تشهد مدينة صيدا منذ أيام ظاهرة لافتة وخطيرة في آن، تتصل مباشرة بتداعيات الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان، لكنها تتجاوز البعد الإنساني الظاهر إلى ما هو أبعد وأشد حساسية. فبحسب معلومات محلية متقاطعة، تنشط في المدينة حركة تأجير منازل يشغلها سوريون لصالح عائلات نازحة من مناطق الجنوب المهددة أو التي طالتها الاعتداءات وأوامر الإخلاء. وعلمت “البوست” أنّ ما يجري لا يبدو مجرد مبادرات فردية عفوية فرضتها الحاجة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ما يشبه سوقًا منظّمة تديرها سمسرة أزمات. إذ يتولى أشخاص، منذ مدة، التواصل مع مستأجرين من التابعية السورية لإغرائهم بمبالغ مالية مقابل إخلاء المنازل التي يقيمون فيها، تمهيدًا لتسكين عائلات نازحة مكانهم، وذلك بناءً على طلب جهات حزبية معنية بملف الإيواء والإسكان. وبحسب المعلومات المتداولة، تُسعَّر الشقق والمنازل وفق عدد الغرف التي تضمّها، وقد بلغ بدل الغرفة المفروشة الواحدة نحو 500 دولار، على أن تكون مدة الإيجار بالباطن شهرين كحد أقصى، تُدفع سلفًا. وهذا ما خلق، خلال فترة قصيرة، سوقًا ناشطة ومغرية دفعت عددًا من العائلات السورية إلى ترك المنازل التي كانت تشغلها والتوجّه إلى الداخل السوري، على أمل العودة بعد انتهاء الحرب واسترداد مساكنها. وتشير المعطيات إلى أنّ أكثر من 100 عائلة سورية غادرت بالفعل منازلها في هذا السياق، مستفيدة من المبالغ المعروضة ومن الانتعاش المفاجئ الذي أصاب هذا النوع من التأجير. إلا أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بقوة لا يتعلق فقط بالبعد المالي أو الإنساني، بل بما قد يختبئ خلف هذه الحركة من تداعيات أعمق: هل نحن أمام إجراء مؤقت فرضته الحرب والضغط الهائل على ملف النزوح، أم أمام إعادة توزيع سكاني تجري بصمت، تحت ستار الضرورة وبذريعة الظروف القاهرة؟ فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة: من يراقب؟ من يقرر؟ ومن يضمن ألا يتحول المؤقت إلى دائم؟
في مشهد يختصر قسوة الحرب وفوضى إدارتها، تكشّفت فصول مأساوية جديدة في منطقة “مشاريع الهبة” في مدينة صيدا، بعد مرور 3 أيام على القصف الذي طال الحي السكني. فبينما اعتقد كثيرون أن عمليات الإنقاذ قد انتهت، كانت رائحة كريهة تتسلل إلى الأزقة الضيقة لتكشف حقيقة أشد إيلامًا: جثث لا تزال تحت الأنقاض، ولم تصل إليها فرق الإنقاذ. أهالي الحي الذين عادوا لتفقّد منازلهم المدمرة لاحظوا انتشار رائحة نفاذة في المكان، ما دفعهم إلى الاعتقاد بوجود ضحايا ما زالوا تحت الركام. ومع تصاعد الشكوك، بدأ السكان البحث بأنفسهم بين الأنقاض، في ظل غياب واضح للفرق المختصة التي يُفترض أن تستكمل عمليات المسح والإنقاذ بعد أي قصف. وبحسب روايات سكان المنطقة، فإن الغارة كانت عنيفة واستهدفت مبنى سكنيًا مأهولًا، ما أدى إلى انهيارات جزئية في الأبنية المحيطة. لكن بعد مرور الأيام الأولى، توقفت عمليات البحث تقريبًا، تاركة خلفها احتمالًا مرعبًا بوجود ضحايا لم يتم انتشالهم. من المقصّر؟ تطرح هذه الحادثة سؤالًا أساسيًا، من يتحمل مسؤولية ترك الجثث تحت الأنقاض؟ في مثل هذه الكوارث، تتوزع المسؤولية عادة بين أكثر من جهة، وفي مقدمتها الجهات المحلية المعنية بالطوارئ. فالبلديات، والسلطات المحلية، وأجهزة الدفاع المدني، تتحمل مسؤولية أساسية في استكمال عمليات البحث والإنقاذ، وعدم وقفها قبل التأكد الكامل من عدم وجود ضحايا تحت الركام. https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/03/جثث-تحت-الركام-في-مشاريع-الهبة.mp4 نقص الإمكانات أم خلل في التنسيق؟ في كثير من الحالات، لا يكون التقصير متعمدًا، بل ناتجًا من نقص المعدات الثقيلة، وأجهزة الكشف، أو من غياب التنسيق بين الفرق المختصة، ما يؤدي إلى توقف عمليات الإنقاذ قبل الأوان. لكن مهما تكن الأسباب، فإن النتيجة واحدة: ضحايا يُتركون تحت الأنقاض، وعائلات تبقى معلقة بين الشك والصدمة والعجز. لا يمثل ترك الجثث تحت الأنقاض مأساة إنسانية لعائلات الضحايا فحسب، بل قد يتحول أيضًا إلى خطر صحي وبيئي، خصوصًا في المناطق السكنية الضيقة. فمع مرور الوقت، تنتشر الروائح وتزداد احتمالات التلوث، ما يضاعف من معاناة السكان الذين عادوا إلى بيوتهم المدمرة أو ما تبقى منها. كما أن لهذا المشهد بعدًا إنسانيًا عميقًا، إذ إن دفن الموتى بكرامة حق أساسي لا ينبغي أن يُحرم منه أي إنسان، حتى في أشد الظروف قسوة ووحشية. ليست حادثة “مشاريع الهبة” في صيدا مجرد خبر عابر، بل تذكير قاسٍ بمدى هشاشة المدنيين في زمن الحرب، وبحجم الفوضى التي قد ترافق إدارة الكوارث بعد القصف. فحين تتحول الرائحة إلى وسيلة لاكتشاف الضحايا، فهذا يعني أن المأساة لم تنتهِ بعد، وأن ما تحت الركام لا يزال يصرخ بصمت.
في خطوةٍ لافتة تحمل الكثير من المعاني والدلالات، قامت إحدى الجمعيّات الأهليّة التي تنشط بشكلٍ ملحوظ في العمل الإنساني والإغاثي في صيدا خلال هذه الفترة، بحملةٍ ذكيّة تتيح للنازحين الذين تركوا ديارهم الاستحمام والمحافظة على النظافة منعًا لانتشار الأمراض والأوبئة بينهم. ولأنّه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، فقد علمت “البوست” من مصادر محليّة متابعة أن عددًا من أعضاء الجمعيّة ومتطوّعيها قاموا بالتجوّل في شوارع صيدا للبحث عن تجمّعات للنازحين خارج مراكز الإيواء، حيث تمّ التواصل معهم وتوزيع قسائم عليهم للتوجّه إلى أحد حمّامات البلدة القديمة للاستحمام والتنظيف وقد لاقت هذه الخطوة استحسانا وترحيباً من قبل النازحين وعائلاتهم، لاسيما النساء والأولاد، الذي مضى على بعضهم أكثر من أسبوع دون استحمام. مرّةً جديدة تكشف صيدا عن وجهٍ خاص لا يشبه غيرها من المدن والمجتمعات. فهذه الحمّامات الأثريّة الضاربة عمقاً في التاريخ، والتي تأسّست منذ مآت السنين، تُثبت أن الحقّ والحقيقة يسودان في النهاية مهما طال ليل الظالمين، وهكذا تنتصر “نظافة العثمانيين” على “وساخة الصهاينة”.