بعيدًا عن الأضواءِ والأعيُن، هناك بعضُ «الخِفاف» في المدينة، ممّن يمكنُ تسميتُهُم «مَشاريعَ نُوّابٍ حالمين» ومَوهومين، مُقتنِعون بأنَّ الجلوسَ على كُرسيٍّ نيابيٍّ يُمثِّلُ مدينةً عريقةً كصيدا، لا بُدَّ وأن يمرَّ مِن خلالِ مكتبِ مُقاوِلٍ تَفوحُ منه روائحُ الفسادِ والتبعيّةِ لِمَن هو أكبرُ منه في سُلَّمِ التراتبيّةِ لأمراءِ الحرب.حَتّى ولو كان قانونُ الانتخابِ الحالي غيرَ مُنصِفٍ بحقِّ صيدا، لكنَّ الزعامةَ والنِّيابةَ لا تَسقُطانِ بالبَاراشوت، أقَلَّهُ بالحدِّ الأدنى، وتِلكَ المبالغُ المطروحةُ للبازارِ السياسيّ كان مِن الأوْلى أن تُصرَفَ على تَنميةِ صيدا وتحسينِ أحوالِ أهلِها وحَلِّ مُشكلاتِهِم الكثيرة.المدينةُ اليومَ بينَ سِمسارٍ ومُقاوِل، لكنّها تبقى صيدا التي تُفاجِئُكَ حتّى في أصعَبِ مَراحِلِها لِتَلفِظَ المُستَجدّين، لا سيّما التّافِهينَ منهم.
أغرَبُ وأغبى في الذي حصَلَ بالأمسِ عندَ مُسْتَديرةِ “القنّايَةِ”، ذلكَ الدُّوَّارُ الذي تتقاطَعُ فيه ثلاثُ بَلَدِيّاتٍ هي صيدا، الهلاليّة، وحارةُ صيدا، أنَّهُ شهِدَ مُنذُ أيّامٍ قليلةٍ فقط نِفاقًا وتكاذُبًا واضِحًا مِن قِبَلِ مسؤولينَ لإضاءتِه وتزيينِه احتفالًا بموسمِ أعيادِ المِيلادِ ورأسِ السَّنةِ.وقد جَهَدَ أحدُ رُؤساءِ البَلَدِيّاتِ المذكورة، مِن على أرضِ الحدث، لتأكيد مُسمّى لَهُ هو «دُوَّارِ العَيْشِ المُشْتَرَكِ» دليلاً على حُبِّ الناسِ بعضِها الِبعضٍ في هذه المنطقة.وبالفِعلِ، أثبَتَ هذا الدُّوَّارُ أمسِ، خلالَ موجةِ الاعتِداءِ والتَّضارُبِ والسبابِ والشَّتائِمِ وتَكسيرِ زُجاجِ السَّياراتِ و«تَدمِيَةِ» المارَّةِ، أنَّهُ وبحقٍّ دُوَّارٌ لِلعَيْشِ المُشْتَرَكِ والتسامحِ ونَبذِ العُنفِ والطائفيةِ والمذهبيّةِ والتصالحِ مع الآخَر. بِبساطةٍ، هذا ما قالَهُ الدُّوَّارُ أمسِ للجميعِ، أوّلُهُم لأهالي مدينةِ صيدا وسُكّانِها:لا يَحِقُّ «لكم» أن تُعبِّروا عن آرائِكم، ويَحِقُّ «لهم» أن يقولوا ما يشاؤون، ساعةَ يشاؤون، بالشكلِ الذي يريدون وفي قلبِ مدينتِكم، التي لم تَعدْ لكم وأنتم نائمون. هذه هي الحقيقةُ الصعبةُ التي قالَها الدُّوَّارُ أمس. سيُقال: إنَّهُم دَخَلوا إلى «مناطِقِهِم»، ولا يَحِقُّ لهم ذلك. كيفَ تُرسَمُ الحدودُ عند تلك المنطقة التي لم يكن أحدٌ من الصيداويّينَ يُلقي لها بالًا قبل سنواتٍ قليلة؟وسيُقال ردًّا، هل يجرؤُ أحدُكُم على الطَّلَبِ مِن سيّارةٍ بزجاجٍ «مفيم» عندَ تقاطُعِ إيليّا، «وسطَ منطقتِكم»، أن تُخفِضَ صوتَ «النَّدبيّةِ» التي تَصدَحُ مِن داخِلِها؟أو يستطيعُ أحدُكُم أن يطلُبَ مِن مواكِبِ سيّاراتِهِم ودراجاتِهِم التي تجولُ أحياءَ صيدا وشوارعَها وأزقّتَها إنزالَ صورةٍ لِزعيمٍ سياسيٍّ مذهبيٍّ في ذِكرى ما؟بالطَّبع لا. لذا، طَأطِئوا رُؤوسَكُم بخزي. هذا ما عليكم أن تتأقلَموا معه، وتعتادوا عليه، وإلّا فالقُمصانُ السُّودُ لكم بالمِرصادِ، وتُهَمُ إثارةِ النَّعَراتِ المذهبيّةِ والطائفيّةِ وتهديدِ السِّلمِ الأهليّ و«الدَّعشنةِ» جاهزةٌ «غَبَّ الطَّلَب». وما عليكم إلّا الانصِياعُ والخَوفُ والسُّكونُ ونَفثُ دخانِ النرجيلة… لكنّها لن تَنجلي. سيُقال إنَّهُم «سوريّون»، وسيُخبِّئ «زعماءُ» المدينةِ عجْزَهُم وراء هذه «الحقيقة». وسيقولون إنَّ المشكلةَ لم تكن داخليّةً، كانت مُوَجَّهَةً ضدَّ الجولاني، وسيمنّونَ النفسَ بأنَّهُم غيرُ معنيّينَ بما جرى، وستُكمِلُ الأيامُ دورتَها، لكنَّهُم في قَرارةِ نُفوسِهِم يَعلَمونَ أنَّها ما كانت كذلك البتّة. لو كانَ في هذه المدينةِ مِن رَجُلٍ أو مسؤولٍ حُرّ، لكان تجرّأ وطلب — جِهارًا وبدونِ مُوارَبةٍ — تغييرَ مَسارِ طَريقٍ رئيسيٍّ يربِطُ آلافَ الصيداويّينَ ببيوتِهِم وأرزاقِهِم وأولادِهِم يوميًّا، كي يتجنَّبوا العُبورَ في هذا الكَمِّ مِن الحِقدِ المُتلوّنِ بألوانِ النِّفاقِ والعَيْشِ المُشْتَرَكِ. نعم، بهذه البساطةِ والجذريةِ، كي لا يكونَ الناسُ — في لحظةِ حقيقةٍ — فَريسةً لكُرهٍ دفينٍ لا يَرحَمُ أحدًا. لكنَّهُ موسمُ المَطَرِ، كما يراهُ كثيرون، وإن كان — في الحقيقةِ — موسمَ «البَصْقِ» على الوُجوهِ، والكَراماتِ، والكياناتِ…تمامًا كما تظهَرُ الفيديوهاتُ أدناه… https://al-post.com/wp-content/uploads/2025/12/haret-saida-1.mp4https://al-post.com/wp-content/uploads/2025/12/haret-saida-2.mp4https://al-post.com/wp-content/uploads/2025/12/haret-saida-3.mp4
باتَ المواطنُ الصيداويُّ يبتسمُ عند نهايةِ كلِّ شهر، إذ صار يشعرُ بشيءٍ من الأمانِ والتحرّرِ من سطوةِ أصحابِ المولّداتِ الخاصةِ في المدينة، عندما يسمعُ أنَّ جهازًا أمنيًّا كجهازِ “أمنِ الدولة” قد قام بتوقيفِ صاحبِ مولّدٍ لمخالفتهِ التسعيرةَ الرسميّة، حتى ولو كان سَجنُهُ لم يستمرَّ ليومين.المهمُّ أنَّ “المشهدَ” الذي كان سائدًا بقرف مميت ومفروضًا لسنواتٍ قد تغيّرَ إلى حدٍّ كبير مع تطبيقِ “الصرامةِ” في تنفيذِ القراراتِ الرسميّة. دليلٌ دامغٌ أنَّ المشكلةَ لم تكن يومًا في ضعفِ الأجهزةِ الأمنيّة، بل في القرارِ السياسيّ. أثبتَ جهازُ “أمنِ الدولة” – فرعُ الجنوب، والقائمونَ عليه من ضبّاطٍ جددٍ وقدامى وعناصر، أنَّهم قادرونَ وليسوا عاجزين. هذا هو المفهومُ المُبسَّط لفكرةِ النظامِ في المجتمع، التي تتطوّرُ مع التطوّر الحضاريّ لتشكّلَ ما يُسمّى “الدولة” التي يحملُ الجهازُ اسمَها ومهمّةَ أمنِها. منذ أيّامٍ تداولت صيدا خبرًا عن قيامِ هذا الجهازِ بمداهمةِ منزلٍ في منطقةِ تعميرِ عينِ الحلوة، وتوقيفِ شابٍّ من آل البتكجي عُثِرَ في منزله على أسلحةٍ وذخائر – بحسبِ ما قيل – والشابُّ لا يزالُ قيدَ التوقيفِ لمخالفتِه القوانينَ المرعيّةَ الإجراء على الأراضي اللبنانيّة. ما لم يذكرْهُ الخبرُ، ويعرفُه الكثيرُ من أهلِ صيدا، أنَّ المنزلَ المُداهم يقعُ أعلى بنايةٍ يسكنُها اثنانِ من المتَّهَمين” المباشرين بقتلِ شابينِ صيداويّين منذ سنين،” دون أن يُحرِّكَ أيُّ جهازٍ أمنيٍّ بحقّهم ساكنًا. هنا يحقُّ للمواطنِ الصيداويِّ نفسِه الذي صار يبتسمُ آخرَ كلِّ شهر، أن يسأل:ألم يكن عناصرُ “أمنِ الدولة” يعلمونَ بذلك وهم يعبرونَ السلالم للوصولِ إلى المنزلِ المقصود؟ تطبيقُ العدالةِ شرطٌ لقيامِ الدولِ واستمرارِها وتطوّرِها، أمّا العدالةُ المنقوصة، فلم تدلَّ حتّى من قبلِ قوانينِ حامورابي إلّا على أنّها كرةُ ثلجٍ ونار معا، تتراكمُ وتكبرُ لتنفجرَ في لحظة، طلبا للعدالة التي يشعر فيها الأنسان أنه مواطن بحق. في الحقوق والواجبات، لأنَّ العدلَ أساسُ الملك، مهما طال فإنه آت.