في خطوة أثارت عاصفة من الجدل في الأوساط السياسية والشعبية، خرج المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ببيان لم يكتفِ فيه بمباركة مسار المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي، بل ذهب إلى إضفاء غطاء روحي وشرعي على تنازلات يراها مراقبون انتحارًا سياديًا. وبينما حاول البيان صبغ تحرّكه بصبغة “الحرص الوطني”، فإن تفنيد نقاطه يكشف هوّة سحيقة بين الواقع الدستوري و“الواقعية” الانهزامية التي تبنّاها صكوك الاستسلام بختم ديني إن ما حمله البيان من دعوات للالتزام بمسار المفاوضات مع كيان غاصب لا يفهم إلا لغة القوة، هو بمثابة “صك استسلام” مغلّف بآيات وعبارات إنشائية جوفاء. كيف لدار الفتوى، التي يُفترض أن تكون حصن الأمة المنيع ومنارة جهادها، أن تبارك الجلوس مع من يستبيح الأرض والعرض؟ أين الثوابت الوطنية التي يتحدثون عنها، وهم يفرشون السجاد الأحمر لوفود تتفاوض على فتات السيادة؟ فخّ “المادة 52” استند البيان إلى المادة 52 من الدستور لتشريع التفاوض، متناسيًا أن روح الدستور اللبناني والمواثيق الوطنية لا تجيز التفاوض مع عدو غاصب يحتل الأرض ويمارس الإبادة. إن حصر التفاوض برئيس الجمهورية، في حال وجوده، لا يعني منحه “شيكًا على بياض” للتفاوض على ثوابت الوجود. إن القوانين اللبنانية النافذة، وعلى رأسها قانون مقاطعة إسرائيل، لا تزال تعتبر أي تواصل أو تفاوض مع هذا الكيان خروجًا عن الثوابت الوطنية، فكيف إذا كان هذا “التفاوض” يأتي تحت وطأة النار والابتزاز؟ skip render: ucaddon_material_block_quote “المسار الدبلوماسي” أم وهم النجاة؟ وصف المجلس المفاوضات بأنها “ممر إلزامي”. وهنا يُطرح السؤال: منذ متى كانت الكرامة الوطنية تمر عبر بوابات واشنطن التي تدير آلة القتل الإسرائيلية؟ إن تسمية “الاستسلام للضغوط” بـ“الدبلوماسية” مغالطة كبرى. فالمفاوضات، في علم السياسة، تتطلب توازنًا في القوى، أما التفاوض بذهنية “منع انزلاق البلاد نحو المجهول”، كما ورد في البيان، فهو اعتراف مسبق بالهزيمة، وشرعنة لحالة “الذل والهوان” التي وصلت إليها الهمم. السيف المغمد ببيانات الانبطاح إن الربط بين ما آلت إليه الأمة وأمجادها التليدة يضعنا أمام مفارقة مؤلمة. فلو استذكرنا سيرة القائد خالد بن الوليد، لوجدنا أن هيبة الأمة لم تُبنَ ببيانات الاستجداء، بل بصلابة المواقف وصون الكرامة. إن عار الأمة يكمن في خيانة “همم الرجال”، وفي قبول مؤسساتها الكبرى بأنصاف الحلول تحت مسمى “الحكمة”. لو كان بيننا من يحمل روح “سيف الله”، لما تجرأ أحد على صياغة بيان يمتدح وفدًا يتفاوض على فتات السيادة، بينما دماء الأحرار لم تجف بعد. إن التاريخ سيسجّل أن في نيسان 2026، خرجت “العمامة” لتبارك الانكسار، بينما كان الشارع يغلي غضبًا وطموحًا إلى الحرية. إن خيانة همم الرجال هي الجريمة الكبرى التي تُرتكب اليوم تحت أنظارنا. خزي يغلّفه الثوب الرسمي إن هذا البيان لن يمر مرور الكرام في ذاكرة اللبنانيين. فالمطالبة بـ“الوقوف صفًا واحدًا خلف الدولة” في مسار تفاوضي مشبوه، هي دعوة للسكوت عن “الخزي والعار”. إن التاريخ لا يرحم المنبطحين الذين يبيعون الثوابت في مزاد “الواقعية السياسية”. فبينما كانت الشعوب تنتظر من دار الفتوى موقفًا يشدّ العزائم ويستنهض الهمم كما فعل الأوائل، جاء البيان ليؤكد أننا نعيش أسوأ مراحل “الوهن” الذي تداعت به علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. إنها لحظة الحقيقة: فإما ثبات كجبال لبنان، أو انبطاح يورثنا ذلًا لا ينتهي.
ذكرت مصادر اقتصادية مطّلعة لـ”البوست” أنّ إحدى الشركات اللبنانية الرائدة في مجال تصنيع الهنغارات الحديدية الضخمة سجّلت، خلال الشهر الحالي، أكثر من 70 طلبًا جديدًا من مؤسّسات تجارية وشركات صناعية لتجهيز هنغارات كبرى. وبحسب المصادر، فإنّ هذه الطلبات أتت بمعظمها من شركات ومصانع كانت تعمل في منطقة الجنوب، والضاحية الجنوبية لبيروت، وباتت تبحث اليوم عن نقل أعمالها إلى مناطق “أكثر أمانًا”، في ظلّ الظروف الراهنة، وفي استقراء للمرحلة المقبلة. وأشارت المصادر إلى أنّ الوجهات الجديدة المستهدفة تتركّز بصورة أساسية في نطاق مدينة صيدا وجوارها، إضافة إلى ساحل الشوف، وتحديدًا في المناطق الممتدة من بلدة الرميلة وصولًا إلى خلدة، حيث يتم شراء أراض وعقارات لهذه الغاية، وسط تسجيل استياء من قبل القوى الدرزية والمسيحية الحاضرة في هذه المناطق، وأن الأمر مرشح لمزيد من التعقيد في القادم من الأيام.
الحرب الإقليمية تطيح بالقدرة الشرائية في لبنان، والأجور تتآكل أمام موجة الغلاء. في نيسان 2026، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام أزمة معيشية خانقة، إذ تداخلت تداعيات الحرب الإقليمية مع ترهّل الاقتصاد المحلي، لتنتج انفجارًا في الأسعار وتراجعًا غير مسبوق في القدرة الشرائية فبينما كان معدّل التضخّم في شباط عند حدود 12.3%، قفز في آذار إلى 17.3%، وهو الأعلى منذ نهاية 2024. ومع ارتفاع أسعار الوقود والخبز والغاز، أصبح الحدّ الأدنى للأجور، البالغ 28 مليون ليرة شهريًا، ما يعادل نحو 312 دولارًا وفق سعر السوق، عاجزًا عن تغطية أبسط الحاجات الأساسية، ليصبح عمليًا مجرّد رقم بلا قيمة واقعية. قبل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد اللبناني يعيش على حافة الانكماش، لكن مع بعض الاستقرار النسبي في أسعار الغذاء والطاقة. ومع بداية العمليات العسكرية في الخليج والإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط العالمية فوق 100 دولار للبرميل، ما انعكس مباشرة على لبنان، المستورد بالكامل لمشتقاته النفطية. ربطة الخبز التي كانت بـ65,000 ليرة أصبحت بـ75,000، فيما يعكس ارتفاع أسعار المحروقات خلال أسابيع قليلة هشاشة الاقتصاد اللبناني أمام الصدمات الخارجية، ويؤكد أن أي اضطراب إقليمي يتحوّل سريعًا إلى أزمة معيشية محلية. والأرقام تعكس ارتفاعًا إضافيًا مقارنة بما كان عليه الوضع في آذار، حيث تجاوزت الزيادة في أسعار المشتقات النفطية ما يقارب 50%، ما يتحوّل مباشرة إلى تراجع في القدرة الشرائية للحدّ الأدنى للأجور يقترب من النصف خلال شهر واحد فقط بعد الحرب. skip render: ucaddon_material_block_quote بذلك، أصبح الأجر الشهري لا يغطي سوى 50 إلى 55% من الحاجات الأساسية، وهو ما يعادل خفضًا غير مباشر للحدّ الأدنى للأجور، إذ لم يعد يحقق الغاية التي وُضع من أجلها. فالأزمة الحالية ليست مجرّد أرقام في تقارير اقتصادية، بل واقع يومي يعيشه المواطن اللبناني. من منظور قانوني، يفترض بالحدّ الأدنى للأجور أن يضمن للعامل حياة كريمة وفق المعايير الدولية. لكن في لبنان، أصبح هذا الحدّ مجرّد رقم لا يعكس الواقع المعيشي. فغياب آلية لربط الأجور بمؤشر الأسعار يجعل أي زيادة شكلية عاجزة عن مواجهة التضخّم. أما سياسيًا، فالأزمة تكشف هشاشة الدولة أمام الضغوط الخارجية، إذ إن الحرب الإقليمية انعكست مباشرة على الداخل اللبناني، من دون وجود سياسات وقائية أو خطط دعم فعّالة. وهذا يطرح أسئلة حول دور الدولة في حماية مواطنيها، وحول مدى التزامها بالمعايير الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. الأزمة اللبنانية لا يمكن فصلها عن السياق الدولي. فالحرب في الخليج أثّرت على أسعار النفط العالمية، وأغلقت طرق الإمداد الحيوية. ولبنان، كاقتصاد هزيل يعتمد على الاستيراد، وجد نفسه في قلب العاصفة. في المقابل، استطاعت دول أخرى، ذات بنية اقتصادية أقوى، امتصاص الصدمة عبر سياسات دعم أو احتياطات استراتيجية. أما لبنان، فدخل مباشرة في أزمة ثلاثية: وقود، خبز، وكهرباء، ما جعل المواطن يواجه معركة يومية لتأمين أبسط مقوّمات الحياة. الحل لا يكمن في رفع الأجور بشكل اسمي، بل في ربطها بمؤشر الأسعار، وتبنّي سياسات دعم موجّهة للفئات الأكثر وهنًا، إضافة إلى إصلاحات اقتصادية جذرية تعيد بناء الثقة، وتوفّر الحدّ الأدنى من العدالة الاجتماعية. skip render: ucaddon_box_testimonial