لم تعد الليرة اللبنانية «أسوأ عملة في العالم» مجرّد توصيفٍ اقتصادي، بل تحوّلت إلى دليل إدانة مكتمل الأركان ضد منظومة حكم أدارت الاقتصاد بعقلية النهب، ثم تركته ينهار على رؤوس الناس. تصدّر الليرة لهذا التصنيف في عام 2025 لم يكن حادثًا تقنيًا ولا نتيجة ظرفٍ طارئ، بل خلاصة مسار طويل من القرارات الخاطئة، والتواطؤ السياسي، والإدارة النقدية العمياء التي دفعت بلدًا كاملًا إلى الإفلاس المعيشي. عندما يتجاوز سعر صرف الدولار عتبة 89,000 ليرة، بعد أن كانت العملة الوطنية مثبتة لعقود على 1,507.5، فهذا لا يُسمّى تقلبًا في الأسواق، بل سقوطًا مدوّيًا لسلطة فقدت السيطرة، ثم فقدت المسؤولية، ثم فقدت أي شعور بالمحاسبة. خسارة أكثر من 98% من قيمة العملة منذ 2019 ليست رقمًا في تقرير دولي، بل إعلان رسمي بأن الدولة تخلّت عن دورها الأساسي: حماية مواطنيها. هندسة انهيار لم يكن الانهيار قَدَرًا، بل خيارًا مؤجّلًا. خيار اتخذته حكومات متعاقبة، ومصرف مركزي أدار الاستقرار كخدعة، ونخبة سياسية استخدمت الليرة كدرع وهمي لإخفاء عجزها وفسادها. ربط الليرة بالدولار منذ 1997 لم يكن سياسة نقدية حكيمة، بل مقامرة طويلة الأمد بمال عام لم يكن موجودًا أصلًا. استقرارٌ مصطنع صُمّم لإرضاء السلطة والقطاع المصرفي، لا لحماية الاقتصاد الحقيقي. وعندما نضبت التدفقات الخارجية، وانكشفت الفجوة الهائلة بين الواقع والأرقام، لم تُصارح الدولة شعبها، بل اختارت الإنكار حتى لحظة الانفجار. في صيف 2019، لم تظهر السوق السوداء فجأة، بل خرجت إلى العلن بعدما فُضحت الكذبة. ثم جاءت انتفاضة تشرين، ثم إعلان التخلّف عن سداد اليوروبوندز في آذار 2020، لا كقرار سيادي مدروس، بل كاعتراف متأخر بالعجز. أما القطاع المصرفي، فانتقل من «عمود الاقتصاد» إلى سجّان الودائع، فاحتجز أموال الناس تحت مسمّيات إجرائية، بينما تبخّرت مليارات الدولارات في مكانٍ آخر. ما يُسمّى اليوم «استقرار سعر الصرف» عند حدود 89,500 ليرة ليس تعافيًا، بل تكيّف قسري مع الخراب. اقتصاد مُدولر، دولة بلا سياسة نقدية نمط حياة لم تسقط الليرة وحدها، بل سقط معها المجتمع. التضخّم المفرط الذي تجاوز 200% لم يكن ظاهرة اقتصادية عابرة، بل سلاحًا صامتًا دمّر الأجور، ونسف الادخار، وأعاد توزيع الفقر بطريقة وحشية.الدين العام الذي تخطّى 170% من الناتج المحلي لم يعد رقمًا تقنيًا، بل فاتورة مؤجّلة تُدفع يوميًا من موائد الفقراء. في بلد يعتمد على الاستيراد، تحوّلت العملة المنهارة إلى أداة تجويع. الغذاء، الدواء، المحروقات، التعليم، الاستشفاء… كلّها أصبحت سلعًا «اختيارية» في دولة تخلّت عن مفهوم الخدمة العامة. الكهرباء والمياه والرعاية الصحية لم تنهَر لأنها مستحيلة، بل لأن الانهيار أصبح سياسة قائمة بحد ذاتها. وحين يقول البنك الدولي إن لبنان يعيش إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية منذ منتصف القرن التاسع عشر، فهو لا يبالغ. أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، والطبقة الوسطى مُسحت من الخريطة، لا بفعل حرب أو كارثة طبيعية، بل بفعل حكم فاشل رفض الإصلاح، وفضّل إدارة الانهيار بدل منعه. استقرار وهمي… ودولة بلا عملة ما يُسمّى اليوم «استقرار سعر الصرف» عند حدود 89,500 ليرة ليس تعافيًا، بل تكيّف قسري مع الخراب. اقتصاد مُدولر، دولة بلا سياسة نقدية، ومواطن يتقاضى أجره بعملة، ويدفع التزاماته بأخرى، ويُحاسَب على أساس ثالثة. غياب الإصلاحات ليس عجزًا تقنيًا، بل قرار سياسي واعٍ. فالإصلاح يعني محاسبة، والمحاسبة تعني كشف الأدوار، وهذا ما ترفضه منظومة لا تزال تتصرّف كأن الانهيار حادث عرضي لا جريمة متواصلة. ماذا يعني أن تكون عملتك الأسوأ في العالم؟ يعني ببساطة أن الدولة فقدت وظيفتها الأساسية.يعني أن السياسة النقدية خرجت من يد المؤسسات ودخلت في منطق الفوضى.يعني أن الثقة لم تُستنزف فقط، بل قُتلت عمدًا. الليرة المنهارة هي مرآة نظام سياسي انهار قبلها، لكنّه ظل واقفًا بفضل الناس الذين دفعوا الثمن. هي نتيجة مباشرة لسلطة أنفقت بلا إنتاج، اقترضت بلا محاسبة، وأدارت البلد كأنه حساب مؤقّت لا وطن دائم. في دولٍ أخرى، تسقط العملة عندما تسقط الدولة. في لبنان، سقطت العملة ليبقى النظام. الليرة اللبنانية لم تنهَر لأنها ضعيفة، بل لأنها تُركت وحيدة في مواجهة منظومة تعرف كيف تحمي نفسها، ولا تعرف، أو لا تريد، كيف تحمي شعبها. وما لم يُحاسَب من هندس هذا الانهيار، فإن السؤال لم يعد: هل ستتعافى الليرة؟ بل: كم عملة يجب أن تُدفن قبل أن يُدفن هذا النموذج؟ \
بعد أن تمكَّن الذهب من تحقيق أداءٍ استثنائيٍّ في عام 2025، متفوّقًا على معظم فئات الأصول الرئيسيّة، ومسجِّلًا مكاسب تاريخيّة تجاوزت 70%، تتّجه أنظار المستثمرين والمحلّلين الاقتصاديين بقلقٍ وترقّب نحو عام 2026.السؤال المحوري الذي يطرح نفسه بقوّة هو: هل كان هذا الصعود مجرّد موجةٍ مضاربيّةٍ عابرة، أم أنّه يعكس تحوّلًا هيكليًّا عميقًا في المشهد الاقتصادي العالمي قد يمهّد لمزيدٍ من الارتفاعات؟ الأساس المتين للقفزة التاريخيّة لم يكن الارتفاع الصاروخي للذهب في 2025 وليدَ الصدفة، بل نتاج تقاطع مجموعةٍ من العوامل القويّة التي عزّزت مكانته كمخزنٍ رئيسٍ للقيمة وملاذٍ آمن. ويمكن تلخيص هذه المحرّكات في أربعة محاور رئيسيّة: التحوّل في السياسة النقديّة: بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دورةَ تيسيرٍ نقديّ، مع خفض أسعار الفائدة وحقن سيولةٍ ضخمةٍ في الأسواق، ما أدّى إلى إضعاف جاذبيّة الدولار الأمريكي والأصول المرتبطة به. تصاعد المخاطر الجيوسياسيّة: أدّت التوتّرات المستمرّة، من الحرب في أوكرانيا إلى الصراعات في الشرق الأوسط، إلى زيادة حالة عدم اليقين، ما دفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة. الطلب السيادي غير المسبوق: كثّفت البنوك المركزيّة حول العالم، بقيادة الصين، مشترياتها من الذهب بوتيرةٍ تاريخيّة، في إطار استراتيجيّةٍ طويلة الأجل لتنويع احتياطاتها وتقليل الاعتماد على الدولار. الضغوط الماليّة الأمريكيّة: أثار العجز المالي المتزايد وارتفاع سقف الدَّين في الولايات المتحدة مخاوف بشأن استدامة الماليّة العامّة، ما أضعف الثقة في العملة الأمريكيّة ودعم الذهب. على الرغم من الإجماع على النظرة الإيجابيّة، من الضروري التمييز بين دور الذهب كأداة ادّخارٍ طويلة الأجل وبين كونه أداةً استثماريّةً للمضاربة استمرار الزخم الصاعد تتّفق معظم المؤسّسات الماليّة الكبرى على أنّ العوامل التي دعمت الذهب في 2025 مرشّحة للاستمرار، إن لم تكن للتصاعد، في 2026. وتشير التوقّعات السعريّة إلى مسارٍ صاعدٍ واضح، وإن تباينت في تحديد سقفه. يتوقّع بنك “جي بي مورغان” أن تتّجه أسعار الذهب نحو 5,000 دولار للأونصة بحلول الربع الرابع من عام 2026، مع إمكانيّة الوصول إلى 6,000 دولار على المدى الطويل. بينما يرى “بنك أوف أمريكا” مسارًا محتمَلًا نحو 5,000 دولار، ويضع “غولدمان ساكس” هدفًا عند 4,900 دولار بنهاية العام. هذا التفاؤل يستند إلى استمراريّة المحرّكات الأساسيّة؛ إذ يُتوقَّع أن يواصل الاحتياطي الفيدرالي سياسة خفض الفائدة، وأن تستمرّ البنوك المركزيّة في مراكمة الذهب كقرارٍ استراتيجيّ، وأن تظلّ التوتّرات الجيوسياسيّة عاملًا ضاغطًا على الأسواق العالميّة. اختراق تاريخي من منظور التحليل الفنّي، لا يقلّ المشهد إشراقًا. يؤكّد المحلّلون أنّ الذهب قد دخل “دورة فائقة” (Super-Cycle) جديدة بعد اختراقه نمطًا فنّيًا طويل الأمد يعود إلى ثمانينيّات القرن الماضي. إنّ كسر حاجز المقاومة النفسي والفنّي عند 2,075 دولارًا للأونصة لم يكن مجرّد ارتفاعٍ سعريّ، بل إشارةً قويّةً على دخول مرحلة تسارعٍ جديدة. وتشير النماذج الفنيّة إلى أنّ الهدف متوسّط الأجل لهذا الاختراق يقع في نطاقٍ يتراوح بين 5,000 و6,000 دولار للأونصة. وعلى المدى الطويل، يرى بعض المحلّلين أنّ الدورة الحاليّة، التي بدأت من قاع عام 2015، قد تدفع بالأسعار نحو مستويات 9,000 إلى 10,000 دولار، قياسًا على الدورات الصاعدة الكبرى السابقة. الموازنة بين التحوّط والمضاربة على الرغم من الإجماع على النظرة الإيجابيّة، من الضروري التمييز بين دور الذهب كأداة ادّخارٍ طويلة الأجل وبين كونه أداةً استثماريّةً للمضاربة. يبقى الذهب في عام 2026 “صفقةً دفاعيّةً رابحة” لإدارة المخاطر وحفظ الثروة في مواجهة التضخّم وتقلبات العملات. أبرز الفرص: التحوّط من التضخّم: مع استمرار طباعة النقود وتآكل القوّة الشرائيّة، يوفّر الذهب حمايةً فعّالة. التنويع: يعمل الذهب كعامل استقرارٍ في المحافظ الاستثماريّة، خاصّةً في ظلّ توقّعات بحدوث تقلّباتٍ في أسواق الأسهم. الطلب الهيكلي: يوفّر الطلب المستمر من البنوك المركزيّة أرضيّةً صلبة للأسعار. أبرز المخاطر: التصحيحات العنيفة: قد تشهد الأسعار تصحيحاتٍ حادّة بعد الارتفاعات السريعة، ما يشكّل خطرًا على المستثمرين قصيري الأجل. فقاعة الذكاء الاصطناعي: قد يؤدّي أيّ ارتباكٍ أو تصحيحٍ كبير في أسواق التكنولوجيا إلى عمليّات بيعٍ واسعة النطاق تؤثّر مؤقّتًا على جميع الأصول. ارتفاع تكلفة التحوّط: قد تجعل الأسعار المرتفعة الذهب أداةَ تحوّطٍ باهظةَ التكلفة، ما قد يدفع بعض المستثمرين للبحث عن بدائل، مثل الفضّة. في المحصّلة، يبدو أنّ الذهب يدخل عام 2026 مدعومًا بأساسيّاتٍ قويّة وزخمٍ فنّي لا يمكن تجاهله. إنّ التحوّل في سلوك البنوك المركزيّة، والضغوط الماليّة العالميّة، واستمرار حالة عدم اليقين، كلّها عوامل ترسم مسارًا إيجابيًّا للمعدن النفيس. ومع ذلك، يجب على المستثمرين التعامل مع الذهب كاستثمارٍ استراتيجيٍّ طويل الأجل يهدف إلى الحماية والتنويع، لا كوسيلةٍ للمراهنة على مكاسب سريعة ومضمونة. إنّ رحلة الذهب في 2026 قد تكون أقلّ صخبًا من 2025، لكنّها على الأرجح ستواصل مسارها الصاعد بثبات.
كانت يومًا رمزًا للحداثةِ والازدهارِ الاقتصادي، ومقصدًا للعائلاتِ الباحثةِ عن الترفيهِ والتسوّق. أمّا اليوم، تقِفُ المراكزُ التجاريّةُ الكبرى في مدينةِ صيدا، عاصمةِ الجنوبِ اللبناني، شواهدَ صامتةً على انهيارٍ اقتصاديٍّ غيرِ مسبوق، حوَّل أضواءَها البراقةَ إلى ظلالٍ باهتة، وممرّاتِها المزدحمةَ إلى مساحاتٍ تسكنُها الوحشة. لم تعُد هذه الصروحُ التجاريّةُ “إهراءاتِ روما” الحديثة، بل أصبحت أطلالًا لنموذجٍ استهلاكيٍّ لم يَعُد له مكانٌ في بلدٍ يُكافحُ لتأمينِ أبسطِ مقوّماتِ الحياة.لا يمكن فهمُ ما يحدثُ في صيدا بمعزلٍ عن السياق الوطني. فمنذ أواخر عام 2019، يمرّ لبنان بإحدى أسوأ الأزماتِ الاقتصاديّةِ والماليّةِ في التاريخِ الحديث، والتي صنّفها البنكُ الدوليّ ضمن أشدِّ ثلاثِ أزماتٍ عالميّةٍ منذ منتصف القرن التاسع عشر. انهيارٌ ومؤشّراتٌ سلبيّة هذا الانهيارُ الماليُّ الشاملُ كان له تأثيرٌ مباشرٌ وكارثيٌّ على قطاعِ التجزئة، الذي يعتمدُ بشكلٍ أساسيٍّ على الاستيراد. وجدت المراكزُ التجاريّةُ الكبرى نفسَها في قلبِ العاصفة، حيث تواجهُ معادلةً صعبة: تكاليفُ استيرادٍ باهظة، فمع تسعيرِ جميع السلعِ المستوردةِ بالدولارِ الأميركي، أصبحت تكلفةُ ملءِ الرفوفِ بالبضائعِ الجديدةِ فلكيّة، ما انعكس على أسعارِ البيعِ للمستهلك. تراجعُ القدرةِ الشرائيّة، إذ تَبَخَّرَت رواتبُ الموظّفينَ بالليرةِ اللبنانيّة، وتحوّلت السلعُ التي كانت تُعتبَر أساسيّة إلى كماليّاتٍ بعيدةِ المنال. لم يَعُد المواطنُ قادرًا على تحمّلِ تكاليفِ التسوّقِ في المراكزِ التجاريّة التي كانت تستهدفُ الطبقتين الوسطى والعليا. تكاليفُ تشغيلٍ عالية، بعدما تفاقمت الأزمةُ مع انقطاعٍ شبهِ تامٍّ للتيار الكهربائيّ الرسمي، ما أجبر المتاجرَ على الاعتمادِ على المولّداتِ الخاصّة العاملةِ بالديزل، والتي ارتفعت أسعارُها بشكلٍ جنوني، لتُضيف عبئًا ماليًّا هائلًا على كاهلِ التجار. نتيجةً لهذه العواملِ مجتمعة، شهد لبنان موجةَ إغلاقاتٍ واسعة. فبحلول عام 2022، أفادت تقاريرُ بإغلاق ما يقارب 35% من المتاجرِ في البلاد، كما انسحبت العديدُ من العلاماتِ التجاريّةِ العالميّة الكبرى، مُعلِنةً نهايةَ حقبةٍ من الاستهلاكِ المُترف. مدينةٌ تُكافحُ للبقاء في صيدا، لم تكن الصورةُ مختلفةً، بل ربما أكثر قتامة. فقد وصفت تقاريرٌ الوضعَ الاقتصاديَّ في المدينة بأنه “مشلولٌ وشبهُ معدوم”، حيث يعاني التجّارُ من انعدامِ الحركةِ التجاريّةِ والقدرةِ على تأمينِ البضائع. المراكزُ التجاريّةُ التي كانت تعُجُّ بالحياة، مثل Le Mall وThe Spot Saida، باتت تُكافحُ من أجل البقاء. صرّح أحدُ أصحابِ المراكزِ التجاريّة الكبرى، الذي اضطرّ لإغلاق خمسةٍ من فروعه الممتدةِ من الشمال إلى صيدا، بأن “الاستمرارَ بالعمل أصبح صعبًا لأن الخسائرَ تتزايد، ومدّخراتِ التجارِ تَبَدَّدت خلال العامِ ونصفِ العام الماضيين”. المفارقةُ تكمن في أنّ السوقَ التجاريَّ التقليديَّ القديمَ في صيدا، على الرغم من معاناتِه الشديدة، أظهر قدرةً أكبر على الصمودِ مقارنةً بالمراكزِ الحديثة. ويعود ذلك إلى مرونته وقدرتِه على التكيّفِ مع الواقع الجديد، حيث يعتمدُ على البيعِ بالدَّيْن، وتلبيةِ احتياجاتِ الطبقاتِ الشعبيّة التي لا تزال تبحثُ عن السلعِ الأساسيّة، بعيدًا عن رفاهيّة الماركات العالمية. ما بعد إطفاءِ الأضواء ليس تراجعُ المراكزِ التجاريّةِ ظاهرةً اقتصاديّةً فحسب، بل له تداعياتٌ اجتماعيةٌ عميقةٌ على مدينةِ صيدا، تتمثّل في: البطالة والهجرة: إذ كان هذا القطاعُ يُوظّف مئاتِ الشباب. ومع الإغلاقاتِ وتسريحِ الموظّفين، ارتفعت معدّلاتُ البطالة بشكلٍ حادّ، وتشير الإحصاءاتُ الوطنيّةُ إلى أن بطالةَ الشباب تجاوزت 47%، ما يدفع بجيلٍ كاملٍ إلى اليأس أو الهجرة، فيما يُعرَف بـ”نزيفِ الأدمغة”. تراجع إيرادات البلدية: شكّلت المراكزُ التجاريّة مصدرًا مهمًّا للرسومِ والضرائبِ البلديّة. ومع تراجع نشاطها، فقدت بلديةُ صيدا جزءًا من إيراداتِها، ما يحدّ من قدرتها على تقديم الخدماتِ الأساسيّة وصيانة البنية التحتية. تدهور الأمن الاجتماعي: ترافق الانهيارُ الاقتصادي مع تزايدٍ في معدّلات الجريمةِ والسرقاتِ في المدينة نتيجة الفقرِ واليأس، ما يهدد النسيجَ الاجتماعي ويُعمّق شعورَ السكانِ بانعدامِ الأمان. على مفترقِ طرق يقف قطاعُ المراكزِ التجاريّةِ في صيدا، ومعه المدينةُ بأكملها، على مفترقِ طرق. فضعفُ أدائه ليس مجردَ إحصائيّةٍ في تقريرٍ اقتصادي، بل هو قصةٌ إنسانيّةٌ عن أحلامٍ تبخّرت، ووظائفَ ضاعت، ومستقبلٍ بات غامضًا. إن استمرار هذا النزيف، دون حلولٍ جذريّةٍ للأزمةِ السياسيّة والاقتصاديّة الوطنيّة، يعني أنّ المزيدَ من الأضواء سيُطفأ، والمزيدَ من الأبواب سيُغلَق. إن إعادةَ إحياءِ الدور التجاري لصيدا يتطلّب أكثر من حلولٍ ترقيعيّة؛ إنه يتطلّب إعادةَ بناءِ الثقةِ بالاقتصاد، واستقرارَ سعر الصرف، ووضعَ خطةِ إنقاذٍ وطنيّةٍ شاملة. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى المراكزُ التجاريةُ الكبرى في صيدا رمزًا لاقتصادٍ مُنهك، وصروحًا بُنيت للاستهلاك في زمنٍ لم يَعُد فيه المواطنُ يملك هذا الترف.