بعد تداول خبرٍ يفيد بأنّ القضاء سيستدعي “الإعلامي” علي برّو بناءً على طلب رئيس الحكومة نواف سلام، أشار أحد زوّار سلام إلى أنّه، لدى سؤاله عن الموضوع، أجاب: “مَن هو علي برّو؟” نعم، مَن هو علي برّو؟ بدايةً، سأخبركم كيف أنّ الصحافة والإعلام مُسيَّسان حقَّ التسييس؛ فلا التلفزيونات ولا الصحف ولا أي وسيلة إعلامية (إلّا من رحم ربّي) إلّا وهي مموَّلة ومملوكة، مباشرة أو غير مباشرة، من أحد الأحزاب أو أذنابها. وما ليس مملوكًا فهو يعمل وفق “المشروع”: قناة مشهورة لا حاجة لذكرها، إذا موّلها الخليج صارت خليجية، وإذا موّلتها إيران صارت إيرانية. المهم أنّ هذه الوسيلة حاقدة على الإسلاميين وأتباع حركة “أمل” في آنٍ معًا، وهي ليست موضوعنا الآن. أمّا في سرد: من هو علي برّو؟ يا دولة الرئيس القاضي نواف سلام، فبرّو هو الحقيقة وهو الاستفزاز. هو ما تبقّى من وجه الحزب بعد أن خسر الحرب، وخسر لبنان استقراره والكثير. هو عدم الاستقرار، هو الرابض على قلوب الشعوب العربية من لبنان إلى سوريا واليمن؛ يحمل شماعة فلسطين ويدور بها، وينتصر بإضاءة واهية على صخرة خرجت من البحر ولم تعد تتحمّل الاتساق بكيان لبنان الهش. من هو علي برّو؟ هو الحاقد والمستفِزّ، اللاعب بين القانون مرّة، وبين تجاوز القانون مرّات ومرّات. لا أتحدّث هنا عن شخصه أو “دَمه الثقيل”، بل عمّا يُمثّله من عنجهية وصورة أُريد لها أن تُلبَس للبنان: صورة دويلة تحكم دولة، فساد مُغطّى بشرعية السلاح، أو بالقانون حين يخدم مصالحهم. هو رمز الموت المُصدَّر إلى الجوار، والتفلّت الأمني، والسلاح الذي يظهر حتى عند موقف سيارة أو توقيف شرطي. الاستدعاء والقانونالواقعة أنّ القضاء اللبناني استدعاه بتهمة “القذف والذمّ”، بعدما نشر فيديوهات مسيئة لرئيس الحكومة نواف سلام. لكن برّو رفض المثول أمام قوى الأمن، مستندًا إلى المادة 28 من قانون المطبوعات والإعلام التي تنصّ على أنّ الصحافي أو الإعلامي لا يُستدعى إلى المخافر أو الأجهزة الأمنية، بل يُحال مباشرة أمام محكمة المطبوعات. وعليه أعلن تحدّيه قائلاً في أحد مقاطعه: “أنا لا أُوقَف… ولا أنزل إلى مخفر.” نصيحتي لكم يا دولة الرئيس: أنت اليوم ما تبقّى من هيبة الدولة، فامسكها بذكاء. لا تُعطِ “البرّو” وأمثاله ضجيجًا يصبّ في مصلحتهم، بل قدّم الطحين بلا ضوضاء. فأغلب هؤلاء لا يفهمون لغة القانون ولا لغة المواطنة، بل لغة القوّة التي يفرضونها على الناس، ولغة التحكّم والقهر والسيطرة. بكلّ محبّة: لا تُعطِهم الخميرة لينتفخوا برؤوسهم كالعجين، بل واجههم بالدهاء والحكمة التي تمتلكها. فالمعركة طويلة، كمعركة مريض يحارب السرطان؛ تحتاج أحيانًا دواءً، وأحيانًا استئصالًا.
إنْ كانتِ الضوضاءُ قد حصلتْ على صَخرةِ الروشة، فالحدثُ كان في صيدا. ليسَ من بابِ المصادفةِ أنْ يظهرَ “محمّد مهدي” نجلُ الأمينِ العامِّ السابقِ لـ”حزب الله” حسن نصر الله عندَ الطرفِ الجنوبيِّ للمدينة، مُحاطًا بجُمْهرةٍ من المؤيّدين والمناصرين، وهو الذي يَعتبره كثيرون شبيهَ أبيه ووَريثَه المحتمل في احتفالٍ بذكرى والده. علْمًا أنّ المسافةَ بينَ الحدثين تَبعُدُ عشراتِ الكيلومترات، ولا ترابطَ بينهما بأيٍّ من الأشكال. وفي هذا الإطار توقّفت مصادرُ سياسيةٌ صيداويةٌ متابعةٌ عند هذه المشهدية، التي بعثتْ برسائلَ في مختلفِ الاتجاهات، خاصّةً على صعيد المدينة بوابة الجنوب. أبرزُها موجَّهٌ ضدّ النائب أسامة سعد، لاسيّما بعد الإشكال الأخير الذي حصل بينه وبين ممثّلي “الحزب” في ذكرى انطلاق “حركة المقاومة الوطنية”، برسالةٍ واضحة مفادُها: “نحن على الأرض وفي الشارع”. أمّا الثاني فكان بحقّ النائب عبد الرحمن البَزري، المقرَّب حاليًّا من الجوّ السعودي، بأنّ حساباتِ المرحلة المقبلة ستكون مختلفة عمّا كانت. بالإضافة طبعًا إلى مسعى تثبيتِ وجودٍ طاغٍ للحزب يُبنى عليه في مَهدِ والمعقل الأقوى ل “الحريرية السياسية”. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّ صيدا في عين الحدث، ولو كان أهلُها “نائمين”، وستكون في القادم من الأيام على موعد مع محطات كثيرة مشابهة. ولا تأتي مظاهرُ الاحتفالات والمسيرات والعراضات التي تشهدها المدينةُ بشكلٍ يستفزُّ الكثيرَ من أهلها وناسها، إلا لتؤكّد أنَّ العينَ على صيدا اليومَ أكثرُ من قبل، خاصّةً بعدما أفرزتْه وقائعُ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على جنوب لبنان تحديدًا. فَتَحَضَّروا… محمد مهدي خلال الاحتفال مع أنصار حزب الله في صيدا
دولةٌ عاجزةٌ تبحث عن مخرج لم تعد صخرةُ الروشة مجرّد صخرةٍ تواجه البحر. في الذكرى السنويّة لوفاة حسن نصرالله، أُضيئت الصخرةُ بصورتِه العملاقة، لتتحوّل إلى منبرٍ سياسيٍّ مفتوحٍ في قلب العاصمة. لكن اللافت لم يكن الحدثَ بحدِّ ذاتِه، بل موقف الحكومة اللبنانيّة التي بدلاً من أن تواجهه كخرقٍ للقانون والنظام العام، لجأت إلى أسلوبها التقليدي: إعطاء رخصةٍ من جمعيّة واجهة تابعةٍ للحزب. هكذا حوّلت الدولةُ نفسَها إلى “مقدِّمة خدمات” لدى القوى النافذة، وباركت ما لا تستطيع منعه. التصوّفُ الحكومي… عبادةُ الأمر الواقع المشهد لم يكن بريئًا ولا فنّيًا. كان إعلانًا واضحًا عن سطوة الحزب على مفاصل القرار، وعن هشاشة الدولة التي لا تملك إلّا التصوّف والانحناء. الحكومة صارت تتصرّف كراهبٍ يبارك الأيقونات، ولو كانت أيقونةً سياسيّةً تُثير الانقسام. لم نرَ دولةً تضع معاييرَ واضحة، بل شاهدنا جهازًا بيروقراطيًا يمنح “بركةً رسميّة” لمشهدٍ سياسيٍّ يكرّس الانقسام بدل أن يوحّد اللبنانيّين. الروشة بين واشنطن والضاحية والمفارقة أنّ صخرةَ الروشة نفسَها وقفت قبل أسابيع خلف صورةٍ أخرى تمامًا: صورةِ وفدٍ أمريكيٍّ رفيعٍ يتناول العشاء في مطعمٍ مطلٍّ على البحر. خلف الوفد، الصخرةُ ذاتُها، لكن هذه المرّة كرمزٍ للسياحة والهدوء والانفتاح. الصورةُ انتشرت بسرعةٍ وكأنّها رسالة: لبنان ما زال قادرًا على استقبال الغرب بابتسامة، ولو كانت تلك الابتسامة باهتة. لكنّ التناقض صار فاضحًا: صخرةٌ واحدة تحمل وجهين، صورةَ نصرالله المضيئةَ ليلًا، وصورةَ الابتسامة الدبلوماسيّة نهارًا. هنا حزبُ الله يكرّس حضورَه الرمزي، وهناك واشنطن تلتقط خلفيّةً “إنستغراميّة” لتسوّق فكرة لبنان الجميل. سياسة “الصخرة المزدوجة” المشكلة ليست في الحزب ولا في الوفد، بل في دولةٍ جعلت من رمزٍ وطنيٍّ مثل الروشة سلعةً معروضةً للتأجير السياسي. أعطت الرخصةَ هنا، وتسامحت بالصورة هناك، وكأنّ الصخرةَ تحوّلت إلى شاشةِ عرضٍ يتناوب عليها اللاعبون المحلّيّون والدوليّون. صخرةُ الروشة اليوم تختصر مأساةَ لبنان: دولةٌ بلا قرار، تعيش بين قوّتَين متناقضتَين، وتحوّل المعالمَ الوطنيّة إلى منصّات صراعٍ رمزي. من رمزٍ للسياحة والحبّ، تحوّلت الروشةُ إلى شاهدٍ على دولةٍ عاجزةٍ تبيع “شرعيّتَها الورقيّة” مقابل تمرير المواقف. فأيُّ بيروتٍ هذه التي لم يبقَ منها سوى صخرة؟ نصفُها للضاحية ونصفُها لواشنطن، وبينهما بحرٌ يغرق فيه ما تبقّى من صورة لبنان كدولةٍ طبيعيّة.