تنفتح الشاشة على اتساع موحش، اتساع لا يملك المشاهد أمامه سوى الصمت والامتثال لسطوة الصورة السينمائية التي تتجاوز مجرد سرد الحكاية البصرية إلى ملامسة الوجود الإنساني في أقصى تجلياته هشاشةً وعزلةً. يأتي فيلم «أحلام قطار» (Train Dreams)، المقتبس عن رواية الكاتب الأمريكي دينيس جونسون، كواحد من أكثر الأعمال السينمائية عمقًا وشاعريةً في الألفية الجديدة، مقدمًا مرثية سينمائية استثنائية عن الغرب الأمريكي في مطلع القرن العشرين من خلال سيرة حافلة بالصمت والأسى لعامل السكك الحديدية والحطاب روبرت غرينير، الذي يجسده الممثل جويل إجيرتون بأداء داخلي متقشف يقترب من التعبد الصوفي. إن هذا الفيلم لا يكتفي بإعادة قراءة التاريخ الرسمي للتوسع الإمبراطوري الأمريكي وبناء الدولة على أكتاف المقهورين، بل يحوله المخرج كلينت بنتلي إلى تأمل بكتلة الزمن، وإلى مساءلة نقدية جريئة لطبيعة الرأسمالية الوليدة وجشعها الذي لم يتوقف عن التهام الأرض والبشر، تاركًا خلفه ندوبًا روحية وبيئية لا تبرأ. بصمات تيرينس مالك يتجلى التأسيس الجمالي والأسلوبي لـ«أحلام قطار» عبر رافدين عظيمين من روافد السينما العالمية، حيث يبدو تأثر كلينت بنتلي بأسلوب المخرج الأمريكي الكبير تيرينس ماليك واضحًا ومهيمنًا منذ اللقطات الأولى. يتبنى الفيلم تلك الكاميرا الانسيابية، المتأملة، التي تتحرك برفق بين حفيف الأشجار وضباب الجبال الصخرية في أقصى الشمال الغربي لملامسة جلال الطبيعة. إن الطبيعة هنا، تمامًا كما في روائع ماليك مثل «أيام الجنة» أو «الخط الأحمر الرفيع»، ليست مجرد خلفية جغرافية تجري الأحداث أمامها، بل هي كائن حي، قوة ميتافيزيقية واعية، تمتلك لغتها الخاصة التي تتحدث عبر الضوء المنسل عبر الأغصان، وجريان المياه الشاهدة على الفناء البشري. هذا المد الرعوي الشاعري يتداخل فيه الحلم بالواقع، حيث اللقطات الطويلة المترددة التي تمنح المشاهد فرصة لتنفس المكان واختبار ثقل الزمن والوحدة الوجودية التي تلتف حول عنق البطل روبرت غرينير بعد فقده المأساوي لزوجته وابنته. skip render: ucaddon_material_block_quote نيران تاركوفسكي بالموازاة مع هذه الجمالية الماليكية، يستعير بنتلي روحية المعمار البصري والصوفي لدى المخرج الروسي الشهير والعملاق أندريه تاركوفسكي. يظهر هذا التأثر جليًا في كيفية التعامل مع العناصر الطبيعية الأربعة، وتحديدًا الماء والنار، بوصفها أدوات للتطهر العقابي أو الفجيعة الكونية. إن المشهد العظيم للحريق الكارثي الذي يلتهم الغابة ويدمر الكوخ المعزول، مقتلعًا عائلة غرينير من الوجود، يُدار بأسلوب تاركوفسكي خالص، حيث الكاميرا ترصد الكارثة ببطء وجنائزية، محولةً النار من حدث فيزيائي عابر إلى تجلٍّ لغضب الطبيعة واختلال التوازن الإنساني. هذا الإيقاع السينمائي المتمهل، والتركيز على الوجوه المتعبة الصامتة، واستنطاق الجماد والخراب، يعيد إلى الأذهان سينما التطهر والمكاشفة الروحية التي برع فيها المخرج الروسي، حيث تصبح تضاريس الأرض مرآة للخراب الداخلي الذي يعيشه الإنسان المطرود من جنته البدائية بفعل آلات الحداثة والجشع. سقوط حر بين هذين القطبين الأسلوبيين، يبرز التوظيف السياسي المعاصر لقضية التنوع العرقي في أمريكا، ليعيد قراءة الأيديولوجية التأسيسية التي بُنيت عليها الرأسمالية الأمريكية من خلال سلسلة من المواجهات العرقية الصادمة التي يمر بها البطل أو يشهد عليها. لا يقدم الفيلم هذه القضايا بشكل وعظي مباشر، بل يدمجها بذكاء شديد كجزء من بنية العنف التأسيسي للنظام الجديد الحاكم. يتمثل المشهد الأول في تلك الحادثة البشعة التي يتواطأ فيها عمال السكك الحديدية البيض، ومن بينهم غرينير بدافع الخوف السلبي، في رمي العامل الآسيوي من أعلى الجسر الخشبي الشاهق الذي يشيدونه وسط الجبال. إن رمي الصيني، المستجلب كعمالة رخيصة ومسحوقة لبناء شبكة المواصلات الرأسمالية، يختزل كيف تخلصت النخبة البيضاء تاريخيًا من فائض العمالة العرقية بعد استنزاف دمائهم. هذا السقوط الحر للجسد الآسيوي في الهاوية يظل يتردد كصوت ضمير معذب في خلفية الفيلم، مؤكدًا أن الحداثة الأمريكية والقطارات التي تعبر القارة لم تُسيَّر بالبخار، بل بدماء الملونين المنسيين والمنبوذين. انتقام تاريخي في سياق متصل، يأتي الخط الدرامي المتعلق بالانتقام الأسود كإدانة حادة لتوظيف الدين في شرعنة الجرائم الرأسمالية والعرقية. نتابع في الفيلم تلك الشخصية الملتفة بالهيبة الزائفة، شخصية المتدين المهووس بالكتاب المقدس، الذي لا يكف عن الوعظ والترتيل واقتباس الآيات ليبرر موقعه الأخلاقي المزعوم وسط هذا العالم القاسي. غير أن البنية السردية للفيلم تفكك هذا القناع بضراوة عندما يتضح في نهاية المطاف أن هذا المتدين المتشدد ليس سوى قاتل سادي ومجرم متسلسل، يختبئ خلف النصوص المقدسة ليمارس أبشع أنواع التنكيل بالآخرين. يأتي الانتقام الذي يمارسه الرجل الأسود ضد هذا القاتل المتستر بالدين ليمثل لحظة انفجار تاريخي طال انتظاره، إنه رد فعل عنيف على قرون من القمع الذي استخدم الصليب والنص الديني لتبرير العبودية والقتل. هذا الصدام لا يمثل تصفية حسابات فردية بقدر ما هو إشارة سياسية معاصرة شديدة الصراحة والجرأة تكشف زيف الخطاب الأخلاقي السائد وتبشر بانهيار الهيمنة البيضاء القائمة على النفاق الروحي والمادي. القطارات التي عبرت القارة لم تُسيَّر بالبخار وحده، بل بدماء الملوّنين والمنسيين لفتة نبيلة أما المعادل الإنساني الأكثر نبلًا في هذه الجغرافيا المعذبة، فيأتي من خلال علاقة روبرت غرينير بالهندي الأحمر، الذي يمثل الضحية التاريخية الكبرى لعملية الإبادة التأسيسية لأمريكا. يمتلئ هذا السطر البصري بكثير من الدفء والأسى المشترك، حيث يبدي هذا البديل الإنساني المنسحق كرمًا لا متناهيًا وتسامحًا يثير الدهشة، فيحن على البطل الأبيض الذي فقد كل شيء وهام في البرية كالمجانين. هذا الهندي الأحمر، رغم كل ما لحق بشعبه وأرضه من دمار ومحو على أيدي أسلاف غرينير، يظهر كحارس للقيم الكونية الأصيلة، يقدم العون للقاتل التاريخي في لحظة ضعفه الإنساني، في التفاتة سينمائية غاية في الرقة والتأثير تؤكد على كرم هذه الضحية التي ترفض النزول إلى مستوى وحشية الجلاد، بل تحنو عليه لتعلمه معنى التناغم مع الوجود الأخلاقي مجددًا. إنها مواجهة صامتة بين حضارتين: حضارة الآلة والجشع التي يمثلها غرينير رغمًا عنه، وحضارة الروح والأرض الكريمة التي يرفض الهندي الأحمر التخلي عنها حتى وهو يعيش في الهامش المطلق. تتقاطع هذه الخطوط السياسية والجمالية كلها لتصب في الرسالة الفلسفية والبيئية الكبرى التي يحملها الفيلم؛ وهي أن انتهاك الطبيعة وجشع الرأسمالية المتوحشة لا بد أن يرتد على الإنسان عاجلًا أم آجلًا وينتقم منه بلا رحمة. إن عمل روبرت غرينير ورفاقه يتلخص في قطع الأشجار الشاهقة، وتفجير الجبال الصخرية، وشق صمت الوديان البكر لوضع قضبان السكك الحديدية التي ترمز لتوغل الآلة الرأسمالية واغتصابها للمجال الطبيعي. هذا التدمير المنظم والممنهج للبيئة من أجل تحقيق الأرباح السريعة وتوسيع الإمبراطورية التجارية لا يمر دون عقاب كوني. الحريق الهائل الذي يأتي على الأخضر واليابس، والذي يبدد حياة البطل ويحرمه من عائلته، ليس سوى تجسيد مادي لانتقام الأرض ورد فعلها الدفاعي ضد الطعنات المتتالية التي يوجهها الإنسان المعاصر لجسدها. يتضح من خلال المعالجة السينمائية الفذة أن الطبيعة قادرة على استرداد توازنها بعنف مماثل، وأن جشع الإنسان الذي يظن نفسه سيدًا على الكون ينتهي به الأمر وحيدًا، عاريًا، ومحطمًا وسط الغابات التي حاول إخضاعها. skip render: ucaddon_box_testimonial
تكشف الحرب الأميركية ـ الإيرانية عن تحوّل أعمق من مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين: إنها تكشف تبدّل قواعد القوة نفسها. لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الجيش، وعدد الطائرات، وحاملات الطائرات، وحجم الترسانة؛ بل بقدرة الطرف الأصغر على امتلاك السلاح الدقيق، والمعلومة، والقدرة على المناورة، وإلحاق كلفة استراتيجية بخصم يفوقه بأضعاف. وهنا تكمن الحقيقة التي تستحق التوقف: الكبير لم يعد يضمن الانتصار، والصغير لم يعد بحاجة إلى هزيمة الكبير كي ينتصر. يكفيه أن يمنعه من تحقيق أهدافه. الحرب مع إيران، كما يقرأها توماس فريدمان في «نيويورك تايمز»، تضع هذه المعادلة أمام الولايات المتحدة بصورة قاسية. فالصواريخ والمسيّرات منخفضة الكلفة نسبيًا تستطيع استهداف قواعد ومنشآت وبنى لوجستية بالغة الأهمية، بينما تحتاج واشنطن إلى منظومات دفاعية باهظة ومتشعبة لحماية أصول عسكرية تكلّف مليارات الدولارات. وهذا هو جوهر التحول: السلاح الرخيص يستطيع أن يفرض على السلاح الباهظ كلفة أكبر بكثير من ثمنه. skip render: ucaddon_material_block_quote لم تعد المسألة، إذن، «من يملك القوة الأكبر؟»، بل «من يستطيع تحويل القوة إلى كلفة على خصمه؟». الصواريخ الدقيقة، والمسيّرات، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والمعلومات الفضائية، جعلت المسافة بين الدولة الكبرى والفاعل الأصغر أقل اتساعًا مما كانت عليه في القرن العشرين. من «تكبير الحرب» إلى «توسيعها» الدول الكبرى تميل إلى تكبير الحرب: مزيد من الطائرات، مزيد من القواعد، مزيد من النيران، ومزيد من الإنفاق. أما القوى الأصغر فتتعلم كيف توسّع الحرب بدلًا من تكبيرها؛ توزّع قدراتها، وتخفي منصاتها، وتضرب في نقاط متعددة، وتنتقل بسرعة قبل أن يتحول التفوق الناري للخصم إلى تفوق حاسم. هذه القاعدة ظهرت في أوكرانيا ولبنان وغزة والبحر الأحمر، كما تظهر في المواجهة الإيرانية ـ الأميركية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بحجم الدولة وحده، وإنما بقدرتها على امتلاك شبكة من الأدوات الرخيصة والدقيقة التي تجعل السيطرة الكاملة على ساحة المعركة شبه مستحيلة. واللافت أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان، بدورهما، استخدام «منطق الصغير»: ضربة دقيقة تستند إلى معلومات استخبارية كثيفة، أو عملية إلكترونية، أو استهداف نوعي لشخص أو منشأة، يمكن أن تحقق ما كانت تحتاج إليه في الماضي حملة عسكرية كاملة. هنا تنتقل الحرب من عصر «الكتلة والطاقة» إلى عصر المعلومة والخوارزمية. في الحروب المقبلة، قد تكون المعلومة أهم من الدبابة، والخوارزمية أخطر من المدفع الذكاء الاصطناعي سيكسر المعادلة أكثر القلق الحقيقي لا يتعلق بما تستطيع إيران أو إسرائيل أو روسيا أو أوكرانيا فعله اليوم، بل بما سيصبح ممكنًا غدًا عندما تتداخل هذه الأسلحة مع الذكاء الاصطناعي. إذا كان فرد أو مجموعة صغيرة يستطيع امتلاك طائرة مسيّرة رخيصة، واتصالًا فضائيًا، ومعلومات استخبارية، ونموذجًا متقدمًا للذكاء الاصطناعي، فإن الفارق بين الدولة والفاعل الصغير سيواصل التقلص. وعندها لن تكون المشكلة في امتلاك السلاح فقط، بل في القدرة على اكتشاف نقاط ضعف الخصم وتحويلها إلى أهداف قابلة للاستهداف بسرعة غير مسبوقة. وهذا يخلق معضلة استراتيجية خطيرة: الدول الكبرى مطالبة بتحقيق النصر، بينما يكفي خصومها الأصغر أن يبقوا على قيد القدرة على الضرب. لذلك، فإن المعادلة الجديدة للقوة ليست أن الصغير أصبح أقوى من الكبير، بل أن الكبير فقد احتكار تعريف القوة. فالحاملة النووية تظل حاملة نووية، والجيش الكبير يظل جيشًا كبيرًا، لكن مجموعة مسيّرات منخفضة الكلفة تستطيع أحيانًا إجباره على تغيير مساره، ونقل قواعده، واستنزاف دفاعاته، وإعادة حساباته. نهاية وهم الحروب السهلة المشكلة السياسية الكبرى أن التكنولوجيا لم تجعل الحرب أكثر نظافة، بل جعلتها أكثر تعقيدًا. لم يعد التفوق العسكري وحده كافيًا لإنتاج نتيجة سياسية. تستطيع دولة أن تدمر خصمها عسكريًا وتفشل في إخضاعه سياسيًا، كما تستطيع قوة أصغر أن تتلقى ضربات هائلة وتخرج من الحرب وهي تقول إنها لم تُهزم. وهنا تصبح عبارة «لقد انتصرنا» أخطر من مجرد تصريح سياسي؛ لأن الانتصار في الحروب الحديثة لم يعد لحظة واحدة تحددها القوة النارية، بل معركة طويلة على القدرة على الاستمرار، وتحمل الكلفة، وإعادة إنتاج القوة، ومنع الخصم من تحقيق أهدافه. إنها فيزياء جديدة للقوة فعلًا: الكبير ما زال كبيرًا، لكنه لم يعد آمنًا بحجمه؛ والصغير ما زال صغيرًا، لكنه لم يعد عاجزًا بحجمه. skip render: ucaddon_box_testimonial
في عالم لم يعد فيه الأمن يُقاس فقط بعدد الجنود على الحدود أو بقدرة الأجهزة العسكرية على منع الهجمات، أصبحت المعلومة نفسها جزءًا من القوة، وأصبح امتلاك القدرة على قراءة المخاطر قبل وقوعها أحد أهم عناصر النفوذ في العلاقات الدولية. من هنا، ظهرت خلال العقود الماضية شبكات أمنية جديدة تعمل في المساحة الفاصلة بين الدولة والقطاع الخاص، وبين الدبلوماسية والتكنولوجيا، وبين المؤسسات الرسمية والشركات العابرة للحدود. ومن بين هذه الشبكات تبرز مؤسسة أميركية تحمل اسم Overseas Security Advisory Council، المعروفة اختصارًا بـOSAC، والتي بات حضورها في لبنان خلال السنوات الماضية يثير اهتمامًا متزايدًا بسبب طبيعة الجهات التي تتقاطع معها والملفات التي تتعامل معها. ليست مجرد منتدى OSAC ليست جهاز استخبارات أميركيًّا بالمعنى التقليدي، ولا تملك قوة تنفيذية أو صلاحيات أمنية داخل الدول التي تعمل فيها، لكنها، في الوقت نفسه، ليست مجرد منتدى تجاري أو منصة علاقات عامة. فهي مؤسسة مرتبطة بوزارة الخارجية الأميركية، وتعمل ضمن منظومة الأمن الدبلوماسي الأميركي، وتحديدًا في إطار Diplomatic Security Service، حيث تشكل حلقة وصل بين الحكومة الأميركية والقطاع الخاص والمؤسسات والمنظمات الأميركية العاملة خارج الولايات المتحدة. نشأت OSAC في منتصف الثمانينيات، في أعقاب تصاعد المخاطر التي واجهت المصالح الأميركية في الخارج، خصوصًا بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت دبلوماسيين وشركات ومواطنين أميركيين في مناطق مختلفة من العالم. وكانت الفكرة الأساسية تقوم على إدراك أميركي مبكر بأن حماية المصالح الخارجية لا يمكن أن تعتمد فقط على السفارات والأجهزة الرسمية، بل تحتاج إلى شبكة واسعة من الشركات والخبراء والمؤسسات التي تعمل على الأرض وتمتلك معلومات مباشرة عن طبيعة المخاطر. ولهذا تحولت OSAC، مع مرور الوقت، إلى شبكة عالمية تضم مجالس محلية في عشرات الدول، بحيث تصبح لكل بيئة أمنية خصوصيتها، ولكل دولة مجلس يتواصل مع الشركات والمؤسسات الموجودة فيها، وينقل إليها التقييمات والتحذيرات الأمنية، وفي المقابل يستفيد من خبراتها وملاحظاتها حول طبيعة المخاطر التي تواجهها. skip render: ucaddon_material_block_quote حضور في بيروت في الحالة اللبنانية، اكتسب وجود OSAC أهمية خاصة بسبب طبيعة البلد نفسه. فلبنان يقع في قلب منطقة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية مع الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويضم على أراضيه مؤسسات دولية وشركات أجنبية وقطاعات حيوية مرتبطة بالطاقة والاتصالات والمصارف والبنية التحتية. لذلك، فإن أي جهة تعمل في مجال إدارة المخاطر ترى في لبنان بيئة تحتاج إلى متابعة دائمة وتقييم مستمر. ومن هنا ظهر مجلس OSAC في بيروت، الذي لم يقتصر نشاطه على إصدار التقديرات الأمنية، بل تطور إلى مساحة تجمع بين السفارة الأميركية والقطاع الخاص وخبراء الأمن وممثلين عن المؤسسات اللبنانية. وخلال السنوات الماضية، ظهرت سلسلة من اللقاءات والفعاليات التي كشفت طبيعة هذه الشبكة، وأظهرت أن OSAC تتحرك في منطقة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الملفات الأمنية. في عام 2021، برز أحد اللقاءات المهمة عندما استقبل المدير العام لقوى الأمن الداخلي آنذاك، اللواء عماد عثمان، وفدًا ضم ممثلين عن السفارة الأميركية وشخصيات مرتبطة بـOSAC في لبنان. اللقاء، وفق ما نُشر، تناول سبل تعزيز التعاون، وهو ما أظهر أن المجلس لم يكن يعمل بمعزل عن المؤسسات الأمنية اللبنانية، بل كان يبني قنوات اتصال معها. وفي العام نفسه، عقد مجلس OSAC في بيروت فعالية أمنية في نادي ضباط اليرزة، شارك فيها مسؤولون أميركيون ولبنانيون، بينهم السفيرة الأميركية في بيروت آنذاك، وقيادات من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، إلى جانب ممثلين عن القطاع الخاص. ولم تكن أهمية هذا اللقاء في مضمونه المعلن فقط، بل في طبيعة الحضور الذي جمع، ضمن إطار واحد، الدبلوماسية الأميركية والمؤسسات الأمنية اللبنانية والشركات الخاصة. هذه التركيبة تعكس التحول الذي طرأ على مفهوم الأمن في السنوات الأخيرة. فالأمن لم يعد مرتبطًا فقط بمواجهة الإرهاب أو حماية الحدود، بل أصبح يشمل قدرة الدولة والمؤسسات على الصمود أمام الأزمات المتعددة، سواء كانت أزمة طاقة، أو انهيارًا اقتصاديًّا، أو هجومًا إلكترونيًّا، أو اضطرابًا سياسيًّا. ولهذا لم يكن غريبًا أن تدخل ملفات الطاقة ضمن اهتمامات OSAC في لبنان. ففي بلد مثل لبنان، حيث تحولت أزمة الكهرباء والوقود إلى قضية تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، أصبحت البنية التحتية نفسها جزءًا من الحسابات الأمنية. فتعطل قطاع حيوي لا يعني فقط خسارة اقتصادية، بل يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات واسعة تؤثر في المؤسسات والشركات والمجتمع. هذا الفهم الواسع للأمن ظهر بشكل أوضح في ملف الأمن السيبراني، الذي أصبح أحد أهم محاور عمل OSAC في العالم. ففي السنوات الأخيرة، لم تعد التهديدات تأتي فقط من جماعات مسلحة أو عمليات تفجير، بل أصبحت تأتي أيضًا من شاشات الحواسيب، عبر هجمات تستهدف المصارف والشركات والاتصالات والأنظمة الحكومية. وفي لبنان، نظمت OSAC فعاليات متخصصة حول الأمن السيبراني، شارك فيها ممثلون عن السفارة الأميركية وخبراء تقنيون ومسؤولون من مؤسسات أمنية لبنانية، من بينها الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وجهات أخرى معنية بالأمن الوطني. وتناولت هذه اللقاءات مخاطر الهجمات الإلكترونية، وبرامج الفدية، وسرقة البيانات، وحماية المؤسسات من التهديدات الرقمية. OSAC ليست جهاز استخبارات، لكنها تعمل في المساحة التي أصبحت فيها المعلومات جزءًا من القوة شبكة واسعة وهنا تظهر طبيعة OSAC بشكل أكثر وضوحًا. فالقيمة الأساسية لهذه المؤسسة ليست في امتلاكها قوة عسكرية، بل في قدرتها على بناء شبكة معلومات واتصالات بين أطراف متعددة. فهي تعمل في مجال أصبحت فيه المعلومة الأمنية عنصرًا استراتيجيًّا، وأصبح الوصول المبكر إلى التحذيرات جزءًا من القدرة على اتخاذ القرار. ومن الأسماء التي ارتبطت بمجلس OSAC في بيروت يبرز اسم Bill Maadarani، الذي ظهر بصفته رئيس القطاع الخاص في المجلس. كما يرتبط اسمه بقطاع تقنيات الدفاع والأمن. وهذا التقاطع بين العمل في المجال الأمني والقطاع الخاص والعلاقات الأميركية يجعل موقعه محل اهتمام من زاوية الشفافية وطبيعة العلاقة بين هذه الأدوار، من دون أن يعني ذلك وجود أي مخالفة أو اتهام غير مثبت. لكن وجود شخصيات تعمل عند تقاطع الأمن والاقتصاد والدفاع يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول كيفية إدارة هذه الشبكات، ومن يحدد أعضاءها، وما طبيعة المعلومات التي يتم تداولها داخلها، وما حدود العلاقة بين المصالح التجارية والاعتبارات الأمنية. ليست جهاز استخبارات في المقابل، فإن وصف OSAC بأنها جهاز استخبارات أميركي يعمل في لبنان سيكون تبسيطًا لا تدعمه المعطيات المتوافرة. فالمؤسسة لا تقدم نفسها كذلك، والوثائق الرسمية الأميركية تصنفها كآلية شراكة وتبادل معلومات بين الحكومة والقطاع الخاص. لكنها، في الوقت نفسه، تعمل ضمن منظومة رسمية تابعة لوزارة الخارجية الأميركية، ما يجعلها جزءًا من بنية أوسع لإدارة المخاطر وحماية المصالح الأميركية حول العالم. وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية. ففي العصر الحديث، لم تعد القوة مرتبطة فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على جمع المعلومات وتحليلها وبناء شبكات العلاقات. ومن يملك شبكة واسعة من الشركات والخبراء والمؤسسات والأجهزة القادرة على تبادل المعلومات، يمتلك قدرة