسة. لا يعود الهدف إدارة الصراع، بل تجنّب تحوّله إلى قرار.هذا ما يفسّر، إلى حدّ كبير، لماذا تتحوّل كلّ فكرة كبرى—مهما اختلفت مضامينها—إلى جزء من النظام نفسه. لا تفشل لأنها خاطئة، بل لأنها تُدرج داخل بنية لا تسمح لها بأن تكون حاسمة. وهكذا، لا ننتقل من مرحلة إلى أخرى، بل من صيغة إلى أخرى للمأزق نفسه.إذا كان هناك “ما بعد” ممكن، فهو لا يكمن في فكرة جديدة، بل في تغيير مستوى السؤال. ليس: ما هو المشروع التالي؟ بل: هل يمكن قبول نظام لا تكون نتائجه مضمونة مسبقًا؟ أي نظام يسمح بأن يربح طرف ويخسر آخر، من دون أن تُقرأ هذه الخسارة كتهديد لوجوده؟هذا الشرط—ببساطته النظرية—هو ما يجعل السياسة ممكنة. ومن دونه، تبقى كلّ المشاريع، مهما بدت مختلفة، مجرّد طرق أكثر تعقيدًا لإعادة إنتاج التأجيل. بهذا المعنى، لا تكون المشكلة في غياب الحلّ، بل في طبيعة ما نطلبه من أيّ حلّ. نريده أن ينهي الصراع، لا أن ينظّمه. نريده أن يُلغي الحاجة إلى السياسة، لا أن يؤسّس لها. ولهذا السبب بالضبط، يبدو كلّ “ما بعد” في لبنان مألوفًا على نحو مقلق: لأنه، في العمق، ليس إلا استمرارًا لما قبله، ولكن بلغة جديدة. دكتور محاضر/ رئيس قسم اللغات غير اللاتينية جامعة "يال" الأميركية
وكأنّ النازحين من الجنوب لا يكفيهم ما يعيشونه من مآسٍ وظروف قاسية، حتى تُضاف إلى معاناتهم اليوم معاناة من نوع آخر، تتمثل في صراع “رخيص” تخوضه بعض الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية، متاجرةً بهم لحسابات سياسية ضيقة، ولهثًا وراء صورة تعود على أصحابها بمزيد من التمويل والاستثمار في الوجع الإنساني. في هذا السياق، علمت جريدة “البوست” من مصادر صيداوية متابعة أنّ إحدى الجمعيات، التي لا يُعرف لها تاريخ يُذكر في العمل الإغاثي والإنساني، أقدمت قبل أيام على منع بعض المبادرين من توزيع “ثياب العيد” على الأطفال النازحين في أحد مراكز الإيواء، تحت ذريعة: “نحن لا نريد أي مساعدات من هذا الطرف”، علمًا أنّ الجهة المانحة هي جمعية مرخّصة قانونيًا منذ أكثر من 20 عامًا، ولا تُعرف عنها أي خلفية سياسية أو طائفية. ما جرى لا يمكن وضعه إلا في خانة الانحدار الأخلاقي في التعامل مع مأساة الناس، حين يصبح الطفل النازح نفسه مادةً للنكايات، وتتحول المساعدات إلى أدوات فرز واستبعاد وتسجيل نقاط. إنه زمن السعدنات والنكايات الولادية، حين تضيق بعض الجهات على الناس في ضيقتهم، وتحرمهم حتى من أبسط حقوق التضامن الإنساني والوطني.
في لبنان، يبدو أنّ الحرب لم تعد فقط تهديدًا خارجيًا، بل تحوّلت إلى مظلّة داخلية لتمرير خيارات بالغة الحساسية. أحدث هذه الخيارات جاء في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 5 آذار/مارس 2026، حيث أُجيز إطلاق خدمات الإنترنت الفضائي عبر شركة Starlink بشكل فوري، متجاوزًا مسارًا قانونيًا وأمنيًا يُفترض أن يكون شرطًا مسبقًا لا تفصيلًا مؤجّلًا. الطوارئ لفرض الوقائع القرار لم يأتِ في لحظة عادية. بالتزامن، كانت إسرائيل تنذر نحو ربع سكان لبنان بإخلاء مناطقهم، في تصعيد غير مسبوق. هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام استجابة تقنية لحالة طارئة، أم أمام استغلالٍ للحظة الحرب لفرض وقائع يصعب تمريرها في الظروف الطبيعية؟ينصّ القرار على السماح ببيع الخدمة فورًا قبل استكمال البنية الرقابية والأمنية، وتحديدًا قبل إنشاء مركز التحكّم الأمني الموجود أصلًا خارج لبنان. كما يتجاوز القرار الهيئات التنظيمية المختصة، مثل الهيئة المنظّمة للاتصالات، ويُرحّل الموافقات الأمنية إلى مرحلة لاحقة، في سابقة إدارية تطرح علامات استفهام حول مفهوم “الدولة المؤجّلة”.ويترافق ذلك مع توسيع نطاق الاستخدام ليشمل جهات حكومية وسفارات ومنظمات غير حكومية، بعدما كان محصورًا سابقًا ضمن إطار تجريبي ضيّق، من دون أن يقترن هذا التوسّع بأي تحديد لسقف الأجهزة أو توزيعها الجغرافي، ما يفتح الباب أمام انتشار غير مضبوط لشبكة موازية. كسر السلسلة لفهم خطورة المسألة، لا بدّ من تفكيك المسارين القائمين. في النموذج التقليدي، تمرّ بيانات المستخدم عبر مزوّد الخدمة المحلي، ثم عبر الشبكة الوطنية التي تديرها الدولة، وصولًا إلى البوابات الدولية. هذه السلسلة تتيح للدولة، عبر وزارة الاتصالات ومؤسسة أوجيرو، مراقبة الحركة الرقمية، وتطبيق القرارات القضائية، وإدارة الأمن السيبراني.في المقابل، يقلب الإنترنت الفضائي هذه المعادلة رأسًا على عقب، إذ ينتقل الاتصال مباشرة من المستخدم إلى القمر الصناعي، ومنه إلى محطة أرضية خارج لبنان، قبل أن يصل إلى الإنترنت العالمي. النتيجة هي مسار بيانات لا يمرّ بالبنية التحتية اللبنانية إطلاقًا، ما يعني عمليًا نشوء “إنترنت خارج الشبكة الوطنية”، أي شبكة رديفة مركز رقابتها خارج البلد، وجزء من حركة البيانات فيها خارج السيطرة التقنية للدولة. سيادة تتآكل تدريجيًا هذا التحوّل ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مسألة سيادية بامتياز. فالقرار الصادر في آذار/مارس 2026 هو تعديل لقرار سابق صدر في أيلول/سبتمبر 2025، كان قد أثار مخاوف جدية، لأنه سمح بالاتصال المباشر بالأقمار الصناعية وتشغيل شبكة خارج البنية الوطنية، في ظل غياب إشراف سيادي فعلي، ونقل مركز التحكّم الأمني إلى خارج الولاية القضائية اللبنانية.غير أنّ التعديل الجديد يذهب أبعد من ذلك، إذ لا يكتفي بتكريس هذه الثغرات، بل يسمح باستخدام الخدمة قبل إنشاء أي نظام رقابي فعلي، ما ينقل الإشكالية من موقع الرقابة إلى غيابها الكامل، ولو مؤقتًا.والمفارقة أنّ هذا المسار ليس جديدًا. خلال حرب 2024، طُرح إدخال ستارلينك تحت عنوان “خطة طوارئ” لضمان استمرارية الإنترنت، لكنه سقط آنذاك أمام اعتراضات قانونية وأمنية تتعلّق بغياب المسار التنظيمي وبمتطلبات الرقابة والتنصّت الشرعي.اليوم، يعود المنطق نفسه تقريبًا، إذ يبدأ القرار تحت عنوان الاستثناء، على أن تتم التسوية لاحقًا، من دون وجود خطة مُعلنة لإدارة طوارئ الاتصالات تحدد الأولويات والبدائل وشروط الأداء والمساءلة. غير أنّ التجربة اللبنانية تُظهر أنّ “لاحقًا” غالبًا ما تبقى مؤجّلة إلى أجل غير مسمّى. السيادة الرقمية في جوهره، لا يدور النقاش حول رفض التكنولوجيا أو القبول بها، بل حول كيفية إدخالها. الإنترنت الفضائي قد يكون ضرورة في ظروف الانهيار أو الحرب، لكنه يتحوّل إلى ثغرة استراتيجية عندما يُعتمد من دون إطار سيادي واضح. فالدولة التي لا ترى بياناتها لا تستطيع تنظيمها، ولا حمايتها، ولا حتى فهم اتجاهاتها.لبنان اليوم أمام مفترق دقيق، حيث يتداخل الأمني بالتقني، والسيادي بالإجرائي. إمّا أن ينجح في تطوير نموذج يوازن بين الابتكار والسيادة، أو أن ينزلق تدريجيًا نحو واقع شبكي مزدوج، تفقد فيه الدولة قدرتها على الضبط لصالح بنى اتصالية خارجة عن نطاقها. الصمت كقرار سيادي تمرير قرارات بهذا الحجم في ظل الحرب قد يبدو مبرّرًا تحت عنوان “الضرورة”، لكنه يفتح الباب أمام سابقة خطيرة، حيث تتحوّل الطوارئ إلى أداة حكم. وبينما تتآكل الحدود الجغرافية تحت ضغط الصراع، تبدو الحدود الرقمية للبنان وكأنها تُعاد صياغتها بصمت. والصمت، في هذه الحالة، ليس حيادًا، بل خيارٌ سياديّ بحدّ ذاته.