لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب السماح لشركات الطيران الأميركية بإعادة تسيير رحلات مباشرة إلى لبنان مجرد تفصيل سياحي أُضيف إلى نتائج زيارة الرئيس جوزف عون للبيت الأبيض، بل حمل دلالة سياسية وأمنية تتجاوز بكثير عدد الرحلات التي قد تُسيَّر بين بيروت ونيويورك أو واشنطن. فالقرار يطوي، من حيث المبدأ، صفحة بدأت عام 1985، عندما أوقفت إدارة الرئيس رونالد ريغان الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، عقب اختطاف طائرة أميركية وتحويلها إلى مطار بيروت في واحدة من أشهر عمليات خطف الطائرات خلال الحرب الأهلية اللبنانية. قرار تاريخي بعد أكثر من أربعين عامًا، اختار ترامب الإعلان عن رفع الحظر مباشرة بعد لقائه عون، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تريد تقديم خطوة عملية ورمزية تعكس انتقال تعاملها مع لبنان من مرحلة الحذر والعقوبات الأمنية إلى مرحلة الانفتاح المشروط والثقة التدريجية. لكن القرار، على أهميته، لا يعني أن الطائرات الأميركية ستبدأ الهبوط في مطار بيروت فورًا، إذ لا تزال العودة الفعلية مرتبطة بتقييم أمني أميركي شامل للمطار، وبقرارات تجارية تتخذها شركات الطيران نفسها، استنادًا إلى الجدوى الاقتصادية والمخاطر التشغيلية وكلفة التأمين. توقيت الإعلان لا يقل أهمية عن مضمونه. فالقرار لم يصدر بوصفه إجراءً تقنيًا منفصلًا اتخذته إدارة الطيران الفيدرالية، بل جاء على لسان الرئيس الأميركي وبعد لقاء سياسي على أعلى مستوى، ما يجعله جزءًا من حزمة رسائل أرادت واشنطن توجيهها بشأن مستقبل لبنان. الرسالة الأولى أن الإدارة الأميركية ترى أن لبنان دخل، أو يمكن أن يدخل، مرحلة أمنية وسياسية مختلفة عن تلك التي حكمت النظرة الأميركية إليه طوال العقود الماضية. والرسالة الثانية أن واشنطن تريد مكافأة المسار الذي يقوده عون، وإظهار أن التعاون مع الدولة اللبنانية يمكن أن ينتج فوائد مباشرة لا تقتصر على المساعدات العسكرية والبيانات الدبلوماسية. أما الرسالة الثالثة فهي أن الولايات المتحدة مستعدة لإعادة دمج لبنان تدريجيًا في شبكة العلاقات الاقتصادية والسياحية الدولية، شرط أن ينجح في تثبيت الاستقرار وتعزيز سلطة مؤسساته الشرعية. skip render: ucaddon_material_block_quote جرح عام 1985 تعود جذور الحظر إلى 14 حزيران/يونيو 1985، عندما اختُطفت طائرة شركة «تي دبليو إيه» الأميركية، الرحلة رقم 847، بعد إقلاعها من أثينا في طريقها إلى روما. وكان على متنها 153 راكبًا وأفرادًا من الطاقم، بينهم عشرات الأميركيين. حمل الخاطفان مسدسات وقنابل يدوية وأجبرا الطائرة على تغيير مسارها، لتتنقل خلال الأزمة بين بيروت والجزائر، قبل أن تستقر مجددًا في العاصمة اللبنانية. واستمرت محنة الرهائن 17 يومًا، وقُتل خلالها الغطاس في البحرية الأميركية روبرت ستيثم، بعدما تعرض للتعذيب ثم أُلقيت جثته قرب الطائرة في مطار بيروت. وقعت العملية في ذروة الحرب الأهلية، حين كانت الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض سيطرتها الكاملة على المطار ومحيطه، وكانت عمليات خطف الأجانب والتفجيرات واستهداف المصالح الأميركية جزءًا من مشهد أمني شديد الخطورة. ردّت إدارة ريغان بوقف الرحلات الجوية المباشرة وفرض قيود مشددة على التعامل مع مطار بيروت. كما ظهرت داخل الكونغرس دعوات إلى اتخاذ خطوات لعزل المطار وإغلاقه أمام الحركة الدولية، باعتباره، وفق النظرة الأميركية آنذاك، منشأة لا تستطيع الدولة اللبنانية ضمان أمنها. وتضمنت تشريعات أميركية صدرت عام 1985 تشجيع الإدارة على اتخاذ خطوات من أجل إغلاق مطار بيروت دوليًا إلى حين توفير الضمانات الأمنية المطلوبة. وبذلك، لم يكن توقف الرحلات نتيجة ضعف الطلب أو خسائر تجارية، بل كان عقوبة أمنية وسياسية مرتبطة بصورة لبنان بوصفه دولة غير قادرة على حماية المسافرين والطائرات الأجنبية. أكثر من رحلة تنبع أهمية قرار ترامب من أنه يزيل واحدة من أقدم علامات عدم الثقة الأميركية بلبنان. فالرحلة الجوية المباشرة ليست مجرد وسيلة نقل، بل اعتراف عملي بأن مطار الدولة قادر على تلبية المعايير الأمنية المطلوبة، وأن البلد لم يعد يُعامَل فقط باعتباره ساحة خطر مفتوحة. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار القرار شهادة سياسية مبدئية للبنان، لكنه ليس شهادة أمنية نهائية. فقد أكدت التقارير التي رافقت الإعلان أن استئناف الرحلات سيبقى مرتبطًا بإجراء تقييم أمني أميركي شامل لمطار رفيق الحريري الدولي وترتيباته التشغيلية. وسيكون على الجهات الأميركية مراجعة آليات تفتيش الركاب والحقائب والشحن، وإجراءات دخول العاملين إلى المناطق الحساسة، وحماية الطائرات أثناء وجودها على الأرض، إضافة إلى طبيعة الأجهزة الأمنية التي تدير المطار ومدى قدرتها على منع أي تدخل غير رسمي في عملياته. لذلك، فإن القيمة الأولى للقرار أنه يفتح الباب المغلق، لا أنه يضمن عبور الطائرات منه فورًا. من خطف الطائرة إلى استعادة الثقة… لبنان يعود إلى الأجواء الأميركية امتحان المطار يضع الإعلان الدولة اللبنانية أمام امتحان بالغ الحساسية. فقد كانت مسألة أمن مطار بيروت وحصرية القرار داخله من أكثر الملفات إثارة للجدل في العلاقات اللبنانية–الأميركية.وكلما تصاعد التوتر الإقليمي، عادت شركات الطيران الأجنبية إلى تعليق رحلاتها أو تقليصها، ما جعل لبنان يعتمد إلى حد كبير على شركة طيران الشرق الأوسط، التي واصلت العمل في ظروف انسحبت فيها شركات دولية كثيرة. إعادة الشركات الأميركية تتطلب مستوى مختلفًا من الضمانات. فهذه الشركات لا تتحرك فقط وفق قرار سياسي، بل وفق حسابات تتعلق بسلامة الطواقم والطائرات، وتعليمات إدارة الطيران الفيدرالية، وتحذيرات وزارة الخارجية، وشروط شركات التأمين. وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها: فبينما أعلن ترامب رغبته في تسهيل سفر الأميركيين إلى لبنان، كانت وزارة الخارجية الأميركية لا تزال تضع لبنان ضمن مستوى التحذير الأعلى، «لا تسافر»، بسبب المخاطر الأمنية والاضطرابات واحتمالات الإرهاب وضعف بعض الخدمات. ولا يمكن قيام خط جوي منتظم ومستدام بينما يبقى لبنان مصنّفًا وجهة عالية الخطورة. ولذلك، قد تكون الخطوة التالية الأكثر أهمية هي تعديل التحذير الأميركي من السفر، أو استثناء مناطق ومسارات محددة منه، بعد اكتمال المراجعة الأمنية. مكسب للعهد سياسيًا، يشكّل القرار مكسبًا واضحًا للرئيس جوزف عون، لأنه يقدّم نتيجة ملموسة لزيارته إلى واشنطن. فعوض أن تنتهي الزيارة بصور وبيانات عامة، خرجت بإعلان يمس حياة مئات آلاف اللبنانيين والأميركيين من أصل لبناني، ويعيد فتح صلة انقطعت منذ أربعة عقود. كما يسمح القرار لعون بتقديم نفسه شريكًا قادرًا على إعادة بناء الثقة الدولية بلبنان، خصوصًا أن الإعلان جاء ضمن سياق أميركي أوسع يتصل بدعم الجيش وتثبيت سلطة الدولة وتنفيذ الترتيبات الأمنية الجديدة. لكن هذا المكسب يحمل في داخله التزامًا. فواشنطن التي رفعت الحظر سياسيًا ستنتظر من العهد الحفاظ على الشروط التي سمحت برفعه، وفي مقدمها ضمان أمن المطار ومنع استخدامه أو مرافقه خارج سلطة الدولة. وبالتالي، قد يتحول قرار الرحلات إلى أداة ضغط ناعمة: مكافأة قابلة للتوسع إذا تقدّم مشروع الدولة، وقابلة للتجميد مجددًا إذا تراجعت الثقة الأمنية. الاغتراب اللبناني يمتلك لبنان جالية كبيرة ومؤثرة في الولايات المتحدة، تضم رجال أعمال وأطباء وأكاديميين وناشطين وعائلات حافظت على روابطها الاجتماعية والاقتصادية مع وطنها الأم. وخلال العقود الماضية، اضطر المسافر بين البلدين إلى المرور عبر مطارات أوروبية
تقوم المقاربة الإيرانية الحالية على قناعة راسخة بأن الحرب لم تعد مجرّد مواجهة عسكرية، بل أداة سياسية لإعادة صياغة موازين القوى وفرض شروط تفاوضية أكثر ملاءمة. من هذا المنطلق، تبدو طهران مقتنعة بأن أي تراجع في هذه المرحلة لن يؤدي إلا إلى تشجيع واشنطن على زيادة الضغوط، بينما يمنحها التصعيد فرصة لتحسين موقعها الاستراتيجي. استراحة تكتيكية ورغم أن مذكرة التفاهم التي أنهت الجولة الأولى من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وفّرت هدنة مؤقتة، فإنها لم تعالج جذور الصراع. فقد صيغت في ظل توازن قوى مؤقت، كانت واشنطن تسعى إلى تغييره لاحقًا، فيما اعتبرت طهران الحفاظ عليه شرطًا أساسيًا لحماية مكاسبها. ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن الولايات المتحدة لم تتعامل مع الاتفاق باعتباره تسوية نهائية، بل بوصفه استراحة تكتيكية لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية والاقتصادية، تمهيدًا لجولة جديدة من المواجهة. وقد عزّز هذا الانطباعَ استمرارُ العقوبات، وعدم الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، وتعزيز الوجود العسكري الأميركي في الخليج، إضافة إلى محاولات تقليص النفوذ الإيراني في مضيق هرمز. ورقة هرمز وتعتقد القيادة الإيرانية أن هذه الإجراءات ليست منفصلة بعضها عن بعض، وإنما تشكّل استراتيجية متكاملة تهدف إلى إفراغ نتائج الحرب السابقة من مضمونها، وحرمان طهران من أهم أوراق القوة التي اكتسبتها، وفي مقدمتها القدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. لهذا السبب، أصبحت السيطرة على المضيق بالنسبة إلى إيران تتجاوز بُعدها العسكري، لتتحول إلى ورقة سياسية واقتصادية تمثّل الضمانة الأساسية لأي مفاوضات مستقبلية مع الولايات المتحدة. فالتخلي عن هذه الورقة، وفق الحسابات الإيرانية، يعني الدخول إلى أي مفاوضات من موقع الضعف، وهو ما تعتبره القيادة الإيرانية خطًا أحمر. وتستند هذه الرؤية أيضًا إلى قراءة داخلية للمشهد الإيراني، حيث يرى صنّاع القرار أن المزاج الشعبي، الذي تعزّز بعد التطورات الأخيرة، بات أكثر تقبّلًا لسياسة المواجهة إذا كانت مرتبطة بالدفاع عن السيادة الوطنية والمصالح الاستراتيجية، وهو ما يمنح النظام هامشًا أوسع للمضي في نهج التصعيد. وفي هذا الإطار، جاء استهداف ناقلات قرب الساحل العُماني رسالةً سياسية قبل أن يكون عملًا عسكريًا، مفادها أن إيران لن تسمح بإعادة رسم قواعد الملاحة في الخليج بما ينتقص من نفوذها. إلا أن الرد الأميركي جاء سريعًا وعنيفًا، عبر توسيع الضربات على مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالبنية الدفاعية الإيرانية، في محاولة لرفع كلفة هذا النهج. skip render: ucaddon_material_block_quote توقيت مناسب لكن طهران، بحسب هذه القراءة، كانت تتوقع عودة المواجهة. بل إن بعض دوائر القرار فيها ترى أن اندلاع الحرب في هذه المرحلة قد يكون أقل كلفة من تأجيلها، إذ يمنع الولايات المتحدة من استكمال إعادة بناء قدراتها، ويستغل استمرار هشاشة أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا، تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على توسيع نطاق الضغوط، ليس فقط عبر استهداف المصالح العسكرية الأميركية، وإنما أيضًا من خلال تهديد أمن الطاقة العالمي، سواء في مضيق هرمز أو في الممرات البحرية المتصلة به، بما يجعل كلفة الحرب تتجاوز حدود الإقليم لتطال الاقتصاد الدولي بأسره. وتراهن القيادة الإيرانية على أن الولايات المتحدة، مهما بلغت قدراتها العسكرية، ستجد نفسها في نهاية المطاف مضطرة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات إذا ارتفعت الكلفة الاقتصادية والسياسية للمواجهة. فالحرب، في المنظور الإيراني، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لفرض معادلة تفاوضية جديدة تضمن أمن النظام، وتفتح الباب أمام تخفيف الضغوط الاقتصادية. ورغم أن هذا الرهان ينطوي على قدر كبير من المخاطرة، وقد يبالغ في تقدير قدرة إيران على الصمود أمام مواجهة طويلة، فإن صنّاع القرار في طهران يعتقدون أن التجربة السابقة أثبتت، من وجهة نظرهم، أن إظهار الاستعداد لتحمّل الخسائر يمنحهم أوراقًا إضافية في أي مفاوضات لاحقة. skip render: ucaddon_box_testimonial
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial فمنذ سنوات، تتحدث مراكز أبحاث غربية عن تراجع فاعلية الردع الأميركي، نتيجة ارتباك إدارة الأزمات الإقليمية، وتصاعد الشكوك لدى بعض الحلفاء بشأن التزام واشنطن بأمن المنطقة. غير أن إيران ذهبت أبعد من ذلك، ففسّرت هذا النقاش باعتباره دليلًا على انحسار الإرادة الأميركية في استخدام القوة العسكرية، بفعل الضغوط الداخلية والحسابات الانتخابية. وانطلاقًا من هذا التقدير، تعاملت طهران مع مذكرة التفاهم بوصفها تكريسًا لمعادلة جديدة في الخليج تمنحها هامشًا أوسع للحركة، وسوّقت الاتفاق باعتباره إنجازًا سياسيًا يعكس تراجع واشنطن عن سياسة الضغوط القصوى. لكن القراءة الأميركية بدت مختلفة؛ إذ لم يُنظر إلى الاتفاق باعتباره اعترافًا بوقائع استراتيجية جديدة، بل أداة مؤقتة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. إدارة التصعيد تكشف التجربة أن اهتزاز صورة الردع لا يعني بالضرورة تراجع أدوات القوة. فحين رأت واشنطن أن مصالحها باتت مهددة، انتقلت سريعًا من سياسة احتواء الأزمة إلى فرض كلفة أعلى على خصومها، وهو ما أظهر أن امتلاك القدرة العسكرية يظل مختلفًا عن قرار استخدامها، وأن ضبط النفس لا يعني فقدان أدوات الردع. وتشير أدبيات الردع الحديثة إلى أن نجاح الردع لا يتحدد فقط بميزان القوة، بل أيضًا بالطريقة التي يدرك بها الخصم نيات الطرف المقابل. وفي كثير من الأحيان، يقود سوء تقدير هذه النيات إلى حسابات خاطئة تدفع نحو التصعيد، وهو ما بدا واضحًا في التباين بين التصور الإيراني لمعنى التهدئة الأميركية، وبين الأهداف الحقيقية التي سعت إليها واشنطن من خلال إدارة الأزمة. صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في كلفة استهداف المصالح الأميركية أو الخليجية مقارنة بمراحل سابقة، إلا أن ذلك لم يكن مؤشرًا على تآكل القدرة الأميركية على فرض أثمان باهظة عندما ترى أن مصالحها الحيوية أصبحت على المحك. فالتمييز يبقى قائمًا بين تأجيل استخدام القوة والعجز عن استخدامها. أزمة الحلفاء لم يأتِ هذا التحول في السلوك الأميركي من فراغ، بل سبقته سنوات من التوتر مع الحلفاء الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي، حيث دفعت السياسات الأميركية ذات الطابع الأحادي إلى تصاعد الدعوات الأوروبية لتعزيز الاستقلال الدفاعي وتقليص الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية. وفي خضم الحرب الأخيرة، اصطدمت هذه المقاربة بواقع إقليمي أكثر تعقيدًا. فقد أدى اتساع نطاق العمليات العسكرية، وارتفاع سقف التوقعات الإسرائيلية، إلى وضع الإدارة الأميركية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على دعم حليفها الرئيسي، مع تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تفرض أثمانًا سياسية واقتصادية باهظة. وفي هذا السياق، بدت مذكرة التفاهم مع إيران جزءًا من محاولة لاحتواء التصعيد أكثر منها تعبيرًا عن تغيير في موازين القوى. فالتهدئة جاءت استجابة لحسابات تتعلق بإدارة المخاطر، لا تخليًا عن أدوات الردع أو اعترافًا بنفوذ إيراني متصاعد. اعتبارات داخلية لا يمكن فصل هذا السلوك الأميركي عن تأثير السياسة الداخلية، إذ أصبحت الاعتبارات الانتخابية عاملًا رئيسيًا في رسم حدود الانخراط العسكري الخارجي. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي مواجهة واسعة قد تنعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتضخم، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية داخلية، وهو ما يدفعها إلى الموازنة باستمرار بين متطلبات الردع وحسابات الناخب الأميركي. لكن هذه المقاربة لا تعني انسحابًا من المنطقة بقدر ما تعكس إعادة تعريف لأدوات النفوذ. فبدلًا من الاعتماد المفرط على القوة العسكرية، تتجه واشنطن بصورة متزايدة إلى توظيف العقوبات الاقتصادية، والقيود المالية، وأدوات الضغط المصرفي، باعتبارها وسائل أكثر استدامة وأقل كلفة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. يفرض هذا التحول على دول الخليج إعادة تقييم مقاربتها للأمن الإقليمي. فمن جهة، يفتح المجال أمام تعزيز الحوار الإقليمي وبناء شراكات اقتصادية قد تسهم في خفض مستويات التوتر مع إيران، لكنه، من جهة أخرى، يثير تساؤلات حول مدى قدرة المصالح الاقتصادية وحدها على ضمان الاستقرار في بيئة لا تزال تعاني هشاشة أمنية وصراعات بالوكالة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المنطقة أمام معادلة جديدة تقوم على الجمع بين الانفتاح الدبلوماسي وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. فالاقتصاد قد يخفف دوافع التصعيد، لكنه لا يشكل بديلًا كاملًا عن توازن الردع، ولا يوفر بمفرده الضمانات الكفيلة بمنع اندلاع أزمات جديدة. ومن هنا، يبدو أن مستقبل أمن الخليج سيتحدد بقدرته على بناء منظومة تجمع بين المصالح المشتركة والردع المتوازن، بعيدًا عن الرهان الحصري على القوى الخارجية أو على التفاهمات المؤقتة.