قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، مراسلة صحيفة الأخبار، في غارة إسرائيلية استهدفت بلدة الطيري في جنوب لبنان، أثناء تغطيتها الميدانية للتطورات على الأرض، فيما أُصيبت المصوّرة الصحافية زينب فرج بجروح خلال الهجوم نفسه، وفق ما أوردته تقارير متطابقة. وأفادت المعطيات بأن خليل وفرج كانتا توثّقان آثار غارات سابقة، قبل أن تتعرضا لاستهداف جديد طال سيارة قريبة ثم منزلاً لجأتا إليه طلبًا للنجاة. وأثار مقتل خليل موجة إدانات واسعة في لبنان، وسط اتهامات بأن ما جرى يندرج ضمن نمط متكرر من الاعتداءات على الإعلاميين خلال تغطيتهم للحرب. في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن الغارة استهدفت مركبات مرتبطة بحزب الله داخل ما وصفه بمنطقة عازلة، ونفى تعمّد استهداف الصحافيين أو عرقلة عمليات الإنقاذ. وتأتي هذه الجريمة في سياق سجلّ متصاعد من الانتهاكات بحق الصحافيين في لبنان منذ بدء المواجهات على الحدود. كما سجّلت منظمات دولية معنية بحرية الصحافة سلسلة قتلى وإصابات في صفوف الإعلاميين العاملين في لبنان، بينهم صحافيون من رويترز والميادين والمنار، وسط تحذيرات من مناخ متزايد من الإفلات من العقاب. وأكدت لجنة حماية الصحافيين أن استهداف الإعلاميين في لبنان وغزة يعكس نمطًا خطيرًا يستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا، فيما قالت مراسلون بلا حدود إن عدة تحقيقات مستقلة دعمت فرضية الاستهداف الواضح لصحافيين في جنوب لبنان.
لم يكن مجرّد خبرٍ عادي أن يمكث المعاون السياسي لنبيه بري، الوزير السابق علي حسن خليل، أيامًا في السعودية، باحثًا مع مسؤوليها، على مختلف المستويات، شؤونًا لبنانية تفصيلية، وأخرى إقليمية وعربية عامة، في وقتٍ تتقاطر فيه الصواريخ في سماءات دول الخليج، ويبلغ ضغط الحروب أشدّه. قد تكون مواقف رئيس مجلس النواب اللبناني وحدها، هذه الأيام، هي التي تتقدّم على مواقف دونالد ترامب من حيث الضبابية والغموض، والشدّ والرخي، والشيء ونقيضه في آنٍ واحد. في الرياض، حمل خليل معه تفاصيل شيعية لبنانية متشعّبة، كما أكدت مصادر سياسية مطّلعة لصحيفة “البوست”. ولم يكن النقاش بين المسؤولين السعوديين والموفد اللبناني بالنيابة عن حركة أمل فحسب، بل عن أفكار جرى تنسيقها بشكلٍ وافٍ بين بري وحزب الله، ما يعني أنها تعكس حقيقة “جو” الثنائي الشيعي. من المواضيع التي طُرحت، بحسب المصادر، جسّ النبض السعودي حيال فكرة “التغيير الحكومي”. فقد حاول بري استمزاج رأي السعوديين حول إجراء تغيير حكومي يطيح بنواف سلام وفريقه الحالي، بحجّة تنفيس الاحتقان الداخلي (الذي لا يشعر به إلا فريقٌ محدد من اللبنانيين) بعد تداعيات العدوان الإسرائيلي، والبحث في إمكانية طرح أسماء سنية جديدة لتولّي رئاسة الحكومة العتيدة. الرياض استمعت إلى طرح عودة الحريري، لكنها لم تمنحه ضوءًا أخضر: لا إسقاط لنواف سلام الآن، ولا فتح جدّيًا لباب تبديل المشهد قبل نضوج التسويات الكبرى وفي هذا الإطار، جرى التطرّق إلى موضوع عودة سعد الحريري، وما قد تشكّله هذه الخطوة من إيجابيات على صعيد البلد ككل، والاحتقان السني – الشيعي الداخلي، وإطلاق عجلة إعادة الإعمار عربيًا ودوليًا بعد انتهاء الاتفاق بين أميركا وإيران. وفي هذا السياق، يقول عارفون إن الرد السعودي على ما بدا وكأنه “رغبة شيعية” بعودة الحريري إلى موقعه السياسي، لم يحمل جديدًا في هذا المجال، بل جرى الاستماع إلى وجهة النظر هذه، التي كانت جزءًا من نقاشاتٍ أكبر، بكل رحابة صدر. لكن الرأي السعودي تمسّك بنواف سلام وحكومته، التي تقوم بعملٍ تؤيده السياسة العامة للمملكة تجاه لبنان والمنطقة، وأن الحديث عن شخصية سنية جديدة تملأ فراغًا مفترضًا ليس أوانه بعد. وهكذا، فُهم أن الباب لم يُفتح أمام عودة الحريري، لكنه لم يُوصَد بوجهه تمامًا، ليبقى الوضع على ما هو عليه، بانتظار تبلورٍ أكبر في المعطيات، قد تنتج عنه ظروفٌ أكثر ملاءمة لساكن “بيت الوسط”.
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) يقف القطاع التربوي في لبنان اليوم عند أخطر مفترق طرق في تاريخه الحديث. فبين مطرقة الاعتداءات الأمنية وسندان الانهيار الاقتصادي، لم تعد الأسئلة تدور حول جودة التعليم فحسب، بل باتت تتمحور حول وجود التعليم نفسه. ومع تحوّل مئات المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء للنازحين، وتشتّت آلاف التلاميذ بين قرى النزوح ومناطق الاغتراب، يفرض اللبنانيون سؤالًا مصيريًا: إلى أين يمضي مستقبل أبنائنا؟ واقع مرير تشير المعطيات الميدانية في عام 2026 إلى انقسام حاد في المشهد التربوي. فبينما تحاول المدارس الخاصة، بجهود فردية، تأمين استمرارية التعليم عبر منصات التعلّم عن بُعد أو التعليم الهجين، يرزح التعليم الرسمي تحت وطأة عجز بنيوي خانق. أما الأساتذة، الذين فقدت رواتبهم أكثر من 90 في المئة من قيمتها الشرائية، فيجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في رسالة تكاد تكون مجانية، أو الهجرة بحثًا عن كرامة العيش. دور الدولة حتى اللحظة، اتّسم دور الدولة اللبنانية، ممثلة بوزارة التربية، بردّ الفعل بدلًا من المبادرة. ورغم صدور تعاميم هدفت إلى تنظيم استمرارية التعليم في الظروف الاستثنائية، فإن التنفيذ ما زال يصطدم بعقبات تقنية ولوجستية قاسية، أبرزها أزمة الكهرباء وتهالك شبكة الإنترنت، ما يجعل التعليم عن بُعد ترفًا لا يملكه الجميع، ويعمّق الفوارق الطبقية والتعليمية بين أبناء الوطن الواحد. خطة طوارئ في حال استمرار الأزمة أو اتّساع رقعة الحرب، لا بد من الانتقال من الحلول الترقيعية إلى خطة طوارئ وطنية شاملة، ترتكز على مجموعة من الخطوات العملية: أولًا، إنشاء بنك دروس وطني، عبر منصة رقمية موحّدة تضمّ المنهج اللبناني كاملًا، بصيغ مسجّلة وتفاعلية، بحيث يتمكن الطالب من الوصول إليها كلما توفّر له الإنترنت. ثانيًا، توزيع رزم تعليمية ورقية على الطلاب في المناطق التي تفتقر إلى الإنترنت أو الكهرباء، ضمانًا لاستمرارية التحصيل العلمي وعدم انقطاعه. ثالثًا، اعتماد الاستخدام المرن للمرافق التعليمية، من خلال نظام الفترات في المدارس الآمنة، بحيث يمكن تنظيم التعليم ضمن ثلاث فترات: صباحية وظهرية ومسائية، لاستيعاب الطلاب النازحين من مناطق النزاع. رابعًا، تحويل المراكز الثقافية والبلدية إلى نقاط تعليمية موقتة، تخفيفًا للضغط عن المدارس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء. صمود المعلّم لا يمكن إنقاذ التعليم من دون إنقاذ المعلّم نفسه. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى إنشاء صندوق دعم للمعلمين، يوفّر منحًا مالية عاجلة، ويفضل أن تكون بالدولار الأميركي عبر مساعدات دولية مشروطة، من أجل دعم رواتب الأساتذة وضمان عودتهم إلى الصفوف. كما أن تدريب المعلمين على إدارة الأزمات والدعم النفسي والتربوي بات ضرورة لا ترفًا، خصوصًا في التعامل مع أطفال يعيشون آثار الحرب والتهجير والصدمة. حماية الجيل إن بناء الجيل لا يتوقف عند جدران المدرسة. ولمنع ضياع جيل كامل، لا بد من توسيع النظرة إلى التعليم بوصفه مشروع حماية وطنية، لا مجرد خدمة عامة. من هنا، تبرز أهمية التعليم المهني السريع، الذي يمنح الشباب مهارات تقنية وفرص عمل مباشرة في ظل الانهيار الاقتصادي، كما يبرز دور الإعلام التربوي في تخصيص قنوات أو مساحات تلفزيونية محلية لبث الدروس والبرامج التثقيفية الموجّهة للأطفال، كما جرى في تجارب دولية سابقة خلال الحروب والأزمات. الخطر الأكبر إن مستقبل التعليم في لبنان ليس مجرد ملف إداري، بل قضية أمن قومي بامتياز. وإذا استمر التباطؤ الرسمي في إنتاج الحلول، فإن البلاد لا تواجه خسارة عام دراسي فحسب، بل خطر الأمية المقنّعة، وانهيار رأس المال البشري الذي شكّل، لعقود، ميزة لبنان الأساسية. الدولة اليوم مطالبة بالاستثمار في العقل، لأنه الملجأ الأخير للإعمار حين تسكت المدافع. المعركة في لبنان لم تعد فقط على الأرض، بل على عقول الأطفال أيضًا، لأن سقوط التعليم هو بداية سقوط المستقبل. إذا عجزت الدولة عن حماية المدرسة، فلن تخسر مقاعد الدراسة فقط، بل ستخسر آخر ما تبقّى من رأس مالها البشري