في الوقت الذي يثير فيه راتب مذيع في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، يقترب من مليون دولار سنويًّا، ضجّةً في الصحافة البريطانية، تبدو المفارقة أكثر إثارة بالنسبة إلى القارئ اللبناني. فالقصة ليست في ضخامة الرقم بحدّ ذاته، وإنما في وجود مؤسسة إعلامية تموّلها أموال دافعي الضرائب، وتعتبر نفسها ملزمة أخلاقيًّا وقانونيًّا بإعلان أجور أبرز وجوهها للرأي العام. أما في لبنان، فلا أحد يعرف، على وجه الدقة، كم يتقاضى أشهر مقدّمي البرامج، أو مذيعي نشرات الأخبار، أو نجوم الشاشات، رغم أن بعض المؤسسات الإعلامية تعيش منذ سنوات على التمويل السياسي أو الحزبي أو الخارجي، أو على المساعدات، فيما يرزح العاملون فيها تحت وطأة رواتب بالكاد تكفي للوصول إلى نهاية الشهر. تكشف بيانات «بي بي سي» للعام المالي 2025-2026 أن أكثر من خمسين إعلاميًّا تجاوزت رواتبهم السنوية 237 ألف دولار، فيما تصدّر المذيع ستيفن نولان القائمة بأجر يناهز 570 ألف جنيه إسترليني، أي ما يقارب ثلاثة أرباع مليون دولار أميركي، مع تقديرات تقترب من المليون دولار عند احتساب بقية مداخيله المهنية المرتبطة بالإنتاج والبرامج والأنشطة الإعلامية. لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يتقاضى هذا المبلغ؟ السؤال الأهم هو: لماذا يعرف البريطانيون ذلك أصلًا؟ الجواب بسيط؛ لأن «بي بي سي» تموَّل بصورة رئيسية من رسوم الترخيص التي يدفعها المواطن البريطاني، وبالتالي يصبح من حق هذا المواطن أن يعرف أين تذهب أمواله، ومَن يحصل على أكبر حصة منها. إنها فلسفة تقوم على الشفافية والمساءلة، لا على الفضول. في بلاد الأرز في لبنان، تبدو الصورة معكوسة تمامًا. فالإعلام يعيش واحدة من أسوأ أزماته منذ تأسيس الدولة. عشرات المؤسسات خفّضت الرواتب، أو دفعتها بالليرة اللبنانية خلال سنوات الانهيار، أو صرفت مئات الصحفيين، فيما اضطر كثير من الإعلاميين إلى الهجرة، أو العمل الحر، أو الجمع بين أكثر من وظيفة لتأمين الحد الأدنى من الدخل. وتشير تقديرات العاملين في القطاع إلى أن رواتب شريحة واسعة من الصحفيين والمحررين اليوم تتراوح بين 500 و1200 دولار شهريًّا، بينما يحصل المذيعون ومقدّمو البرامج المعروفون في بعض القنوات الكبرى على ما بين 2000 و6000 دولار شهريًّا، مع وجود استثناءات محدودة لأسماء بارزة قد تتجاوز هذا المستوى، بعقود خاصة أو برامج ممولة. أما في المؤسسات المحلية الصغيرة، أو الإذاعات والصحف، فلا تزال رواتب تقل عن 500 دولار شهريًّا واقعًا قائمًا بالنسبة إلى عدد غير قليل من العاملين. وهنا تكمن المفارقة الصادمة. skip render: ucaddon_material_block_quote راتب ستيفن نولان السنوي وحده يعادل تقريبًا ما يتقاضاه عشرات الصحفيين اللبنانيين مجتمعين خلال عام كامل. وإذا قورن بمتوسط راتب صحفي لبناني يبلغ نحو ألف دولار شهريًّا، فإن الإعلامي البريطاني يحصل في عام واحد على ما يحتاج إليه الصحفي اللبناني نحو ستين عامًا لجمعه، إذا بقي راتبه ثابتًا ولم ينفق منه دولارًا واحدًا. لكن المقارنة لا ينبغي أن تتحول إلى جلد للذات أو إلى حسد مهني، لأن الفارق لا يتعلق بالأجر فقط، بل بالنظام الإعلامي بأكمله. فـ«بي بي سي» تعمل في واحدة من أكبر الأسواق الإعلامية في العالم، وتنتج محتوى يشاهده ويتابعه مئات الملايين، بينما يعمل الإعلام اللبناني داخل اقتصاد منهار، وسوق إعلانية تقلّصت بصورة حادة، ومؤسسات تعتمد، في كثير من الأحيان، على التمويل السياسي أكثر من اعتمادها على السوق. غير أن الأزمة اللبنانية ليست اقتصادية فقط، بل تتعلق أيضًا بغياب الشفافية. لا أحد يعرف كم تبلغ موازنات معظم المؤسسات الإعلامية، ولا حجم الإنفاق على النجوم، ولا قيمة العقود، ولا آليات تحديد الرواتب، ولا أسباب الفوارق الكبيرة بين موظف وآخر. ويصبح الحديث عن الأجور من المحرّمات، رغم أن المؤسسات نفسها تطالب باستمرار بالشفافية في الدولة والقطاع العام. وهنا يبرز سؤال قد يبدو مستفزًّا، لكنه مشروع: إذا كان الإعلام يطالب السياسيين بكشف حساباتهم، فلماذا لا يبدأ بكشف حساباته هو؟ المفارقة أن نشر الرواتب في «بي بي سي» لم يُضعف المؤسسة، بل عزّز الثقة بها، حتى وإن أثار انتقادات سنوية بشأن ارتفاع أجور بعض النجوم. أما في العالم العربي، فما زال الغموض سيد الموقف، وكأن الشفافية مطلوبة من الجميع باستثناء الإعلام نفسه. قد لا يحلم الصحفي اللبناني اليوم براتب يوازي ما يتقاضاه ستيفن نولان، لكنه يطمح، على الأقل، إلى راتب كريم، وعقد واضح، وضمان اجتماعي، وتأمين صحي، ومستقبل مهني لا يرتبط بتبدّل الممولين أو اتجاهات السياسة. ولعلّ الدرس الأهم الذي تقدّمه «بي بي سي» ليس حجم الرواتب، بل شجاعة الإعلان عنها. فالشفافية ليست ترفًا إداريًّا، بل جزء من مصداقية أي مؤسسة إعلامية تدّعي الدفاع عن حق الجمهور في المعرفة. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يَعُد الذكاء الاصطناعي يقتصر على كتابة الأخبار أو تلخيصها أو مساعدة غرف الأخبار في إنتاج المحتوى، بل بدأ يقترب من مساحة أكثر حساسية، تتمثّل في إصدار الأحكام على الصحفيين وتقييم مصداقيتهم. وبينما يُسوَّق لهذه الأدوات باعتبارها وسيلة لتعزيز الشفافية والمساءلة، يخشى كثيرون أن تتحوّل إلى آلية جديدة للضغط على الإعلام، ولا سيّما عندما تصبح العدالة الرقمية خدمة تُشترى بالمال. في أبريل/نيسان الماضي، تلقّى الصحفي الأميركي غاري بوم، العامل في مجلة «هوليوود ريبورتر»، رسالة إلكترونية غير مألوفة، تُخطره بأنه أصبح طرفًا في قضية تنظر فيها محكمة تعمل بالذكاء الاصطناعي. لم تكن الرسالة صادرة عن جهة قضائية رسمية، وإنما عن منصة خاصة تحمل اسم «Objection AI»، وهي شركة أعلنت عن خدمة تحكيم مدفوعة تعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي للفصل في النزاعات المتعلقة بالتغطية الصحفية، مقابل رسوم تبدأ من ألفَي دولار، وقد تصل إلى 15 ألف دولار. وتتيح المنصة لأي شخص يعتبر نفسه متضررًا من تقرير صحفي أن يرفع شكوى مقابل رسوم مالية، بينما يتولّى مراجعة الملف محققون سابقون عملوا في مؤسسات أميركية، مثل وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، قبل أن تُحال القضية إلى لجنة تضم نماذج ذكاء اصطناعي من شركات كبرى، مثل «OpenAI» و«Anthropic» و«Google» و«Mistral» و«xAI»، لتصدر قرارها خلال 72 ساعة فقط. ورغم أن هذه الأحكام لا تتمتع بأي صفة قانونية، فإن المنصة كانت تعلن نيتها نشرها في سجل إلكتروني، باعتبارها مؤشرًا على النزاهة المهنية أو العكس، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرة مثل هذه التصنيفات على التأثير في سمعة الصحفيين ووسائل الإعلام، حتى من دون أي قوة قانونية مُلزمة. ويثير المشروع مزيدًا من الجدل بسبب خلفية مؤسسه، المحامي الأسترالي آرين دي سوزا، الذي سبق أن شارك في الحملة القانونية السرية التي موّلها الملياردير بيتر ثيل ضد موقع «Gawker» قبل نحو عقد، وانتهت بإفلاس الموقع بعد صدور حكم قضائي بتعويضات بلغت 140 مليون دولار بسبب انتهاك الخصوصية، وليس بسبب نشر معلومات كاذبة. ويرى منتقدون أن استحضار تلك التجربة لتبرير إنشاء منصة لتقييم الصحفيين يخلط بين حماية الخصوصية ومحاسبة العمل الصحفي، وهما مساران قانونيان مختلفان. skip render: ucaddon_material_block_quote ولم تقتصر الانتقادات على فكرة المحكمة الافتراضية، بل امتدت إلى آليات عملها. فقد نصحت الشركة الأشخاص بعدم إجراء مقابلات صحفية إلا بعد توقيع الصحفي على اتفاق يقضي بإحالة أي نزاع مستقبلي إلى منصة التحكيم الخاصة بها. كما طوّرت أداة كانت تضع علامة «قيد التحقيق» على التقارير المنشورة عبر منصة «إكس» بمجرد تقديم شكوى، حتى قبل التحقق من الأدلة أو سماع رد الصحفي، وهو ما اعتبره خبراء تقويضًا لمبدأ افتراض البراءة. ولم يكن أول المستفيدين من هذه الخدمة أفرادًا عاديين، بل شخصيات نافذة، من بينهم أحد ورثة عائلة ساكلر، التي ارتبط اسمها بأزمة المسكنات الأفيونية في الولايات المتحدة. كما تضمّنت طلبات المراجعة تقارير نشرتها صحف مرموقة، مثل «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال». وتستند الشركة، في تبرير مشروعها، إلى تراجع ثقة الجمهور الأميركي بوسائل الإعلام، وهي ظاهرة وثّقتها استطلاعات مؤسسة «غالوب»، التي أظهرت انخفاض الثقة إلى نحو 28 في المئة، بعدما كانت تقارب 70 في المئة خلال سبعينيات القرن الماضي. غير أن معالجة أزمة الثقة عبر منصات خاصة مدفوعة تثير، بدورها، أسئلة حول استقلالية هذه التقييمات، وإمكان تحوّلها إلى أداة ضغط جديدة على المؤسسات الإعلامية. وبعد أشهر من إطلاق المشروع، اختفت المنصة من الإنترنت، قبل أن تعود في منتصف يوليو/تموز الماضي بهوية مختلفة تحت اسم «The Primary». لكن النسخة الجديدة تخلّت عن فكرة المحكمة الافتراضية، واستبدلت بها منصة لتقييم نحو 20 ألف صحفي، اعتمادًا على ملايين المقالات التي شاركوا في إنتاجها، مع التنويه إلى أن النتائج مجرد تقييمات آلية تعبّر عن رأي الخوارزمية، وليست أحكامًا نهائية. ورغم هذا التغيير، لم تتراجع المخاوف. فالعديد من المدافعين عن حرية الصحافة يحذّرون من انتقال مثل هذه النماذج إلى دول تفتقر أصلًا إلى الضمانات القانونية الكافية لحماية الصحفيين. وفي بيئات تعاني من هشاشة المؤسسات القضائية وضعف استقلال الإعلام، قد تتحوّل التقييمات الآلية إلى وسيلة لتشويه السمعة أو ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الصحفيين، من دون المرور بالإجراءات القضائية التقليدية. ولا يقتصر الخطر على فكرة «المحكمة» نفسها، بل يمتد إلى منح الخوارزميات سلطة معنوية في تحديد مَن هو الصحفي الموثوق، ومَن هو الصحفي المضلّل، في وقت لا تزال فيه هذه الأنظمة تعاني من أخطاء منهجية، وتفتقر إلى الشفافية الكاملة بشأن معاييرها وآليات تدريبها. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم تعد المنافسة بين القنوات الإخبارية العربية تُحسم أمام شاشات التلفزيون، بل انتقلت بصورة شبه كاملة إلى فضاء المنصات الرقمية، حيث أصبح الصراع الحقيقي يدور حول سلعة واحدة هي “الانتباه”. ففي عالم تحكمه الخوارزميات، لم يعد عدد المتابعين وحده مؤشراً كافياً على النفوذ، إذ يمكن لقناة تمتلك عشرات الملايين من المتابعين أن تبدو أقل تأثيراً من منافس يملك نصف هذا العدد لكنه ينجح في تحريك جمهوره وإشراكه في المحتوى. هذا التحول يكشف أن الإعلام الرقمي دخل مرحلة جديدة، انتقلت فيها المنافسة من بناء الجمهور إلى تنشيطه، ومن تراكم الأرقام إلى صناعة التفاعل. وهو ما تؤكده نتائج التقرير الشهري الصادر عن مرصد الإعلام العربي، الذي تابع أداء خمس من أكبر القنوات الإخبارية العربية — الجزيرة، والعربية، والحدث، والتلفزيون العربي، وسكاي نيوز عربية — عبر سبع منصات رقمية تشمل يوتيوب، وإكس، وإنستغرام، وفيسبوك، وتيك توك، وتيليغرام، وواتساب. ويستند التقرير إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية: حجم القاعدة الجماهيرية، ومعدل نموها الشهري، ومستوى التفاعل والمشاهدات، بما يسمح بالتمييز بين النفوذ المتراكم عبر السنوات، والنفوذ الذي يتجدد يومياً بفعل المحتوى. وتبرز في تقرير يونيو 2026 حقيقتان متوازيتان. الأولى أن الجزيرة لا تزال اللاعب الأكثر تأثيراً في البيئة الرقمية العربية، إذ تتصدر معظم مؤشرات التفاعل والنمو، وتحافظ على موقعها الأول في مشاهدات يوتيوب، بينما تتصدر أيضاً منصات إكس وإنستغرام وتيك توك بفوارق واسعة عن منافسيها. أما الحقيقة الثانية فتتمثل في الصعود اللافت للتلفزيون العربي على يوتيوب، بعدما أضاف خلال شهر واحد نحو 47 مليون مشاهدة، بنسبة نمو تجاوزت 26 في المئة، وهو ما قلص الفجوة مع الجزيرة من أكثر من مئة مليون مشاهدة في مايو إلى أقل من أربعين مليوناً في يونيو. skip render: ucaddon_material_block_quote وتبرز في تقرير يونيو 2026 حقيقتان متوازيتان. الأولى أن الجزيرة لا تزال اللاعب الأكثر تأثيراً في البيئة الرقمية العربية، إذ تتصدر معظم مؤشرات التفاعل والنمو، وتحافظ على موقعها الأول في مشاهدات يوتيوب، بينما تتصدر أيضاً منصات إكس وإنستغرام وتيك توك بفوارق واسعة عن منافسيها. أما الحقيقة الثانية فتتمثل في الصعود اللافت للتلفزيون العربي على يوتيوب، بعدما أضاف خلال شهر واحد نحو 47 مليون مشاهدة، بنسبة نمو تجاوزت 26 في المئة، وهو ما قلص الفجوة مع الجزيرة من أكثر من مئة مليون مشاهدة في مايو إلى أقل من أربعين مليوناً في يونيو. ورغم اختلاف هاتين النتيجتين، فإنهما تعكسان اتجاهاً واحداً أكثر عمقاً، يتمثل في اتساع الفجوة بين حجم الجمهور المسجل، وبين القدرة الحقيقية على جذب انتباهه وتحفيزه على التفاعل. الصورة أكثر تعقيداً تبلغ الحصيلة الإجمالية لمتابعي القنوات الخمس نحو 410 ملايين حساب عبر مختلف المنصات، غير أن هذا الرقم لا يعكس عدد الأفراد الفعليين، لأن المستخدم الواحد قد يتابع القناة نفسها عبر أكثر من منصة، فيُحتسب مرات عدة. ولذلك فإن الرقم يعبر عن حجم الحضور الرقمي أكثر مما يعبر عن حجم الجمهور الحقيقي. وبحسب هذا المؤشر، تحافظ الجزيرة على المركز الأول بنحو 115.5 مليون متابع، تليها العربية بأكثر من 106 ملايين، ثم التلفزيون العربي بنحو 70 مليوناً، فالحدث، وأخيراً سكاي نيوز عربية. غير أن توزيع هذا الجمهور يكشف اختلافاً في الاستراتيجيات الرقمية. فقد بنت العربية والحدث وسكاي نيوز القسم الأكبر من قواعدها الجماهيرية على فيسبوك، بينما نجحت الجزيرة والتلفزيون العربي في توزيع حضورهما بصورة أكثر توازناً بين المنصات المختلفة، وهو ما وفر لهما قدرة أكبر على التكيف مع تغيرات الخوارزميات وسلوك المستخدمين. لكن الصورة تتغير بمجرد الانتقال إلى معدلات النمو. فالجزيرة أضافت خلال يونيو نحو 932 ألف متابع جديد، متصدرة جميع القنوات، تلتها مباشرة قناة التلفزيون العربي بإضافة قاربت 840 ألف متابع، بينما جاءت سكاي نيوز ثالثة، ثم العربية، فالحدث. ويشير هذا الترتيب إلى أن حجم القاعدة الجماهيرية لم يعد يضمن استمرار النمو، إذ جاءت قنوات تحتل مراكز متقدمة من حيث عدد المتابعين في ذيل قائمة التوسع الشهري، بما يوحي بأن بعض القواعد الجماهيرية بلغت مرحلة التشبع، بينما لا تزال قنوات أخرى قادرة على جذب شرائح جديدة من المستخدمين. الانتباه أصبح العملة الأغلى في الإعلام الرقمي الجزيرة… الحضور الذي يتحول إلى تفاعل أوضح مؤشرات التقرير يتمثل في قدرة الجزيرة على تحويل جمهورها إلى جمهور متفاعل. فعلى منصة إكس، تمتلك القناة نحو ثلث المتابعين فقط، لكنها تستحوذ على أكثر من نصف إجمالي التفاعل المسجل بين القنوات الخمس، في دلالة على أن حضورها يتجاوز وزنها العددي. ويتكرر المشهد بصورة أوضح على إنستغرام، حيث تحصد ما يقرب من ثلثي التفاعل، إلى جانب تصدرها نمو المتابعين ومشاهدات الفيديو، بينما تفرض حضورها أيضاً على تيك توك، رغم أن العربية تمتلك هناك قاعدة جماهيرية أكبر عدداً. أما فيسبوك، فقد كان المنصة الوحيدة التي كسرت هذا النمط، إذ تقاسم التلفزيون العربي والجزيرة الصدارة في التفاعل، مستحوذين معاً على ما يقارب ثلاثة أرباع النشاط، رغم أن حصتهما من المتابعين تقل كثيراً عن هذه النسبة. وفي المقابل، بدت الفجوة واضحة لدى بعض القنوات التي تمتلك قواعد جماهيرية ضخمة، لكنها تحقق مستويات تفاعل متواضعة نسبياً، وهو ما يعكس تراجعاً في قدرة الجمهور على التفاعل مع المحتوى، أو تغيراً في طبيعة استهلاك الأخبار على تلك المنصات. عندما يصبح التفاعل أهم من الجمهور ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير هو ما يمكن تسميته بـ”كفاءة التفاعل”، أي مقارنة نسبة التفاعل بحصة كل قناة من إجمالي المتابعين. فحين تتجاوز هذه النسبة الواحد الصحيح، فهذا يعني أن القناة تحقق تفاعلاً يفوق وزنها الجماهيري، بينما تشير القيم الأقل إلى أن جزءاً كبيراً من الجمهور يبقى ساكناً. وبهذا المقياس، حققت الجزيرة نتائج تفوق المتوسط على معظم المنصات، بينما سجل التلفزيون العربي أفضل أداء على يوتيوب، في حين بقيت العربية والحدث وسكاي نيوز دون مستوى التوازن عبر جميع المنصات تقريباً. وتكشف هذه الأرقام أن امتلاك أكثر من نصف الجمهور الرقمي العربي لم يعد يعني بالضرورة امتلاك أكثر من نصف التأثير، بل إن القدرة على تنشيط الجمهور أصبحت المعيار الأكثر حسماً في البيئة الرقمية الجديدة. يوتيوب… ساحة التحول الأكبر كان يوتيوب المنصة الأكثر ديناميكية خلال يونيو. فقد احتفظت الجزيرة بالصدارة من حيث المشاهدات، لكنها سجلت تراجعاً نسبياً مقارنة بالشهر السابق، في حين حقق التلفزيون العربي أكبر قفزة شهرية، مضيفاً نحو 47 مليون مشاهدة جديدة، وهو ما جعله يقترب بصورة غير مسبوقة من المركز الأول. وتبدو المقارنة أكثر دلالة عند النظر إلى عدد المشتركين. فالعربية تمتلك ما يقارب ضعف عدد مشتركي التلفزيون العربي، إلا أن الأخير حقق مشاهدات تقارب ثلاثة أضعاف منافسه، وهو فارق يعكس أن كثافة الجمهور لا تترجم بالضرورة إلى كثافة في المشاهدة. كما تصدر التلفزيون العربي نمو المشتركين الجدد، بينما اكتفت العربية بإضافة عدد محدود للغاية، في مؤشر قد يعكس وصولها إلى مرحلة من