يُروى عن النبي محمّد عليه الصلاة والسلام أنّه كان يتعوّذ من الجُبن والبُخل، فيقول بصيغةٍ واضحةٍ وصريحة: “اللّهم إنّي أعوذ بك من الجُبن والبُخل”. وكأنّ هاتين الصفتين الإنسانيتين من الصفات المخيفة التي لا بدّ من الاستعاذة بالله منها؛ أي أنّ الإنسان عليه أن يلجأ لحول الله وقوّته هربًا من أن تطاله تينك الصفتان شاءت تجارب الحياة أن تضعني في مواقف أرى فيها عن قربٍ أشخاصًا يتّصفون بهاتين الخصلتين، فكانت تلك التجارب كفيلةً بأن تُظهر لي مدى قبحهما وانعكاسهما على السلوك الإنساني. لن أُطيل في هذا الباب، غير أنّي أقول باطمئنان إنّ أصحاب هاتين الصفتين من أبعد الناس عن روح المدنية والمجتمع… ولعلّ في ذلك حديثًا مفصّلًا في مقالٍ لاحق.هذا التعوّذُ النبويّ يدلّ على قُبح الصفتين وقوّة أثرهما على الناس، ومن الطبيعيّ ألا يكون هذا الأثرُ محدودًا بحامل الصفة فقط، بل يتعدّاه إلى مجتمعه وبيئته وأمّته بأكملها. هيمنة ومجتمعاتفلنتخيّل مجتمعًا يهيمن عليه الجُبن والبُخل… مجتمعًا يخاف أفراده من قول الحق، ويمسكون أيديهم عن مدّ الخير؛ كيف تكون حاله؟كيف يكون وضع فقرائه وشوارعه وأسواقه؟كيف تُدار شؤونه العامّة؟كيف تكون قوّته في الدفاع عن نفسه أو في بناء مؤسّساته ومصالحه؟المجتمع الجبان مجتمعٌ صامت، والمجتمع البخيل مجتمعٌ عقيم. الأوّل يُصاب بالشلل الأخلاقي، والثاني بالضمور الاقتصادي والوجداني. وحين يجتمع الجُبن والبُخل في النفوس، تُصاب الأمّة بما يشبه الانسداد التاريخي؛ إذ يغيب الفعلُ، وتغيب التضحيةُ، ويغيب معنى العيش المشترك الذي لا يقوم إلّا على الشجاعة والعطاء. الوقف…ربطُ الثروة بالحرّيةلم يكن الوقفُ في التاريخ الإسلامي مجرّدَ نظامٍ ماليٍّ خيريٍّ يسعى أصحابه إلى التقرّب من الله طلبًا للأجر أو «شراء بيتٍ في الجنّة» فحسب — فهذا أمرٌ مُسلَّمٌ به لديهم — بل كان في جوهره نظامًا اجتماعيًّا أصيلًا في الحضارة الإسلامية يقوم على حبس الأصل وتسبيل المنفعة؛ أي أن يوقف الإنسان مالَه أو عقارَه بحيث يبقى الأصلُ ثابتًا وتُصرَف منفعته في وجوه الخير العام: كالعلم والعلاج والمأوى.ومن هنا كان الوقف مؤسّسةً سلطويّة قبل أن يكون ماليّة؛ لأنّه يربط المال بالحرّية، ويحوّل الثروة من وسيلة تملّك إلى وسيلة تحرّر وتوكيلٍ ذاتي. فالذي يتنازل عن جزءٍ من مُلكه لصالح المصلحة العامة يمارس شجاعةً مدنيةً نادرة: شجاعةَ التخلّي عن السيطرة، وثقةً بالمجتمع والزمن والنيّة الصالحة.إلى جانب هذا البعد الإيماني، كان للوقف أثرٌ دنيويٌّ وحضاريٌّ عميق، تجاوز فكرة التكافل البسيطة إلى بناء مجتمعٍ يملك استقلاله الذاتي وسلطته الداخلية.ذلك المجتمع لم يكن يتمتع بحريةٍ ماديّة فحسب، بل بقدرةٍ على إنتاج الحرّية وضمان استمراريتها؛ مجتمعٌ يصوغ ثقافةً تحفظ الكرامة وتصون الأعراض، بعيدًا عن الارتهان لقوى خارجية تسعى للاستثمار أو الاستغلال. الوقف آليّةٌ من آليات الإسلام الاجتماعي التي تضمن السلطة خارج مؤسساتها التقليدية التي هي بطبيعتها مؤسسات قمعيّة؛ إذ إنّ كل سلطةٍ تتبلور في كيانٍ موحّد تصبح القمعيّة من صفاتها المباشرة حين يُربّي الجُبنُ أباه قد نرى تجلّي الفكرة من خلال روايةٍ مأثورة عن النبيّ، حيث يقول: “الولدُ مَجبنةٌ ومَبخلة”.وهذا الحديث يُحذّر مرةً أخرى من الوقوع في صفتي الجُبن والبُخل؛ فعندما يصبح الإنسان أبًا أو أمًّا لطفل صغير، يصبح هذا الولدُ مدعاةً للبخل والجبن؛ لأنّ الوالد سيبخل عن العطاء من أجل ولده، ثم يجبُن عن أيّ شجاعة خوفًا من أن يتيتّم ولده. لكنّ المثال يأخذنا إلى ما نسمعه يوميًا من الأهل عن حياتهم ما بعد الأولاد: “بتصير حياتك مش إلك، بتصير حياتك لإلُن”.هنا يتّضح المعنى المقصود: أي إنّ السلطة في الحياة لم تعُد تُنتَج بحرّية الأب أو الأم، بل بناءً على مصلحة الطفل. وهنا تقع طامة فقدان السلطة من مكانها الطبيعي إلى مكان سبّبه الجُبن… الذي قد يصل بالإنسان حدّ تأليه ذاته؛ فيعتبر نفسه الرازق الضامن لحياة ذلك الصغير! الأمر ذاته في المجتمع؛ فمن عبقرية النظام الوقفي أنّ الأصل المادّي الذي أُوقِف لله تعالى لا يعود ملكًا للموقِف، ولا للدولة، ولا للمؤسسة الدينية، بل ملكًا للمجتمع نفسه. والوقف آليّةٌ من آليات الإسلام الاجتماعي التي تضمن السلطة خارج مؤسساتها التقليدية التي هي بطبيعتها مؤسسات قمعيّة؛ إذ إنّ كل سلطةٍ تتبلور في كيانٍ موحّد تصبح القمعيّة من صفاتها المباشرة — والقمع هنا لا يعني الاضطهاد الجسدي فقط، بل القدرة على الظلم والتمييز والقهر. فصلُ الدين عن الدولة ولذلك يخلص بعض مؤرخي القرون الإسلامية الوسطى إلى القول إنّ سلطة الخليفة على المجتمعات الإسلامية كانت سلطة الحدّ الأدنى؛ فليس من طبيعة الخلافة أن تمتلك سلطة المجتمع، وإنما يقتصر عملها على إدارة الشؤون الدولية الكبرى. وقد فَطِنَ العلماء إلى هشاشة فكرة الدولة وإمكانية تغيّرها وتبدّلها لأسباب خارجة عن السيطرة: كالغزو، والاحتلال، والثورات، والانقلابات… فقاموا — بلغة اليوم — بفعلٍ ذي روح «عَلمانية»؛ فصلوا الدين عن الدولة لا لنزع قدسية الدين، بل للحفاظ على سلطة المجتمع. ولم يكن ذلك ليتمّ لولا وجود شجعانٍ كرماء أوقفوا ملكهم لخدمة الناس، ولم يجبُنوا أو يبخلوا، ولم يسعوا إلى منصبٍ مؤسساتيّ أو سلطويّ «ليخدموا الناس»، بل فقهوا أنّ الخدمة الحقيقية هي في إعطاء السلطة للمجتمع. المجتمع الجبان مجتمعٌ صامت، والمجتمع البخيل مجتمعٌ عقيم من احتكار السلطة إلى تمكين الناسإذا تأملنا صورة المجتمع الذي تخنقه صفَتا الجُبن والبُخل، أدركنا فورًا أنّ استعادته لقِيَم الوقف والشجاعة المدنية ليست ترفًا تاريخيًا، بل ضرورةً حاضرة. فالوقف في جوهره إعلانٌ جماعيٌّ بأنّ الأمة قادرةٌ على تمويل حريتها بنفسها، وأن تنتج ثقافتها من داخلها، وأن تحمي كرامتها بلا استجداء.أخطر ما تفعله هاتان الرذيلتان هو تحويل المجتمع من فاعلٍ إلى متلقٍّ، ومن مانحٍ إلى طالب، ومن مالكٍ لسلطته إلى خائفٍ من فقدانها؛ لذا كان التعوّذ النبويّ في محلّه…فمقاومة الجُبن والبُخل ليست تربيةً فردية فحسب، بل تأسيسٌ لشكلٍ من الاجتماع الإسلاميّ الحرّ يقوم على العطاء، ويتحصّن بالمؤسسات الأهليّة، ويُبقي السلطة بيد الناس لا فوقهم.وفي زمنٍ كثر فيه من يرفع شعار «خدمة الناس» وهو يستميت للحصول على منصبٍ كأنّه غايةٌ في ذاته، يصبح من اللازم التذكير بأنّ الخدمة الحقيقية لا تكون بالاستحواذ على السلطة، بل بتمكين الناس منها.فالمجتمع لا يُبنى بالخطباء الذين يعتلون الكراسي ليتحدّثوا عن الإصلاح، بل بالشجعان الذين يتركون الكراسي ليقيموا مؤسساتٍ تنتمي إلى الناس لا إليهم. وآليّاتٌ مثل الوقف هي النموذج الأصدق لهذه الروح؛ إذ لا يكتفي صاحبُها بأن يتنازل عن مالِه، بل يتنازل عن سلطته أيضًا، واضعًا ثقته في المجتمع لا في ذاته، وفي الفعل الجماعي لا في الفرد المتسلّط. من هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: حين يتحوّل الشعار من: «سأخدم الناس» إلى: «سأمنح الناس القدرة على خدمة أنفسهم». أستاذٌ في "جامعةِ جورجتاون"- قطر باحثٌ في الدراساتِ الإسلاميةِ والتاريخِ الإسلاميّ
أغمض عينيك… وتخَيَّل معي هذا المشهد الساحر. تقف على ضفاف النيل في القاهرة، والشمس تشرق على مآذن الأزهر. تحمل عصاك وزادك، وتنطلق في رحلة لن تحتاج فيها إلى جواز سفر، أو تأشيرة دخول، أو حتى تصريح مرور. إنها رحلة عبر إمبراطورية واحدة تمتد من المحيط الأطلسي إلى أسوار الصين، ومن سهول آسيا الوسطى إلى صحاري أفريقيا. من أرض الكنانة إلى الأرض المقدسةتعبر سيناء بخطوات واثقة، لا يوقفك حارس حدود، ولا يطالبك أحد بهوية. تصل إلى فلسطين المباركة، حيث تصلي في المسجد الأقصى، ثم تواصل رحلتك شمالاً عبر بلاد الشام الخضراء. في دمشق، تستريح في ظلال الجامع الأموي، وتستمع إلى قصص الفتوحات من شيوخ المدينة. من هناك، تتجه شمالاً نحو إسطنبول العظيمة، عاصمة الخلافة العثمانية، حيث تقف مبهوراً أمام آيا صوفيا والجامع الأزرق، وأنت تدرك أنك في قلب إمبراطورية تحكم ثلث العالم المعروف آنذاك. إلى مهد الحضارة في بلاد الرافدينتنحدر جنوباً عبر الأناضول، وتعبر نهري دجلة والفرات لتصل إلى الموصل الحدباء، ثم إلى بغداد دار السلام، عاصمة الخلافة العباسية التي كانت يوماً منارة العلم والحضارة في العالم. تتجول في أسواقها، وتزور بيت الحكمة حيث تُرجمت علوم الأولين، وتستمع إلى حكايات هارون الرشيد والمأمون. رحلة الروح إلى بيت الله الحراممن بغداد، تنضم إلى قافلة الحج المتجهة إلى مكة المكرمة. تسير عبر الصحراء العربية، محمياً بأمان الخلافة، حتى تصل إلى البيت الحرام. تؤدي مناسك الحج، ثم تزور المدينة المنورة، حيث تقف أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلبك يفيض بالإيمان والخشوع. عندما كان المسلم في الأندلس يشعر بالانتماء لنفس الوطن الذي ينتمي إليه المسلم في سمرقند. عندما كان العالم الإسلامي أمة واحدة تحت راية واحدة، بقيادة واحدة من اليمن السعيد إلى القرن الإفريقيرحلتك لم تنته بعد. تتجه جنوباً إلى صنعاء العريقة، عاصمة اليمن السعيد، حيث تتأمل عمارتها الفريدة وحدائقها المعلقة. من هناك، تعبر مضيق باب المندب إلى جيبوتي، ثم تواصل رحلتك إلى الصومال الحبيب، حيث تكتشف مدناً إسلامية عريقة على ساحل المحيط الهندي. تركب سفينة تجارية إسلامية، وتعبر المحيط الهندي إلى جزر القمر، ثم إلى ماليزيا وإندونيسيا والفلبين، حيث تشهد كيف وصل الإسلام إلى هذه الجزر النائية عبر التجار والدعاة، وليس بحد السيف كما يدعي المغرضون. جوهرة التاجتصل إلى الهند الإسلامية، حيث تزور دلهي وأغرا وحيدر آباد، وتقف مذهولاً أمام تاج محل، تحفة العمارة الإسلامية الخالدة. تتجول في أسواق التوابل والحرير، وتستمع إلى الموسيقى الصوفية في المساجد والخانقاهات. من الهند، تتجه شمالاً إلى أفغانستان، أرض الجبال الشامخة والمجاهدين الأبطال، ثم إلى أوزبكستان، حيث تقف مبهوراً أمام عظمة بخارى وسمرقند وطشقند وخوارزم. هنا، تترحم على الفاتح العظيم قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي فتح هذه البلاد ونشر فيها نور الإسلام. تواصل رحلتك عبر تركمانستان وقيرغيزيا وطاجكستان، حيث ترى كيف امتدت حضارة الإسلام إلى أقاصي آسيا، وكيف ازدهرت العلوم والفنون في هذه البقاع النائية. تعود أدراجك غرباً، عبر البلقان المسلم، حيث تزور سراييفو وبريشتينا وتيرانا، وتشهد كيف وصل الإسلام إلى قلب أوروبا. تصل إلى الأناضول مرة أخرى، وتركب سفينة عبر البحر المتوسط إلى كريت ومالطا وقبرص. المغرب الأقصىتصل إلى المغرب الأقصى، حيث تتجول في أزقة مراكش الضيقة، وتزور الرباط العاصمة. من هناك، تتجه شرقاً إلى الجزائر، حيث تزور العاصمة البيضاء وتلمسان الأندلسية ووهران الساحلية وقسنطينة المعلقة. رحلتك تقودك إلى تونس الخضراء، حيث تزور القيروان، أول عاصمة إسلامية في المغرب، وتترحم على مؤسسها القائد المجاهد عقبة بن نافع. تجلس في جامع الزيتونة العريق، وتستمع إلى دروس العلماء. من تونس، تتجه إلى ليبيا، أرض عمر المختار البطل، ثم تعود إلى القاهرة، حيث بدأت رحلتك. تصلي في الأزهر الشريف، وأنت تحمل في قلبك ذكريات رحلة عبر إمبراطورية عظيمة. هذه ليست مجرد رحلة خيالية بل حقيقة تاريخية عاشها المسلمون لأكثر من 1250 عاماً في ظل الخلافة الإسلامية. تخَيَّل أنك تقطع كل هذه المسافات الشاسعة دون: جواز سفر أو هوية شخصية تأشيرة دخول أو تصريح مرور حراس حدود يوقفونك أو يفتشونك أسلاك شائكة تقطع طريقك رسوم جمركية أو ضرائب حدودية كل ذلك وأنت تحت حماية خلافتك الإسلامية، تأكل وتنام في الخانات الإسلامية على حساب بيت مال المسلمين، وتتنقل بأمان تام عبر قارات ثلاث أيُّ عزٍّ كنا فيه؟ هذا هو العز الذي فقدناه عندما سقطت الخلافة الإسلامية. عندما كان المسلم في الأندلس يشعر بالانتماء لنفس الوطن الذي ينتمي إليه المسلم في سمرقند. عندما كان العالم الإسلامي أمة واحدة تحت راية واحدة، بقيادة واحدة، وبعملة واحدة أحياناً. اليوم، نحتاج إلى عشرات التأشيرات لنزور بلداناً إسلامية، ونقف في طوابير مذلة أمام سفارات دول كانت يوماً جزءاً من إمبراطوريتنا الواحدة. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نتذكرها، والحلم الذي يجب أن نسعى لاستعادته، والاضافة عليه…
لا يمكن لأيّ مُراقبٍ مُنصِفٍ أن يتجاهل الحضورَ الدينيَّ النابضَ في قلب مدينة صيدا. فالشواهدُ تتجلّى في كلِّ زاويةٍ، من حلقاتِ الذِّكر التي تَعمُرُ بها المساجدُ، إلى المهرجاناتِ القرآنيّة وتخريجِ أفواجِ حَفَظةِ كتابِ الله، وصولاً إلى مشهدِ صلاةِ الفجرِ التي تَكتظُّ بها بعضُ مساجدِ المدينةِ حتى أصبحتْ علامةً فارقةً لها. ولا يَغيبُ عن الذاكرةِ وهجُ “الحركةِ الأسيريّة” التي حوّلتْ منطقةَ “عبرا” إلى منارةٍ دعويّةٍ نشطة، قبل أن تنطفئ في أتونِ صراعٍ مأساويٍّ دفع ثمنَه شبابُ أهلِ السُّنّة، بعد اصطدامها بقوى من داخلِ البيتِ السُّنّي وخارجه، أبرزُها حزبُ الله وحركةُ أمل. سؤال الهُويّة الأكبر رغم كلِّ هذه المظاهر، يظلُّ السؤالُ الجوهريُّ قائمًا: هل صيدا مدينةٌ “إسلاميّة” بالمعنى الهُويّاتيّ الشامل؟ وهل نجح الإسلاميون في صبغِها بهذه الصبغة؟الجوابُ، بكلِّ وضوحٍ، هو: لا. صيدا ليست مدينةً إسلاميّة بالتعريفِ الصِّرف للهُويّة. هي مدينةٌ محافظةٌ يَغلُب عليها الطابعُ الدينيُّ السُّنّي، وهو ما يظهرُ جليًّا في الاحتفالاتِ وزينةِ الشوارع، التي لا يَكسِرُها إلا مناسباتٌ استثنائيّة كرأسِ السنة. لكنّ هذا الطابعَ المحافظ لم يُترجَم إلى هُويّةٍ إسلاميّةٍ راسخة. فلماذا هذا الإخفاق؟ يمكنُ إيجازُ الأسبابِ في ثلاثةِ محاورَ رئيسيّة: ضعفُ وغيابُ للرؤية يكمنُ الضعفُ الأبرزُ في غيابِ رؤيةٍ استراتيجيّةٍ موحّدة. فالتحرّكاتُ غالبًا ما تكونُ ردودَ فعلٍ متناثرةً تفتقرُ إلى الحكمةِ والجاذبيّة؛ فهُنا تُغلَقُ شوارعُ اعتراضًا على حفلٍ تحت شعار “صيدا لن ترقص”، وهناك تُستخدَمُ قضايا كبرى مثل غزّة كمتراسٍ دفاعيٍّ بدلًا من أن تكون منطلقًا للعملِ البنّاء. لو امتلك الإسلاميون قوّةَ التأثير الدعويّ، المبنيّ على بصيرةٍ ومحبّةٍ، لأصبحتْ مهرجاناتُ الآخرين مجرّدَ أصداءٍ باهتة. التجربةُ الشخصيّةُ تُثبت أنّ الجمهورَ مُتعطّشٌ للبديلِ الهادف؛ فقد تجاوز الحضورُ في مهرجانٍ رياضيٍّ وإنشاديٍّ أُقيمَ في قلبِ صيدا 2500 شخص، معظمُهم لم يكونوا من الملتزمين بالضرورة. هذا يُثبت أنّ الساحةَ خصبةٌ، لكنّها تحتاجُ إلى زارعٍ ماهر. إنّ ضعفَ التأثيرِ يترجمُ نفسَه بوضوحٍ في صناديقِ الاقتراع، حيث لا يتجاوزُ رصيدُ الإسلاميين في الانتخاباتِ النيابيّة والبلديّة 3500 صوت، وهو رقمٌ ضئيلٌ لا يَعكسُ حجمَهم الحقيقيَّ المُفترَض، ويَكشِفُ عن عجزٍ في تحويلِ التعاطفِ إلى قوّةٍ سياسيّةٍ فاعلة. يترجم ضعفَ التأثيرِ نفسَه بوضوحٍ في صناديقِ الاقتراع، حيث لا يتجاوزُ رصيدُ الإسلاميين في الانتخاباتِ النيابيّة والبلديّة 3500 صوت، رقمٌ ضئيلٌ لا يَعكسُ حجمَهم الحقيقيَّ المُفترَض هيمنة العلمانية المشهدُ السياسيُّ السُّنّي في صيدا يخضعُ، للمفارقة، إلى هيمنةِ تيّاراتٍ علمانيّةٍ بعيدةٍ كلَّ البعد عن الالتزامِ الدينيّ. فالمقعدان النيابيّان المخصّصان للطائفةِ تُسيطرُ عليهما أحزابٌ تتراوحُ بين العلمانيّة الليبراليّة، واليساريّة، والبعثيّة. في أفضلِ الأحوال، قد نجدُ سياسيًّا يُصلّي ويصوم، ولكنّه يتبعُ نهجًا انتقائيًّا يَغلُب عليه الطابعُ الشكليّ، حيث يُنظرُ إلى الدعوةِ للعودةِ إلى الكتابِ والسُّنّة على أنّها “رجعيّة”. هذا التباينُ العميقُ ألقى بظلالِه على الحركاتِ الإسلاميّة نفسها، التي انقسمتْ وتشرذمتْ في خياراتِها السياسيّة، كما ظهرَ جليًّا في الانتخاباتِ البلديّة الأخيرة، ممّا أكّد أنّ النماذجَ الملتزمة ليستْ هي القاطرةَ التي تقودُ المشهد. فراغُ المرجعيّة وتوظيفُ الدين تُعاني صيدا من غيابِ مرجعيّةٍ دينيّةٍ حقيقيّةٍ ومستقلّة. فغالبيةُ المشايخِ موظّفون ضمن “دار الفتوى”، وهي مؤسّسةٌ رسميّة تتبعُ دولةً لا ينصُّ دستورُها على هُويّتِها الإسلاميّة، بل يَعترفُ ويُقنّن مؤسّساتٍ تتناقضُ مع أبسطِ مبادئِ الدين. يُضافُ إلى ذلك، أنّ بعضَ حاملي الرسالةِ الدينيّة يفتقرون إلى العمقِ العلميّ والتأهيلِ الكافي، ممّا يُضعفُ من قدرتِهم على التأثيرِ والإقناع. وفي ظلّ غيابِ المرجعيّاتِ الراسخة التي كانت تُمثّلُها الأجيالُ السابقة، ظهرتْ “أشباهُ مرجعيّات” باتتْ تدورُ في فلكِ رجالِ المالِ والسياسة، وتُصدِرُ فتاوى تُرضي أهواءَهم طمعًا في مكاسبَ دنيويّة، ممّا أفرغَ الخطابَ الدينيَّ من مصداقيّتِه. المواجهةُ تبدأ من الذات قبل أن تُوجّهوا اللومَ إلى الناشطِ العَلمانيّ، أو المناضلِ اليساريّ، أو المستثمرِ في الفنِّ الهابط، أو حتى “المُستشيخ” الذي يطرقُ أبوابَ السلطة، عليكم أن تتوقّفوا وتلوموا أنفسَكم. فالعِلّةُ تكمُنُ في تقصيرِكم عن ترتيبِ البيتِ الداخليّ، وفي استغلالِ الدينِ لمصالحَ شخصيّةٍ ضيّقة. الطريقُ نحو التغيير طويلٌ وشاقّ، ولا يمكن أن يبدأ إلا بخطوتين متلازمتين: الإيمانُ والعمل. الإيمانُ يتجذّرُ بالوعيِ العقائديّ الصحيح، والعملُ يتجسّدُ في تقديمِ نماذجَ قياديّةٍ مُلهِمة وتطبيقٍ عمليٍّ على أرضِ الواقع. لن تتغيّرَ صيدا بين ليلةٍ وضحاها، بل بالصبرِ والعملِ الدؤوبِ وتقوى الله. حينها فقط، قد ترتدي المدينةُ "تاجَ الوقار" الذي تتمنّونه، وتتشكلُ الهُويّةُ التي تسعونَ إليها.