في السياسة الدولية، لا يكون الانتصار دائماً نهاية الصراع، بل قد يكون بداية الاختبار الأصعب. فبعد الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، تبدو طهران اليوم في موقع مختلف تماماً عن ذلك الذي كانت عليه عشية المواجهة. الدولة التي دخلت الحرب مثقلةً بالأزمات الاقتصادية والاضطرابات الداخلية والضغوط الدولية، خرجت منها محتفظةً بنظامها السياسي، وبأهم ورقة استراتيجية امتلكتها منذ قيام الجمهورية الإسلامية: القدرة الفعلية على تهديد حركة التجارة والطاقة العالمية عبر مضيق هرمز. غير أن المعضلة التي تواجه القيادة الإيرانية اليوم لا تتعلق بكيفية الانتصار في الحرب، بل بكيفية إدارة السلام الذي أعقبها. من الهزيمة العسكرية إلى المكسب الجيوسياسي عندما اندلعت المواجهة، راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضربات العسكرية ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات استراتيجية كبرى، خصوصاً في ملفها النووي وسلوكها الإقليمي. لكن ما حدث كان معاكساً إلى حدّ بعيد. فبدلاً من إخضاع إيران، انتهت الحرب إلى تكريس حقيقة جديدة: أي هجوم واسع على الجمهورية الإسلامية بات يحمل معه تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز، الشريان الذي تمرّ من خلاله نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية. ولهذا لم يعد النفوذ الإيراني قائماً فقط على الصواريخ أو الشبكات الإقليمية، بل على قدرة طهران على التأثير الفوري في الأسواق العالمية. إنها قوة ردع مختلفة، أقل تكلفة وأكثر تأثيراً من كثير من الأدوات العسكرية التقليدية. skip render: ucaddon_material_block_quote اتفاق هش يؤجل الانفجار مذكرة التفاهم التي أُبرمت بين واشنطن وطهران نجحت في تثبيت وقف إطلاق النار، وفتحت الباب أمام فترة تفاوضية تمتد ستين يوماً، لكنها لم تحسم القضايا الجوهرية. فالمسائل الأكثر حساسية، من مستقبل البرنامج النووي إلى آليات رفع العقوبات وإدارة مضيق هرمز، تم ترحيلها إلى مفاوضات لاحقة، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة سياسية منه إلى تسوية تاريخية. وتكمن المشكلة في أن الطرفين يفتقران إلى الثقة المتبادلة. الإيرانيون لا ينسون انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، فيما لا تزال واشنطن تنظر إلى إيران باعتبارها خصماً استراتيجياً طويل الأمد، وليس شريكاً يمكن بناء تفاهمات مستقرة معه. لذلك تبدو احتمالات الوصول إلى اتفاق شامل خلال المهلة المحددة محدودة للغاية. نقطة القوة التي قد تتحول ضعفاً السؤال المركزي اليوم لا يتعلق بالبرنامج النووي بقدر ما يتعلق بمضيق هرمز. فبعد الحرب، بدأت إيران تتصرف باعتبارها صاحبة اليد العليا في الممر البحري الأهم في العالم، عبر إنشاء آليات جديدة لإدارته، والتلويح بفرض رسوم وقيود على حركة الملاحة الدولية. ومن وجهة النظر الإيرانية، يبدو هذا منطقياً؛ فالحرب خلّفت أضراراً اقتصادية ضخمة، والقيادة الإيرانية تريد ترجمة مكاسبها الاستراتيجية إلى عائدات مالية ونفوذ سياسي دائم. لكن هذا المنطق يحمل في داخله مفارقة خطيرة، فقوة هرمز بالنسبة إلى إيران لا تكمن في استخدامه، بل في القدرة على استخدامه. بمعنى آخر، قيمة المضيق كرادع استراتيجي تستند إلى التهديد بإغلاقه عند الضرورة، لا إلى تحويله إلى مصدر دخل أو أداة ابتزاز اقتصادي يومي. فكلما توسعت طهران في فرض الرسوم والقيود، زادت الحوافز لدى خصومها وحلفائها على السواء للبحث عن بدائل دائمة تقلل أهمية المضيق وتضعف تأثيره المستقبلي. العالم لن يقبل “خصخصة” هرمز لا تقتصر الاعتراضات على الولايات المتحدة وإسرائيل، فدول الخليج، والصين، والهند، والاتحاد الأوروبي، تعتمد بدرجات متفاوتة على انسياب التجارة والطاقة عبر هذا الممر الحيوي. ومن غير المرجح أن تقبل هذه القوى بتحويل أحد أهم الممرات البحرية الدولية إلى منطقة خاضعة لرسوم سياسية أو ترتيبات أحادية الجانب. بل إن أي محاولة إيرانية لفرض واقع جديد قد تؤدي إلى تسريع مشاريع الطاقة وخطوط النقل البديلة، وهو ما سيقوّض تدريجياً الأهمية الاستراتيجية التي منحها المضيق لإيران بعد الحرب. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما حاولت طهران استثمار هرمز مالياً، ازدادت احتمالات تآكل قيمته الجيوسياسية. إيران وهرمز… حين يصبح الانتصار عبئاً استراتيجياً فخ الثقة المفرطة قبل أشهر فقط، كانت واشنطن وتل أبيب تعتقدان أنهما تمتلكان زمام المبادرة الاستراتيجية. واليوم تبدو إيران في الموقع ذاته تقريباً. لكن التاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن أخطر لحظات الدول ليست لحظات الضعف، بل لحظات الشعور المفرط بالقوة. فالولايات المتحدة وإسرائيل أخطأتا عندما افترضتا أن الحرب ستنتج استسلاماً إيرانياً. أما إيران فتواجه الآن خطر الوقوع في الخطأ نفسه إذا اعتقدت أن مكاسبها الحالية تسمح لها بإعادة صياغة قواعد الملاحة والتجارة الدولية وفق شروطها الخاصة. بين الردع والهيمنة المعادلة التي تواجه طهران بسيطة نظرياً، لكنها شديدة التعقيد عملياً: هل تريد استخدام مضيق هرمز كضمانة أمنية تمنع الحروب المستقبلية، أم كأداة نفوذ اقتصادي وسياسي مباشر؟ الجمع بين الهدفين قد يكون مستحيلاً. فكلما تحول المضيق إلى أداة هيمنة، تراجعت فعاليته كوسيلة ردع. ولهذا قد يكون أكبر إنجاز يمكن لإيران تحقيقه بعد الحرب هو الامتناع عن استخدام أقوى أوراقها. فالقوة الحقيقية لا تكمن دائماً في تشغيل السلاح، بل في إبقائه حاضراً في الحسابات من دون الحاجة إلى إطلاقه. skip render: ucaddon_box_testimonial
في تحوّل سياسي وديبلوماسي بالغ الأهمية، أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصّل إلى اتفاق سلام أنهى نحو أربعة أشهر من المواجهة العسكرية التي هزّت الشرق الأوسط، ودفعت أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي إلى حافة اضطراب واسع. وهو اتفاق وُصف بأنه أحد أبرز الاختراقات السياسية في المنطقة منذ سنوات، ليس فقط لأنه أوقف الحرب، بل لأنه فتح الباب أمام إعادة ترتيب واسعة لموازين القوة والنفوذ. وجاء الإعلان تتويجاً لمسار تفاوضي شاق ومعقّد قادته باكستان، بمشاركة وسطاء إقليميين ودوليين، على أن تُستكمل مراسم التوقيع الرسمية خلال الأيام المقبلة في سويسرا، بما يمنح الاتفاق بعداً دولياً واضحاً ويضع الأطراف أمام اختبار الالتزام العلني بما تم التوصل إليه خلف أبواب المفاوضات. من الحرب إلى التفاهم لا يقتصر الاتفاق الجديد على وقف العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران، بل يؤسس لمرحلة سياسية مختلفة، تتضمن وقفاً دائماً للأعمال القتالية على مختلف الجبهات المتصلة بالنزاع، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية، التي تحوّلت خلال الأشهر الماضية إلى إحدى أخطر نقاط الاحتكاك الإقليمي. وبحسب المعطيات الأولية، ستعيد إيران فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بصورة كاملة، مقابل إنهاء الولايات المتحدة الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، في خطوة يُتوقع أن تنعكس سريعاً على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية، وأن تخفف جزءاً من الضغوط التي راكمتها الحرب على الاقتصاد الدولي. كما يفتح الاتفاق الباب أمام جولة تفاوضية تمتد ستين يوماً حول البرنامج النووي الإيراني، الملف الذي ظل لعقود جوهر الصراع بين البلدين. وتراهن طهران على أن تقود هذه المرحلة إلى رفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن أموالها المجمدة في الخارج، في مقابل التزامات وضمانات تتصل بطبيعة برنامجها النووي ومستقبله وآليات الرقابة عليه. skip render: ucaddon_material_block_quote حسابات ترامب لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال الأشهر الماضية، رغبته في إنهاء المواجهة مع إيران، بعدما بدأت الحرب تُلقي بثقلها على الداخل الأميركي من خلال ارتفاع أسعار الوقود، وتزايد الانتقادات داخل قاعدته السياسية، وتصاعد المخاوف من الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة. وفي حديثه عن الاتفاق، شدد ترامب على أنه يتضمن تعهداً إيرانياً بعدم امتلاك أسلحة نووية، مؤكداً أن ملف المواد النووية والتفتيش الدولي سيُستكمل في مراحل لاحقة من التفاوض. كما أوضح أنه لا يرى أولوية لتغيير النظام في إيران، معتبراً أن القيادة الحالية أظهرت قدراً من البراغماتية يسمح بالتعامل معها، خلافاً لما واجهته الإدارات الأميركية السابقة من تصلّب في مراحل مختلفة. بهذا المعنى، يبدو أن واشنطن اختارت، في هذه اللحظة، منطق إدارة الخطر لا إسقاط النظام، والتسوية لا المواجهة المفتوحة، خصوصاً بعدما أثبتت الحرب أن كلفة التصعيد لا تطال إيران وحدها، بل تمتد إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية ومصالح الحلفاء. لبنان يعقّد المشهد ورغم أجواء التفاؤل التي رافقت الإعلان، فإن الساعات التي سبقت الاتفاق شهدت توتراً حاداً بفعل التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله» على الجبهة اللبنانية، ما أعاد التذكير بأن أي تفاهم أميركي ـ إيراني يبقى هشاً ما لم ينجح في ضبط الساحات الإقليمية المتصلة بالنزاع. فلبنان، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى إحدى ساحات الضغط المتبادل، سيكون أحد الاختبارات الأولى لجدية الاتفاق. إذ لا يكفي وقف النار بين واشنطن وطهران إذا بقيت الجبهة اللبنانية مفتوحة على احتمالات الانفجار، أو إذا استُخدمت كورقة تفاوضية في مراحل لاحقة. وعلى الرغم من الإعلان الرسمي عن الاتفاق، لا تزال المعارضة الداخلية في أكثر من عاصمة تمثل تحدياً جدياً أمام تنفيذه. ففي إيران، يواجه وزير الخارجية عباس عراقجي انتقادات من التيار المحافظ والمتشدد، الذي يتهمه بتقديم تنازلات كبيرة للولايات المتحدة. كما حذرت شخصيات نافذة في المؤسسة الأمنية الإيرانية من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في المسار التفاوضي برمته. أما في إسرائيل، فتتحدث تقارير عن تحفظات داخل الحكومة على بنود الاتفاق، وسط مخاوف من أن يؤدي رفع الضغوط عن إيران إلى تعزيز نفوذها الإقليمي مستقبلاً. في المقابل، يتعرض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لانتقادات متناقضة من خصومه وحلفائه، بين من يرى أن الاتفاق يمنح طهران فرصة لالتقاط أنفاسها، ومن يعتبر أن واشنطن باتت تقيّد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً في لبنان. اختبار التنفيذ ورغم الاحتفاء الدولي بالاتفاق، فإن الطريق نحو سلام مستدام لا يزال محفوفاً بالتحديات. فنجاح التفاهم الجديد لن يُقاس بلحظة الإعلان عنه، بل بقدرة الأطراف على تحويل التعهدات السياسية إلى خطوات عملية، وبمدى قدرتها على منع الساحات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان، من التحول مجدداً إلى نقاط اشتعال تعرقل المسار الديبلوماسي. فالملفات المؤجلة أكثر تعقيداً من وقف النار نفسه: البرنامج النووي، العقوبات، مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، أمن الملاحة في الخليج، ودور إسرائيل في المرحلة المقبلة. وكل واحد من هذه الملفات قادر، إذا أُسيء التعامل معه، على إعادة المنطقة إلى مربع التصعيد. وبينما تتجه الأنظار إلى مراسم التوقيع المرتقبة في سويسرا، يقف الشرق الأوسط أمام سؤال حاسم: هل يكون هذا الاتفاق بداية مرحلة جديدة من التهدئة وإعادة ترتيب المصالح، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع ظل لعقود أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً وتأثيراً على النظام الدولي؟ الثابت حتى الآن أن أربعة أشهر من المواجهة لم تنتهِ فقط بوقف النار، بل فتحت الباب أمام خريطة سياسية جديدة. أما ما إذا كانت هذه الخريطة ستقود إلى استقرار طويل، أو إلى جولة أخرى من الصراع بأدوات مختلفة، فذلك سيتوقف على ما سيجري بعد التوقيع، لا على ما قيل عند إعلان الاتفاق.
لم تعد تلة علي الطاهر مجرّد مرتفعٍ في جغرافيا النبطية، ولا اسماً محلياً يعرفه أبناء كفرتبنيت والنبطية الفوقا والقرى المحيطة. مع اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»، تحوّلت هذه التلة إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد الميداني الجنوبي، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع الحسابات العسكرية، وتختصر مساحة صغيرة سؤالاً كبيراً: من يملك المرتفعات، يملك القدرة على مراقبة العمق والتحكم بمسارات التقدّم والانسحاب. تقع تلة علي الطاهر في منطقة النبطية، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على ارتفاع يقارب 600 متر عن سطح البحر. وهي تطل على مدينة النبطية ومحيطها، ما يمنحها أهمية لا تُقاس بحجمها الجغرافي، بل بموقعها الحاكم وقدرتها على الإشراف على طرقات وممرات وبلدات واسعة. اسم من الذاكرة… وموقع من الحرب تصف مصادر تاريخية الموضع بأنه مزرعة أو قرية مندثرة، بقيت منها آثار ومقام، قبل أن يتحوّل الاسم في الذاكرة الحديثة إلى عنوان عسكري متكرر في محطات المواجهة جنوباً. أما التسمية، فتعود، بحسب الروايات المحلية، إلى مقام يُعرف باسم مقام علي الطاهر. وتورد مصادر تاريخية ومحلية أن المقام ذُكر في سياق «بلاد الشقيف»، وأن عليه قبة، كما ورد ذكره في مؤلفات تناولت بلدات جبل عامل ومقاماته، بينها ما نُسب إلى السيد محسن الأمين في «خطط جبل عامل»، والشيخ إبراهيم سليمان في «بلدان جبل عامل». وتتحدث رواية متداولة عن أن علي الطاهر كان شخصية دينية أو مجاهداً أو قائداً قديماً دُفن في المكان. غير أن التفاصيل الدقيقة حول شخصيته تبقى أقرب إلى الذاكرة الشعبية والمرويات المحلية منها إلى التوثيق التاريخي الحاسم. لماذا التلة مهمة؟ في الحروب، لا تكون المرتفعات مجرد نقاط صامتة على الخريطة. إنها عيون مفتوحة على الميدان. من يسيطر على تلة كهذه يستطيع أن يراقب الطرقات، ويكشف الحركة، ويقيّد الخصم، ويحوّل أي تقدّم بري إلى عملية مكلفة ومحفوفة بالمخاطر. من هنا برزت علي الطاهر في التقارير الأخيرة كواحدة من النقاط التي حاولت قوات العدو الإسرائيلي التقدّم نحوها، في مقابل إصرار «حزب الله» على منع تثبيت أي واقع عسكري جديد في محيطها. وتزداد حساسية الموقع لأنه يقع شمال نهر الليطاني، أي في منطقة تحمل وزناً سياسياً وعسكرياً خاصاً في أي نقاش حول قواعد الاشتباك وترتيبات الأمن في الجنوب. فالتقدّم الإسرائيلي نحو مرتفع كهذا لا يُقرأ كحركة ميدانية محدودة، بل كمحاولة لامتلاك نقطة رصد وضغط داخل عمق لبناني شديد الحساسية. لذلك، لا تبدو المعركة على علي الطاهر معركة على تلّة فقط، بل على شكل المرحلة التالية: هل تبقى المنطقة خط تماس متحركاً، أم تتحوّل إلى حزام مراقبة ووقائع عسكرية جديدة؟ نقطة اختبار بين الطرفين في المقابل، ينظر «حزب الله» إلى تلة علي الطاهر باعتبارها جزءاً من منظومة دفاعية أوسع في محيط النبطية وكفرتبنيت. وتقول تقارير إسرائيلية إن المنطقة تضم بنى تحتية وأنفاقاً أو منشآت مرتبطة بالحزب، فيما يتحدث الحزب عن محاولات إسرائيلية لاحتلال المرتفع وإفشالها عبر كمائن واستهدافات مباشرة. وبين الروايتين، تبقى الحقيقة الميدانية الأوضح أن التلة تحوّلت إلى نقطة اختبار لقدرة كل طرف على فرض ميزان جديد. رمزية تتجاوز الجغرافيا لكن علي الطاهر ليست موقعاً عسكرياً فقط. للتلة رمزية أعمق في الذاكرة الجنوبية. فهي اسم حاضر منذ عقود، ومرتبط بذاكرة الاحتلال الإسرائيلي السابق وبحروب الجنوب المتعاقبة. ولهذا لا تُقرأ المعركة حولها محلياً كاشتباك على مرتفع فحسب، بل كصراع على معنى السيطرة في منطقة تعرف جيداً أن التلال الصغيرة قد تصنع تحولات كبيرة. بهذا المعنى، تختصر تلة علي الطاهر جانباً واسعاً من حكاية الجنوب اللبناني: تاريخ محلي قديم، مقام وذاكرة، قرى معلّقة على حافة الحرب، وجغرافيا حاكمة تتحول في لحظة إلى هدف استراتيجي. من هنا لا تكمن أهمية علي الطاهر في ارتفاعها وحده، بل في موقعها عند تقاطع الخريطة والرسالة. فهي التلة التي تقول إن الحرب في الجنوب لا تُحسم فقط بالنار، بل أيضاً بالجغرافيا، وبالذاكرة، وبمن يملك القدرة على منع العدو من تحويل نقطة عابرة إلى واقع دائم.