تغيّر معنى الموت. بعد الحروب الأخيرة التي تعيشها البشريّة، لاسيّما في هذه المنطقة من العالم، أصبح الموت أمرًا سهلًا. لم يعد أمرًا يحسبه الفكر البشري شيئًا مَهولًا، بعيدًا، هامشيًّا، يحصل لغيرنا لا معنا…صار أمرًا عاديًّا يحصل في جزء من ثانية، دون توقّع ودون حصانة لأحد. ساهم التقدّم التكنولوجي الكبير ودخول الذكاء الاصطناعي بشكل واسع في تقزيم القيمة العظيمة للموت باعتباره أمرًا ذا شأن للبشر جميعًا. صار حدثًا يوميًّا متوقَّعًا في أي مكان وأي زمان. مسيَّرة في السماء، أو صاروخ ذكيّ مُوجَّه، أو حتّى شعاع قاتل غير مرئيّ، يمكن أن يقطع آلاف الأميال، ليدخل نافذةً في كوخ ناءٍ، أو كُوَّةً في خيمة مموّهة، حتّى في مجاهل غابات الأمازون، ويضع حدًّا لهدفٍ مرصود. أمّا الفاعل، فقد يكون في غرفة مُكيَّفة الهواء، على كرسيّ مريح، أمام شاشة مرتبطة بكاميرا وشبكة تواصل. يكفي للآن. ما حصل في الدوحة باغتيال أو محاولة اغتيال إسرائيل لقياديّين في حركة “حماس”، مؤشِّر أنّ الموت صار بمتناول الجميع، لا عصمة لأحد من أحد. الشرير يملك قوّة ما، وهو المتحكِّم في عالم اليوم. للخانعين المستسلمين أمام “الآلهة” الجديدة التي تختزل القوّة المادّية والتكنولوجيّة، نذكّركم بالحادثة التالية: كتب كِسرى (أمبراطور فارس) إلى باذان عامله على اليمن في ذلك الحين، أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز (يقصد النبيّ، عليه الصلاة والسلام)، فليأتياني بخبره. فبعث باذان قهرمانه ورجلًا آخر، وكتب معهما كتابًا، فقدما المدينة، فدفعا الكتاب إلى النبيّ، فتبسّم رسول الله ﷺ، ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد. وقال: «ارجعا عنّي يومكما هذا، حتّى تأتياني الغد، فأُخبِركما بما أريد». فجاءاه من الغد، فقال لهما: «أبلغا صاحبكما أنّ ربّي قد قتل ربَّه كسرى في هذه الليلة». حينها كانت التكنولوجيا كلّها بيد كسرى… لكنّ القوّة دوما ما تكون لله… في كلّ زمان ومكان. مهما تبدلت التفاصيل أو تغيرت…
يُختزل الحديث عمّا يُسمّى “صراع تركي – إسرائيلي” على أراضٍ عربية، مشهداً بالغ التعقيد أكثر ممّا يبدو للبعض، خصوصاً عند التوقّف أمام “الفارق الجوهري” ما بين تركيا كدولة إقليمية طاعنة في تاريخ الشرق الأوسط بحضارتها وحضورها الفاعل في الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وعلاقاتها المتجذّرة مع شعوب المنطقة، وبين إسرائيل ككيانٍ محتلٍّ لأراضي دولة فلسطين العربيّة، بلا أي جذر أو تاريخ في المنطقة بدو المشهد شديد التعقيد في ظلّ الواقع الذي يفيد بـ”تنافس جغرافي – أمني” على “الحواف” السوريّة، واللبنانيّة، والعراقيّة، واليمنيّة، وبـ”إعادة رسم” خرائط الطاقة والممرّات (غاز شرق المتوسّط / جنوب القوقاز / قناة السويس – البحر الأحمر). يأتي هذا التنافس في ظلّ تصادم شبكات نفوذ، بين محور أميركي – أوروبي يضمّ إسرائيل، وبين محور روسي – إيراني له أذرع في لبنان واليمن والعراق، في حين تنفرد تركيا بدورها كـ”لاعب محوري” يناور بين المحورين. شراكة… فقطيعة في التاريخ، وبجردة مختصرة، يتبيّن أن الشراكة التركيّة – الإسرائيليّة بلغت ذروتها في تسعينيات القرن الماضي، من خلال اتفاقيات تعاون عسكري وُقّعت بين البلدين عام 1996، وتبادل تدريبات وصناعات دفاعية، قبل أن تتدهور هذه الشراكة بعد حادثة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، ثمّ تتقارب مجدّداً على موجات متقطّعة، حتى انفجرت بعد حرب غزّة 2023 – 2025، وما رافقها من إعلان أنقرة عن قطع العلاقات في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وتعليق التبادل التجاري تدريجياً. أما في الجغرافيا، فثمة أكثر من منطقة تشهد على تماس بين تركيا وإسرائيل، وهي: 1- سوريا ولبنانبينما تستمر إسرائيل في أعمالها العدائية التي ما تزال تستهدف لبنان منذ أواخر العام 2024، كما استهدفت سوريا مؤخّراً، تراقب تركيا هذا المسرح عبر عدستين: أمن حدودها شمال سوريا، وميزان القوى مع إيران وإسرائيل. 2- العراقرسّخت أنقرة حضوراً عسكرياً شمال العراق ضدّ حزب العمال الكردستاني (PKK)، وتنسّق اقتصادياً عبر مشروع “طريق التنمية” الممتد من ميناء الفاو في البصرة إلى مرسين التركية، وهو مشروع استراتيجي مهم من شأنه أن يعيد تشكيل تدفّق البضائع من الخليج إلى أوروبا. 3- اليمن والبحر الأحمرتضغط هذه المنطقة على سلاسل التوريد للطاقة والبضائع معاً، بعد أن عطّلت الهجمات الحوثيّة طريق السويس – باب المندب، ورفعت كلفة النقل عالميّاً، الأمر الذي دفع واشنطن إلى الردّ بضربات واسعة، ومعها إسرائيل التي نفّذت مؤخّراً ضربات نوعيّة في صنعاء طالت قيادات حوثيّة، فيما استمرّ إطلاق الحوثيّين صواريخ ومسيّرات على سفن مرتبطة بإسرائيل. الغاز والخطوط… وتغيّر السياسة تنطلق أهمية ممرّات الطاقة في فهم خلفيات الصراع وتغيّر السياسة، وأهمّها: شرق المتوسّطخط EastMed (إسرائيل – قبرص – اليونان – إيطاليا) ظلّ مشروعاً معلّقاً، وتراجع الدعم الأميركي له، قبل أن تأتي حرب غزّة لتزيد من صعوبة تنفيذه. في المقابل، عاد خيار ضخّ الغاز الإسرائيلي إلى مصر للتسييل أو الاستهلاك بقوّة عبر اتفاق “ليفياثان – مصر” (130 مليار م³ حتى 2040) الموقّع في آب/أغسطس 2025، ليقلّل من جاذبية أي مسار بحري – برّي مباشر عبر تركيا في المدى القريب، رغم “حالة الضجيج” التي أُثيرت بعد تسريبات إسرائيليّة عن توجيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعدم المضيّ في تمديد “اتفاق الغاز” مع مصر دون مراجعته، وما قابلها من تأكيدات مشتركة على أن “الاتفاق ماضٍ في طريقه”، وأن ما يقوم به نتنياهو “مجرد مناورة”. تركيا كممرّ أوروآسيويتبقى أنقرة “عنق الزجاجة” لغاز أذربيجان وأحياناً لروسيا نحو أوروبا: TANAP → TAP مع قابليّة رفع السعة إلى ~31/20 مليار م³ سنوياً، وTurkStream الذي يواصل تمرير الغاز الروسي إلى البلقان – وسط أوروبا، برغم مساعي تقليص الاعتمادات. الأمر الذي يعطي تركيا وزناً تفاوضياً كبيراً مع واشنطن وموسكو معاً. بدائل الشحن والربط التجاريأعاد تعطيل ممرّ البحر الأحمر بفعل حرب غزة الاعتبار لممرّات برّية – بحرية بديلة مثل: IMEC (الهند – الشرق الأوسط – أوروبا)، وتَعزّز الاعتماد عليها بفعل تسويق أنقرة وبغداد لمشروع “طريق التنمية” العراقي كبديل سريع بين الخليج وأوروبا، انطلاقاً من ضرورة إحلال الاستقرار في سوريا والعراق. تنفرد تركيا بدورها كـ”لاعب محوري” يناور بين محور أميركي – أوروبي يضمّ إسرائيل، ومحور روسي – إيراني له أذرع في لبنان واليمن والعراق أين روسيا وأميركا؟ تساندالولايات المتحدة إسرائيل عسكرياً وسياسياً، وتقود أمن الملاحة في البحر الأحمر عبر عملية متعددة الشركاء، وتعمل على مشاريع ربط تجاري (IMEC)، وتحاول كبح تمدّد إيران في العراق وسوريا، وضبط التصعيد مع تركيا في ملفّ “قسد”. من جهتها رسّخت روسيا وجودها العسكري في سوريا منذ العام 2015، وهي تحافظ على قنوات “فضّ الاشتباك” مع إسرائيل، وتنتقد ضرباتها لضرورات ديبلوماسية. اقتصادياً، تعتمد أكثر فأكثر على TurkStream بفعل تداعيات الحرب مع أوكرانيا، وتعذّر عبور الغاز عبرها، ما يمنح أنقرة “ورقة ضغط نادرة” على موسكو. لا يبدو سيناريو تقاسم النفوذ التركي – الإسرائيلي وارداً، بل الأرجح تعدّد أقطاب وصفقات مؤقتة وممرّات متنافسة هل تتقاسم تركيا وإسرائيل النفوذ بعد هزيمة إيران؟ رأي وازن يستبعد ذلك، ويضع خمسة أسباب بنيويّة: الدور العربي (مصر – السعودية – الإمارات – العراق – قطر) الذي بات يمتلك أدوات تأثير مستقلّة. استمرار حضور الأذرع الإيرانية (لبنان – سوريا – العراق – اليمن)، وقدرتها على امتصاص الضربات. الخلاف التركي – الإسرائيلي العميق في غزّة والقدس. القيود الأميركية – الأوروبية على أي تمدّد روسي – إيراني، في مقابل القيود الروسية على أي شراكة تركيّة – إسرائيليّة. الميل إلى حلول “متعدّدة الممرّات” لا أحادية المحور. السيناريوهات المحتملة يبدو سيناريو “تقاسُم النفوذ” غير وارد بفعل ما سبق ذِكره من معطيات، لكن ماذا عن سيناريوهات السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة؟ تثبيت “الهدوء الساخن”استمرار الاشتباك المتقطِّع بين إسرائيل و”حزب الله” في لبنان، في موازاة ضربات إسرائيلية في سوريا، واحتواء تركي في شمالي سوريا والعراق ضدَّ الـPKK، مع إدارة أزمات الملاحة في البحر الأحمر عبر تفاهمات مؤقّتة.يُرجَّح في هذا السيناريو توسُّع تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر أكثر من إحياء الخطّ مع تركيا. قفزة تكامل لوجستيتقدُّم “طريق التنمية” وربما عودة زخم IMEC إذا هدأت جبهة غزّة – لبنان، وتموضع سلاسل الإمداد بعيدًا من باب المندب – السويس جزئيًّا، بحيث تربح تركيا بوصفها عقدة عبور، وتربح إسرائيل عبر ربط موانئها في شرق المتوسّط كمحطّات وصل. انفجار واسعفرضية توسُّع الحرب في لبنان من شأنها أن تدفع أوروبا إلى طلب غاز بديل سريع (LNG/مصر/أذربيجان عبر تركيا)، وهذا ما سيُعرقل أيَّ مسار غاز بحري جديد شرق المتوسّط. تصعيد بحري طويليطيل الالتفاف حول أفريقيا، ويزيد كلفة الشحن، ويدفع إلى اعتماد أوسع على الممرّات البرّية – السككية (السعودية – الأردن – إسرائيل/مصر) إذا أمكن، وعلى تركيا كجسرٍ برّي – أنبوبي لأوروبا. ماذا يعني كلّ ذلك إذا عدنا إلى الجغرافيا ومناطق التماس في سوريا، لبنان، العراق واليمن؟ يعني ذلك أنَّ سوريا ولبنان سيظلّان مجال تنافس بالوكالة: إسرائيل مقابل محور إيران، مع “حياد عملي” تركي تجاه الجنوب وتركيز على الشمال.
لطالما شكَّلت آراءُ المفكِّر العربي الكبير عبدُ الرَّحمن بن خلدون حول طبائع الأمم والشعوب، وخاصَّة العرب، مادَّةً خصبةً للجدل والتحليل. ففي مقدمته الشهيرة، قدَّم ابن خلدون رؤًى عميقةً حول العصبيَّة، والتوحُّش، وطبيعة الملك، وتأثير الدِّين على المجتمعات… مع تصاعد الأحداث في المنطقة العربيَّة، وتحديدًا الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي بلغ ذروته في المجازر التي تشهدها غزَّة اليوم، يبرز تساؤل مُلحّ: هل يمكن لآراء ابن خلدون أن تقدِّم لنا إطارًا لفهم المواقف العربيَّة المتضاربة؟ وهل صفة “الخيانة” يمكن أن تُسقَط على مواقف بعض الأنظمة العربيَّة في لحظات تاريخيَّة حاسمة؟ التوحش والعصبيَّة وتأثير الدِّين لم يتناول ابن خلدون في مقدمته صفة “الخيانة” بشكل مباشر كسمة متأصِّلة في العرب، بل ركَّز على تحليل طبائعهم وسلوكهم الاجتماعي والسياسي من منظور أعمق. يمكن تلخيص رؤيته للعرب في فئتين رئيسيتين: وصف ابن خلدون هذه الفئة بأنَّها: “أبعدُ الأمم عن سياسة الملك”، ويَعزو ذلك إلى عوامل متأصِّلة في طبيعتهم البدويَّة: التوحُّش: يرى ابن خلدون أنَّ العرب، بحكم طبيعة حياتهم في الصحراء، يتَّسمون بالتوحُّش، وهو ما يعني عدم انقيادهم للسُّلطة المركزيَّة، وصعوبة خضوعهم للحكم. هذا التوحش يجعلهم يميلون إلى الفوضى وعدم الاستقرار، ويهدمون العمران بدلًا من بنائه. فالعرب، في نظره، “إذا تغلَّبوا على أوطانٍ أسرع إليها الخراب”، لأنَّهم لا يميلون إلى الاستقرار والبناء، بل إلى النهب والتخريب. حبُّ الرِّياسة والأنفة: يتميَّز عرب البداوة بحبٍّ شديد للرِّياسة والأنفة، ممَّا يجعلهم: “منافسين في الرياسة، وقلَّ أن يُسلِّم أحدٌ منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته، إلا في الأقل وعلى كُرهٍ من أجل الحياء”. هذا التنافس المستمر يؤدِّي إلى تعدُّد الحكَّام والأمراء، واختلاف الأيدي على الرعيَّة، ممَّا يُفسد العمران ويُنقِصه. العصبيَّة: تُعتبر العصبيَّة من أهم المفاهيم الخلدونيَّة، وهي تعني التضامن والولاء القبلي أو العائلي. يرى ابن خلدون أنَّ العصبيَّة هي أساس قيام الدول والممالك، ولكنها في الوقت نفسه يمكن أن تكون سببًا في سقوطها عندما تتحوَّل إلى صراعات داخليَّة بين الفروع المختلفة للعصبيَّة الواحدة. يتميَّز عرب البداوة بحبٍّ شديد للرِّياسة والأنفة، ممَّا يجعلهم: “منافسين في الرياسة، وقلَّ أن يُسلِّم أحدٌ منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته العرب بعد الإسلام يقدِّم ابن خلدون رؤيةً مختلفةً للعرب بعد ظهور الإسلام. فالدِّين، في نظره، يلعب دورًا محوريًّا في تهذيب طباع العرب وتوجيه طاقتهم نحو البناء والتعمير.يرى ابن خلدون أن العرب: “لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينيَّة من نبوَّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة”. فالإسلام، بما يحمله من قيم ومبادئ، هذَّب طباعهم المتوحِّشة، ووحَّد عصبيتهم المتفرِّقة، ووجَّهها نحو هدف أسمى، وهو نشر الدعوة وبناء الحضارة. وهذا ما يُفسِّر، في رأيه، الفتوحات العظيمة التي قام بها العرب بعد الإسلام، وإقامتهم للدول والممالك، وبنائهم للحضارة. ولم يصف ابن خلدون العرب بـ”الخيانة” كصفة متأصِّلة، بل ركَّز على تحليل سلوكهم الاجتماعي والسياسي بناءً على ظروف حياتهم (بداوة أو حضارة) وتأثير الدِّين عليهم. فـ”التوحش” و”حبُّ الرِّياسة” و”العصبيَّة” هي الصفات التي تناولها في سياق تحليل قيام وسقوط الدول. النكبة كانت حرب 1948 أوَّل مواجهة عسكريَّة واسعة النطاق بين الدول العربيَّة الوليدة وإسرائيل. شاركت فيها جيوش من مصر، سوريا، الأردن، لبنان، والعراق. ورغم أن الهدف المعلن كان منع قيام الدولة اليهوديَّة وحماية الأراضي الفلسطينيَّة، إلَّا أن التنسيق بين الجيوش العربيَّة كان ضعيفًا، وكانت هناك خلافات حول القيادة والأهداف. انتهت الحرب بهزيمة الجيوش العربيَّة وتوسُّع إسرائيل، وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين.يمكن تفسير هذا التشرذم في القيادة والأهداف، جزئيًّا، بـ”حبِّ الرياسة والأنفة” الذي تحدَّث عنه ابن خلدون، حيث إنَّ عدم الانقياد لسلطة موحَّدة يمكن أن يؤدِّي إلى الفشل حتَّى في مواجهة عدوٍّ مشترك. النكسة كانت حرب 1967 كارثة على الجيوش العربيَّة، حيث شنَّت إسرائيل هجومًا مفاجئًا واحتلَّت خلال أيَّام قليلة الضفَّة الغربيَّة، قطاع غزَّة، مرتفعات الجولان، وشبه جزيرة سيناء. هذه الهزيمة السريعة كشفت عن ضعف الأنظمة العسكريَّة العربيَّة، وعدم جاهزيَّتها، بالإضافة إلى غياب التنسيق الفعَّال. ورغم الشعارات القوميَّة التي كانت سائدة، إلَّا أن الواقع أظهر أن “العصبيَّة” القبليَّة أو القطريَّة كانت لا تزال أقوى من العصبيَّة القوميَّة الجامعة، ممَّا أثَّر على الأداء العسكري والسياسي. حرب أكتوبر 1973 تُعتبر حرب 1973 نقطة تحوُّل في الصراع، حيث شنَّت مصر وسوريا هجومًا مفاجئًا على إسرائيل وحقَّقتا نجاحات أوليَّة. أظهرت هذه الحرب قدرة الجيوش العربيَّة على التخطيط والتنفيذ، وحقَّقت بعض المكاسب العسكريَّة والنفسيَّة. ورغم أنَّها لم تُؤدِّ إلى استعادة كامل الأراضي المحتلَّة، إلَّا أنَّها مهَّدت الطريق لمفاوضات السلام.يمكن رؤية هذه الحرب كنموذج لتأثير “الصبغة الدينيَّة” و”العصبيَّة” الموجَّهة نحو هدف مشترك، حيث إنَّ الإعداد الجيِّد والتنسيق النسبي، بالإضافة إلى الروح المعنويَّة العالية، ساهمت في تحقيق هذه النجاحات. اتفاقيَّات السلام بعد حرب 1973، بدأت بعض الدول العربيَّة في التوجُّه نحو السلام مع إسرائيل، حيث وقَّعت مصر معاهدة سلام عام 1979، تلتها الأردن عام 1994. كما أدَّت اتفاقيَّات أوسلو إلى إنشاء السلطة الوطنيَّة الفلسطينيَّة.هذه الاتفاقيَّات، وإن كانت تهدف إلى إنهاء الصراع، إلَّا أنَّها أدَّت إلى انقسامات داخل الصف العربي، حيث اعتبرها البعض “خيانة” للقضيَّة الفلسطينيَّة، بينما رآها آخرون ضرورة واقعيَّة. هذا التباين في المواقف يعكس مدى تعقيد “العصبيَّة” العربيَّة، وكيف يمكن أن تتشكَّل وتتغيَّر الولاءات بناءً على المصالح السياسيَّة والاقتصاديَّة. هل تتكرَّر “الطبائع الخلدونيَّة”؟ تشهد غزَّة اليوم مجازر مروِّعة، وقصفًا مكثَّفًا، وحصارًا خانقًا، أدَّى إلى كارثة إنسانيَّة غير مسبوقة، ومجاعة في بعض المناطق. وفي ظل هذه الظروف، يبرز الموقف العربي الرسمي والشعبي، والذي يمكن تحليله في ضوء ما سبق من آراء ابن خلدون حول طبائع العرب. شجب وتنديد وواقعيَّة سياسيَّة تميَّز الموقف الرسمي العربي من العدوان على غزَّة بـ”المحتشم والضعيف”، واقتصر في الغالب على الشجب والتنديد والبيانات الفضفاضة. ورغم توالي الإدانات الدوليَّة للمجازر، إلَّا أنَّ التحركات العربيَّة الرسميَّة بقيت محدودة. يمكن تفسير هذا الموقف بعدَّة عوامل: المصالح القطريَّة: العديد من الدول العربيَّة تُعطي الأولويَّة لمصالحها الوطنيَّة، وعلاقاتها الدوليَّة، واستقرارها الداخلي، ممَّا يجعلها تتجنَّب المواجهة المباشرة مع إسرائيل أو الدول الداعمة لها. هذا يعكس “حبَّ الرياسة” و”الأنفة” على المستوى القطري، حيث تُغلَّب مصالح الدولة الفرديَّة على المصلحة الجماعيَّة للأمَّة. غياب العصبيَّة الجامعة: رغم وجود جامعة الدول العربيَّة، إلَّا أنَّ “العصبيَّة” الجامعة التي تحدَّث عنها ابن خلدون، والتي توحِّد الصفوف وتدفع للعمل المشترك، تبدو غائبة أو ضعيفة في مواجهة الأزمات الكبرى. فالخلافات بين الدول العربيَّة، وتضارب المصالح، يمنع تشكيل موقف عربي موحَّد وقوي. الواقعيَّة السياسيَّة: يرى البعض أنَّ الموقف العربي هو نتاج واقعيَّة سياسيَّة، حيث تدرك هذه الدول موازين القوى الإقليميَّة والدوليَّة، وتُفضِّل عدم الدخول في مواجهات قد تؤثِّر على استقرارها أو مصالحها. غضب وتضامن على النقيض من الموقف الرسمي، شهد الشارع العربي غضبًا وتضامنًا واسعًا مع غزَّة، حيث خرجت مظاهرات حاشدة في العديد من العواصم والمدن العربيَّة