لا يبدو الحديث المتداول في الكواليس السياسية عن تغيير محدود يطال 3 أو 4 حقائب وزارية مجرّد خطوة إجرائية لتحسين أداء الحكومة، بل أقرب إلى محاولة دقيقة لإعادة ضبط ميزان القوى داخل السلطة التنفيذية في مرحلة شديدة الحساسية. فالتزامن بين طرح هذا السيناريو وبين الحديث عن تأجيل الانتخابات النيابية يوحي بأن المسألة تتجاوز الأداء الوزاري إلى إدارة المرحلة المقبلة سياسيًا وأمنيًا ودبلوماسيًا.الخارجية في قلب الاشتباك الداخليطرح اسم وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي كأول المرشحين للتغيير ليس تفصيلاً تقنيًا. فوزارة الخارجية في لبنان ليست حقيبة عادية، بل نافذة البلاد على العالم، وأداة توازن بين المحاور الإقليمية والدولية. الاعتراض على أداء الوزير، سواء من “الثنائي الشيعي” أو من فريق رئيس الجمهورية، يكشف أن المشكلة ليست في الأسلوب بقدر ما هي في التموضع السياسي والرسائل التي تحملها الدبلوماسية اللبنانية في مرحلة تصعيد إقليمي متسارع.فأي تغيير في هذه الحقيبة قد يُقرأ خارجيًا بوصفه تعديلًا في اتجاه السياسة الخارجية، أو محاولة لخفض التوتر مع أطراف معينة، أو إعادة صياغة خطاب الدولة تجاه ملفات حساسة مثل الحدود، العقوبات، أو العلاقات العربية والغربية.“القوات” بين التعويض والتثبيتالإشارة إلى تعويض “القوات اللبنانية” بوزارة “معتبرة” تفتح باب التساؤل حول طبيعة هذا التعويض: هل هو تثبيت لدورها داخل السلطة أم محاولة لتحييدها عن موقع حساس؟فالتخلي عن حقيبة سيادية أو شبه سيادية مقابل وزارة خدماتية كبيرة قد يكون مكسبًا إداريًا لكنه خسارة سياسية، فيما العكس قد يعكس محاولة لإبقاء الحزب داخل معادلة القرار دون منحه أدوات تأثير خارجي مباشر. لذلك فإن قبول “القوات” أو رفضها لا يتعلق بالحقيبة البديلة فقط، بل بموقعها في توازنات ما بعد الانتخابات، سواء جرت في موعدها أم تأجلت.معراب تلوّح بالمالالرد المنسوب إلى معراب بأن “كل المقترحات مفتوحة” بما فيها البحث في تغيير وزير المال ياسين جابر، يحمل دلالات تتجاوز المجاملة السياسية. فوزارة المال تُعدّ أحد أعمدة السلطة الفعلية في لبنان، نظرًا لارتباطها المباشر بالإنفاق العام، والمفاوضات مع المؤسسات الدولية، وإدارة الأزمة المالية.طرح هذه الحقيبة على طاولة النقاش يوحي بأن أي تعديل لن يكون أحادي الاتجاه، بل قد يتحول إلى عملية تبادل نفوذ داخل الحكومة، حيث تُقابل كل خسارة بمكسب موازٍ. كما أن المسّ بوزارة المال يلامس توازنات طائفية وسياسية دقيقة، ما يجعل مجرد طرحه رسالة بحد ذاته.اللافت أن الاعتراض على رجّي لا يأتي من جهة واحدة، بل من أطراف متباعدة سياسيًا. اجتماع “الثنائي الشيعي” وفريق رئيس الجمهورية على موقف سلبي من أداء الوزير يشير إلى وجود تقاطع مصالح ظرفي، أو إلى شعور مشترك بأن إدارة الخارجية الحالية لا تخدم المرحلة المقبلة.هذا التقاطع، وإن لم يصل إلى مستوى التحالف، يعكس إدراكًا لدى القوى الأساسية بأن لبنان مقبل على مرحلة تتطلب خطابًا دبلوماسيًا أقل تصادمية وأكثر قابلية للتفاوض مع الخارج.تعديل صغير… رسائل كبيرةفي الأنظمة الهشة، لا يكون تعديل حكومي محدود مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات. من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يقتصر على “من سيُستبدل؟” بل يمتد إلى “أي مرحلة جديدة يُحضَّر لها؟”يبقى العامل الحاسم هو السياق الزمني: فإذا تمّ التعديل قبل الانتخابات، فقد يكون هدفه إدارة المرحلة الانتقالية وتمرير الاستحقاق بأقل قدر من الاحتكاك. أما إذا تزامن مع تأجيل الانتخابات، فقد يتحول إلى حكومة “إدارة أزمة” طويلة الأمد، تُعاد فيها صياغة موازين النفوذ داخل الدولة.السؤال الحقيقي إذًا ليس ما إذا كان رجّي سيُستبدل، بل ما الثمن السياسي الذي سيدفعه ومن سيقبضه.
مرةً جديدةً يَضرِبُ “الحدَفُ” كخبرٍ طريفٍ عن صيدا، فقد علمت “البوست” عن استخدام هذا النوع من الحلويات الذي تشتهر به المدينة في شهر رمضان تحديداً، كسلاحٍ استراتيجي على موائد السياسيين من خارجها. في هذا الإطار، ذكرت مصادر مطّلعة أنّ عددًا من الشخصيات السياسية والعاملين في الشأن العام يعمدون إلى شراء “الحدَف” من أحد محال الحلويات الشهيرة، المعروفة بطريقة تسويقها الغريبة لكمياتٍ محدودةٍ من هذه الحلوى التي تنفد قبل انتصاف النهار، لإهدائها إلى سياسيين كبادرةٍ تعكس التَّغنّي بعادات المدينة في شهر رمضان. وهكذا تتحوّل قطع الحلوى بالجوز إلى سلاحٍ سياسي لفتح الأبواب أمام الساعين إلى خوض غمار العمل السياسي وشؤون البلاد والعباد.
شهد السحور الرمضاني السنوي لإحدى الجمعيات الأهلية الرئيسة في صيدا مشاهدَ متنافرةً في الشكل والمضمون، لا سيّما على الطاولتين الرئيسيتين للحدث. إذ سعى منظّمو الحفل، بحسب ما علمت جريدة “البوست”، إلى تجنّب أي اشتباك سياسي أو شخصي بين المدعوين الأساسيين، عبر فصل طاولة ضيوف الشرف إلى طاولتين لمنع أي نفور أو امتعاض بين النائب السابق بهية الحريري والرئيس فؤاد السنيورة، وكذلك بين النائب أسامة سعد والرئيس السابق للبلدية محمد السعودي، فضلًا عن تفادي احتكاك بين إحدى الشخصيات المالية ورئيس سلطة تنفيذية سابق. وهكذا تتحوّل المناسبات الرمضانية، التي ينبغي أن تكون مبعثًا للزهد والتراحم والتسامح، إلى ميدانٍ للصراعات السياسية والشخصية المكتومة، التي لا يدفع أصحابها ثمنها بقدر ما تدفعه المدينة التي تحتضنهم.