على ضفاف نهر التايمز في جنوب لندن، يقف مبنى زجاجي ضخم، أشبه بحصن عصري أكثر منه مقراً حكومياً. يمر آلاف البريطانيين يومياً أمامه دون أن يدركوا أن خلف جدرانه تُدار واحدة من أكثر المؤسسات نفوذاً وإثارة للجدل في العالم: جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني MI6. هناك، في قلب مجمع فوكسهول كروس، لا تُصنع القوانين ولا تُجرى الانتخابات، لكن كثيراً من القرارات التي غيّرت مسار دول وشعوب مرّت يوماً عبر مكاتب هذا الجهاز أو تقاطعت مع مصالحه. إنه الجهاز الذي ظلّ لعقود طويلة يعمل في الظل، حتى إن الحكومة البريطانية نفسها لم تعترف رسمياً بوجوده إلا عام 1994، رغم أن بصماته كانت حاضرة في أهم ملفات القرن العشرين؛ من سقوط الإمبراطوريات القديمة إلى حروب النفط، ومن الحرب الباردة إلى صراعات الذكاء الاصطناعي. السؤال الذي لا يزال يطارد المؤرخين وصُنّاع القرار هو: هل كان MI6 مجرد جهاز لحماية الأمن القومي البريطاني، أم أنه تحوّل إلى أداة لإدارة النفوذ البريطاني في العالم بعد أفول الإمبراطورية؟ القوة وحدها لا تكفي في عام 1909، كانت بريطانيا لا تزال القوة العظمى الأولى في العالم. لكن خلف مشهد الأساطيل البحرية والمستعمرات الممتدة، كانت هناك مخاوف متزايدة من صعود ألمانيا واحتدام سباق النفوذ الأوروبي. في ذلك العام، تأسس “مكتب الخدمة السرية”، النواة التي ستتحوّل لاحقاً إلى MI6. لم يكن الهدف جمع المعلومات فحسب، بل بناء قدرة استراتيجية تسمح لبريطانيا بمعرفة ما يجري قبل وقوعه. أول رئيس للجهاز، الكابتن سير مانسفيلد سميث كومينغ، لم يكن ضابطاً تقليدياً. كان يوقّع رسائله بحرف واحد فقط: “C”. وبعد أكثر من قرن، ما زال رؤساء الجهاز يحتفظون بهذا التقليد، في إشارة إلى استمرارية المؤسسة التي نجت من حربين عالميتين وانهيار إمبراطوريات كاملة. منذ البداية، فهم البريطانيون حقيقة بسيطة: الجيوش تكسب المعارك، لكن المعلومات تكسب الحروب. skip render: ucaddon_material_block_quote الجاسوس الذي رسم الشرق الأوسط يصعب الحديث عن الاستخبارات البريطانية دون التوقف عند شخصية توماس إدوارد لورنس، المعروف عالمياً باسم “لورنس العرب”. الرجل الذي تحوّل إلى أسطورة في الثقافة الغربية لم يكن مجرد مستكشف أو ضابط ارتباط عسكري، بل كان جزءاً من شبكة استخباراتية أوسع هدفت إلى استثمار التناقضات داخل الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. بين وعود الاستقلال العربي والتفاهمات السرية الأوروبية، تشكّلت واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ المنطقة. وبينما كانت الجيوش تتحرك على الأرض، كانت التقارير الاستخباراتية ترسم حدود النفوذ وخطوط المصالح وخرائط المستقبل. بعد قرن كامل، لا تزال تداعيات تلك المرحلة حاضرة في نزاعات وحدود وهويات سياسية لم تُحسم حتى اليوم. عملية “أجاكس” إذا كان هناك ملف واحد يختصر الجدل حول دور MI6 في الشرق الأوسط، فهو بلا شك إيران عام 1953. حين قرر رئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق تأميم صناعة النفط، دخلت لندن في مواجهة مباشرة مع مشروع سياسي رأت فيه تهديداً لمصالحها الاستراتيجية. بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، شاركت بريطانيا في عملية سرية انتهت بإسقاط حكومة مصدق وإعادة تعزيز سلطة الشاه. بالنسبة إلى أنصار العملية، كانت خطوة ضرورية لمنع التمدد السوفيتي وحماية الاستقرار. أما بالنسبة إلى منتقديها، فقد مثّلت نموذجاً كلاسيكياً لتدخل القوى الكبرى في إرادة الشعوب. لكن المؤكد أن آثار تلك العملية لم تنتهِ عام 1953، بل امتدت لعقود، وأسهمت في تشكيل جزء مهم من التوتر المستمر بين إيران والغرب. من لورنس العرب إلى الذكاء الاصطناعي… كيف بقي MI6 في قلب العالم؟ فضيحة هزّت عرش الجواسيس رغم الصورة الأسطورية للجهاز، لم يكن MI6 بمنأى عن الاختراقات. خلال الحرب الباردة، اكتشفت بريطانيا أن عدداً من أبرز مسؤوليها الاستخباراتيين كانوا يعملون سراً لصالح الاتحاد السوفيتي، فيما عُرف باسم “خماسية كامبريدج”. كان الأخطر بينهم كيم فيلبي، الرجل الذي وصل إلى مستويات عليا داخل المؤسسة الأمنية البريطانية، بينما كان ينقل أسرارها إلى موسكو. الصدمة لم تكن في حجم المعلومات المسرّبة فقط، بل في حقيقة أن الخصم كان يجلس داخل غرفة العمليات نفسها. أجبرت تلك الفضيحة لندن على إعادة بناء منظومتها الاستخباراتية بالكامل، وأصبحت مثالاً كلاسيكياً على أن الخطر الأكبر قد يأتي من الداخل لا من الخارج. الحرب الباردة وحرب البيانات مع نهاية القرن العشرين، تغيّرت طبيعة التهديدات. لم تعد المنافسة تدور فقط حول الجيوش أو الأسلحة النووية، بل حول المعلومات والشبكات الرقمية والذكاء الاصطناعي. هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ثم حرب العراق، وضعت أجهزة الاستخبارات الغربية تحت ضغط غير مسبوق. في بريطانيا، تعرّض MI6 لانتقادات حادة بسبب تقييمات استخباراتية مرتبطة بملف أسلحة الدمار الشامل العراقية. ومنذ ذلك الحين، أصبح الجهاز يعمل في بيئة أكثر تعقيداً، حيث تخضع عملياته لتدقيق سياسي وإعلامي وقضائي أكبر من أي وقت مضى. لكن في المقابل، توسعت قدراته التقنية بشكل هائل، ليتحوّل من جهاز يعتمد على العملاء السريين فقط إلى مؤسسة تدمج بين العنصر البشري والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة. من النفط إلى الخوارزميات إذا كانت معارك القرن العشرين تدور حول النفط، فإن معارك القرن الحادي والعشرين تدور حول البيانات. اليوم، تركز أجهزة الاستخبارات الكبرى على المعادن النادرة، والبنية التحتية الرقمية، والاتصالات العالمية، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. في هذا العالم الجديد، لم يعد الجاسوس النموذجي رجلاً يحمل مسدساً أو جواز سفر مزوراً. قد يكون عالم رياضيات يجلس أمام شاشة حاسوب. وقد تكون المعركة الحاسمة خوارزمية قادرة على اختراق شبكة كهرباء أو تعطيل منظومة اتصالات لدولة بأكملها. ولهذا السبب، تستثمر بريطانيا بشكل متزايد في استقطاب المبرمجين والعلماء وخبراء الأمن السيبراني، إدراكاً منها أن القوة العالمية لم تعد تُقاس بعدد الدبابات فقط، بل بالقدرة على السيطرة على تدفق المعلومات. السؤال الذي لم يُحسم بعد أكثر من مئة عام على تأسيسه، لا يزال MI6 يثير السؤال نفسه: هل هو حارس الديمقراطية البريطانية أم حارس المصالح البريطانية؟ الرواية الرسمية تؤكد أن مهمته حماية أمن المملكة المتحدة ومواطنيها. لكن منتقديه يشيرون إلى تاريخ طويل من العمليات السرية والتدخلات السياسية والتحالفات البراغماتية التي وضعت المصالح فوق الاعتبارات الأخلاقية. ربما تكمن الحقيقة في مكان بين الروايتين. ففي عالم الاستخبارات، لا توجد ملائكة ولا شياطين مطلقة، بل دول تسعى إلى حماية مصالحها بكل الأدوات المتاحة. ومع تصاعد المنافسة بين الغرب والصين وعودة التوتر مع روسيا، يبدو أن دور MI6 لم يتراجع كما توقع كثيرون بعد نهاية الإمبراطورية البريطانية، بل ربما أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. skip render: ucaddon_box_testimonial أرقام تكشف الفضيحة 1.5 مليون طن نفايات متراكمة في المكب القديم 60,000 م² مساحة الجبل المحاذي للشاطئ 60 مترًا ارتفاع الجبل 500 طن يوميًا قدرة المعمل التصميمية، مقابل أكثر من 750 طنًا فعليًا ترده يوميًا 20 ألف متر مربع من المساحات البحرية الملوثة 4 ملايين دولار مجموع المستحقات المتأخرة للمتعهدين في السنوات الأخيرة 0 صفر محاسبة حتى اليوم
في لحظةٍ تاريخيةٍ مضطربة، يقف الشرق الأوسط على حافة معادلةٍ معقّدة: لا أحد في العالم العربي يمكنه القبول بالضربات الإيرانية التي طالت أراضي دولٍ عربية، وفي الوقت ذاته لا أحد يرغب في الانجرار ليكون طرفاً في الحرب التي يدفع إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضدّ إيران بين هذين الحدّين تتشكّل حالة يمكن وصفها بـ”الحيرة السياسية”، مساحة رمادية نجح نتنياهو في دفع المنطقة كلّها إليها، حيث تبدو الخيارات محدودة والخطأ الاستراتيجي مكلفاً. هذا الصراع المتصاعد ليس وليدَ لحظةٍ عسكريةٍ عابرة، بل نتيجة تراكمٍ طويل من الطموحات التوسعية المتقابلة بين إسرائيل وإيران. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن سلسلةً من النجاحات الميدانية المحدودة منحت القيادة الإسرائيلية شعوراً متزايداً بما يمكن تسميته “غرور القوّة”. فحين تتحوّل الإنجازات التكتيكية إلى تصوّرٍ استراتيجي عن الهيمنة، يصبح ميزان القرار السياسي أكثر عرضةً للمغامرة. من “الملاذ الآمن” إلى “القوّة المهيمنة” في بدايات الحركة الصهيونية، التي ارتبطت تاريخياً بمشروع تيودور هرتزل الفكري والسياسي، لم تكن الفكرة الأساسية تقوم على بناء إمبراطورية أو فرض نظامٍ إقليمي شامل. كان المشروع في جوهره أكثر تواضعاً: إقامة ملاذٍ قومي آمن لليهود في أرضٍ يستطيعون فيها إدارة مصيرهم بعد قرونٍ من الاضطهاد. غير أن التحولات السياسية والعقائدية داخل إسرائيل، خصوصاً مع صعود التيارات اليمينية القومية والدينية، أعادت تشكيل هذا المشروع في اتجاهٍ مختلف، اتجاه لا يكتفي بالأمن بل يسعى إلى الهيمنة. لقد شكّل الطابع الانعزالي للمجتمع اليهودي تاريخياً أحد مصادر قوته. فالعزلة الثقافية والدينية وفّرت نوعاً من الحصانة الداخلية التي سمحت ببناء هويةٍ متماسكة وقادرة على الصمود. لكن محاولة الانتقال من عقلية “الملاذ الآمن” إلى عقلية “القوّة المهيمنة” تحمل في طياتها خطراً بنيوياً: فالتوسع غالباً ما يقوّض تلك الحصانة التي كانت أساس النجاح الأولي. في السنوات الأخيرة، بدا أن اليمين الإسرائيلي انتقل سريعاً من عقلية الدفاع المحصّن خلف الجدران وأنظمةٍ مثل القبة الحديدية إلى استراتيجيةٍ هجومية تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات العسكرية في الإقليم. عملياتٌ استخبارية دقيقة، ضرباتٌ جراحية، ومحاولات لتفكيك شبكات النفوذ الإيرانية عبر المنطقة. هذا التحوّل عزّز شعوراً داخل بعض الدوائر الإسرائيلية بأن اللحظة مواتية لفرض نظامٍ إقليمي جديد. دروس من التاريخ لكن التاريخ يحمل تحذيراتٍ واضحة. فالنصوص التاريخية التي تروي تمرّد المكابيين في سفر المكابيين تذكر أن التحوّل من تمرّدٍ دفاعي إلى مشروعٍ توسّعي انتهى بانقساماتٍ داخلية وتدخّلٍ خارجي من الإمبراطورية الرومانية، وهي سلسلة أحداث قادت في النهاية إلى تدمير الهيكل الثاني وبدء مرحلة الشتات اليهودي الطويلة. المفارقة أن بعض السرديات السياسية المعاصرة تستحضر هذه النصوص كمصدر إلهام، فيما يتجاهل كثيرون الدروس التي تحملها. في المقابل، فإن قراءة الصراع مع إيران وفق معايير النصر والهزيمة التقليدية قد تكون قراءةً مضلّلة. فإيران بنت استراتيجيتها على مدى أكثر من أربعة عقود على فكرة الصبر الاستراتيجي وطول النفس. وعلى الرغم من الضربات المؤلمة التي تعرّضت لها، بما في ذلك استهداف شخصياتٍ مركزية في منظومة الحكم، فإن قدرة النظام الإيراني على امتصاص الصدمات والالتفاف حولها كانت دائماً جزءاً من حساباته الأساسية. المفارقة أن إيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، كانت تُعِدّ نفسها لمواجهةٍ شاملة مع الولايات المتحدة، بينما كانت إسرائيل تبني منظومتها الاستخبارية والعسكرية لمواجهة النظام الإيراني نفسه. هذا التباين في تصوّرات العدو خلق مسارين مختلفين للاستعداد، لكنه أيضاً يفسّر عمق الصراع الحالي وتشابك أدواته. واقعية وطموح وسط هذه المعادلة المعقّدة، تجد الدول العربية نفسها جالسة على خيطٍ رفيع. فمن جهة، لا يمكن القبول بالاعتداءات الإيرانية التي مسّت سيادة بعض الدول. ومن جهةٍ أخرى، فإن الانخراط في حربٍ إقليمية واسعة تقودها إسرائيل قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. الحكمة السياسية تقتضي تجنّب الانجرار إلى الصراع، لكن السيادة تفرض في الوقت ذاته إرسال رسالة واضحة بأن أي اعتداء لن يمرّ دون حسابٍ في مرحلة ما بعد الحرب. ولا يقتصر تأثير هذا الصراع على التوازنات العسكرية والسياسية. فاضطراب إمدادات الطاقة العالمية يهدد ركائز الاقتصاد الدولي، خصوصاً في ظل الطفرة التكنولوجية التي تقودها الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو قطاع يعتمد بشكلٍ متزايد على طاقةٍ وفيرة ومنخفضة التكلفة، جزء كبير منها يأتي من الخليج. أي اضطرابٍ طويل في هذه المعادلة قد يضرب أساسات التحوّل الاقتصادي العالمي. هناك أيضاً مفارقة أخرى في بنية النظام الدولي. فبعض الاقتصادات تنمو في بيئة السلام والاستقرار، بينما يعتمد جزء مهم من الاقتصاد الصناعي العسكري في الولايات المتحدة على استمرار التوترات والصراعات. بالنسبة لواشنطن، ليست كل الحروب فشلاً سياسياً بالضرورة؛ أحياناً تتحوّل إلى جزءٍ من نموذجٍ اقتصادي أوسع. أما إسرائيل، فهي تحتاج إلى الأمن والاقتصاد معاً لتوسيع نفوذها. هذا التناقض في المصالح قد يخلق توترات داخل التحالف نفسه إذا طال أمد الحرب. في نهاية المطاف، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك داخل مسرحٍ معقّد تتداخل فيه المصالح الاستراتيجية مع الحسابات العقائدية والاقتصادية. لكن ما يحدث خلف الكواليس غالباً ما يكون أكثر أهميةً مما يظهر على الشاشات. حين تتحوّل النجاحات التكتيكية إلى شعورٍ بالهيمنة، يصبح القرار السياسي أكثر ميلاً إلى المغامرة، وعندها يبدأ التاريخ غالباً بكتابة نهاياتٍ لم يتوقّعها أحد من الملاذ الآمن إلى حلم الهيمنة الحقيقة التي قد تتكشف قريباً هي أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلةٍ انتقالية قد تعيد رسم ملامح النظام الإقليمي وربما أجزاء من النظام الدولي أيضاً. فحين تتقاطع طموحات الإمبراطوريات القديمة مع صعود قوى جديدة وتغيّرات اقتصادية عميقة، فإن النتائج نادراً ما تكون قابلة للتوقّع. ولهذا بالضبط، قد تحمل الأيام القادمة مفاجآتٍ تتجاوز كل السيناريوهات التي يتداولها المحللون اليوم.
في السياسة الأميركية، اعتاد الرؤساء أن يحيطوا أنفسهم بمستشارين سياسيين وعسكريين واقتصاديين، لكن قلّما لعب مستشار ديني دورًا مؤثرًا في محيط الرئيس كما فعلت القسّة الإنجيلية باولا وايت مع دونالد ترامب خلال العقدين الأخيرين تحولت هذه الواعظة التلفزيونية من نجمة في الكنائس الإنجيلية إلى واحدة من أبرز الشخصيات الدينية التي وجدت لنفسها مكانًا فمحيط القرار السياسي في واشنطن.لم تكن العلاقة بين ترامب ووايت مجرد صداقة شخصية أو إرشاد روحي عابر، بل أصبحت جزءًا من تحالف أوسع بين اليمين الإنجيلي المحافظ والحركة السياسية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض. من خلال هذا التحالف، دخل الخطاب الديني بقوة إلى المجال السياسي، خصوصًا في قضايا ترتبط بالهوية الثقافية الأميركية وبالسياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط وإسرائيل. من طفولة مضطربة إلى نجومية دينيةوُلدت باولا ميشيل فَر عام 1966 في ولاية ميسيسيبي الأميركية ونشأت في بيئة اجتماعية صعبة. كان والدها يعمل في قطاع العقارات قبل أن ينتحر وهي في سن الخامسة، وهو الحدث الذي شكّل نقطة تحول عميقة في حياتها المبكرة. بعد ذلك انتقلت العائلة إلى ولاية فلوريدا، حيث عاشت طفولة اتسمت بعدم الاستقرار.في سنوات المراهقة انخرطت وايت في الكنائس الإنجيلية، وهناك بدأت تتشكل شخصيتها الدينية. وفي مطلع التسعينيات شاركت مع زوجها آنذاك راندي وايت في تأسيس كنيسة إنجيلية في فلوريدا عُرفت باسم Without Walls International Church. خلال سنوات قليلة تحولت الكنيسة إلى واحدة من الكنائس الضخمة في الولايات المتحدة، حيث كانت تستقطب آلاف المصلين أسبوعيًا.لكن شهرتها الحقيقية لم تأتِ من الكنيسة وحدها، بل من الإعلام. فقد أصبحت واحدة من أبرز الوجوه في عالم الوعظ التلفزيوني، وهو قطاع إعلامي ديني واسع الانتشار في الولايات المتحدة يقوم على بث الخطب الدينية عبر الفضائيات وجمع التبرعات من المشاهدين.وبفضل خطابها العاطفي وأسلوبها الخطابي الحاد، استطاعت وايت أن تبني قاعدة واسعة من المتابعين داخل التيار الإنجيلي المحافظ. في فهم السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، غالبًا ما يجري التركيز على العوامل التقليدية: المصالح الاستراتيجية، الطاقة، الأمن القومي، أو التحالفات العسكرية. غير أن هذه القراءة تبقى ناقصة إذا تجاهلت عنصرًا آخر بالغ التأثير في السياسة الأميركية المعاصرة، هو الدور المتصاعد للتيار الإنجيلي المحافظ اللقاء الذي غيّر المسارتعود بداية العلاقة بين باولا وايت ودونالد ترامب إلى أوائل الألفية الجديدة.بحسب روايتها، شاهد ترامب أحد برامجها الدينية على التلفزيون عام 2002، وأُعجب بأسلوبها الخطابي، فاتصل بها مباشرة. بعد ذلك بدأت علاقة شخصية بينهما تطورت سريعًا إلى صداقة وثيقة.كانت تلك الفترة مرحلة مختلفة في حياة ترامب؛ فهو رجل أعمال وإعلام، وليس شخصية دينية بالمعنى التقليدي. لذلك لعبت وايت دورًا مهمًا في تعريفه بعالم الكنائس الإنجيلية المحافظة.بدأت الواعظة الدينية بتنظيم جلسات دراسية دينية لترامب في بعض منتجعاته، كما أصبحت ضيفة دائمة على فعالياته الخاصة. ومع مرور الوقت تحولت إلى مستشارة روحية غير رسمية.عندما قرر ترامب الترشح للرئاسة عام 2015، كانت وايت من أوائل الشخصيات الدينية التي أعلنت دعمها له. وقد ساعدت في بناء جسور بين حملته الانتخابية وبين التيار الإنجيلي الذي يشكل واحدة من أكبر الكتل الانتخابية في الحزب الجمهوري. مفتاح الناخبين الإنجيليينيشكل المسيحيون الإنجيليون نحو ربع الناخبين الأميركيين، وهم أحد أكثر المكونات السياسية تنظيمًا وتأثيرًا في الولايات المتحدة. وقد كان دعمهم حاسمًا في وصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016.في تلك الانتخابات لعبت باولا وايت دورًا أساسيًا في تعبئة هذا التيار. فقد ترأست المجلس الاستشاري الإنجيلي لحملة ترامب، وساهمت في حشد مئات القادة الدينيين لدعمه.وكانت رسالتها واضحة: ترامب، رغم خلفيته غير الدينية، يمكن أن يكون أداة إلهية لحماية القيم المسيحية المحافظة.هذا الخطاب وجد صدى واسعًا لدى الناخبين الإنجيليين الذين كانوا يشعرون بأن الثقافة الأميركية تتحول تدريجيًا بعيدًا عن القيم التقليدية.وقد تجلى هذا التحالف بوضوح في حفل تنصيب ترامب عام 2017، عندما أصبحت باولا وايت أول امرأة من رجال الدين تلقي دعاءً في مراسم تنصيب رئيس أميركي. لاهوت الازدهارتُعد باولا وايت من أبرز دعاة ما يعرف باسم لاهوت الازدهار، وهو تيار ديني يرى أن الإيمان بالله يمكن أن يقود إلى النجاح والثراء في الحياة الدنيا.وفق هذا المفهوم، فإن البركة الإلهية لا تتجلى فقط في الخلاص الروحي، بل أيضًا في النجاح المادي. لذلك يشجع هذا الخطاب المؤمنين على التبرع للكنيسة باعتباره نوعًا من الاستثمار الروحي الذي يجلب البركة.يرتكز هذا اللاهوت على ثلاثة عناصر رئيسية:1. الإيمان يولّد النجاح2. العطاء المالي يجلب البركة3. العالم ساحة صراع روحي بين الخير والشرلكن هذا الخطاب أثار انتقادات واسعة داخل الكنائس المسيحية نفسها، إذ يرى كثير من اللاهوتيين أن الربط بين الإيمان والثروة يمثل تشويهًا للرسالة الدينية.مع ذلك، بقي هذا التيار يتمتع بنفوذ كبير داخل بعض الكنائس الإنجيلية، خصوصًا في الجنوب الأميركي. تحالف طويل بين الحركة الإنجيلية والقوى السياسية المحافظة من الكنيسة إلى البيت الأبيضبعد وصول ترامب إلى السلطة، أصبحت باولا وايت جزءًا من الدائرة القريبة من البيت الأبيض. وفي عام 2019 عيّنها ترامب مستشارة في مبادرة الإيمان والفرص، وهي برنامج حكومي يهدف إلى تعزيز التعاون بين الحكومة والمنظمات الدينية.كان الهدف المعلن للمبادرة هو تسهيل عمل المؤسسات الدينية في مجالات الرعاية الاجتماعية والتعليم ومساعدة الفقراء.لكن منتقدي الإدارة رأوا في هذه الخطوة محاولة لتعزيز نفوذ التيار الإنجيلي داخل مؤسسات الدولة. في الوقت نفسه، أصبحت وايت واحدة من أبرز الأصوات الدينية المدافعة عن ترامب في وسائل الإعلام، خصوصًا خلال الأزمات السياسية التي واجهها. الحرب الروحية في السياسةفي خطابها الديني، كثيرًا ما تستخدم باولا وايت مفهوم الحرب الروحية.وهو مفهوم شائع في بعض التيارات الإنجيلية، يرى أن الصراعات السياسية والاجتماعية ليست مجرد تنافس بشري، بل جزء من معركة أوسع بين قوى الخير والشر.خلال الانتخابات الأميركية عام 2020 أثارت وايت جدلاً واسعًا عندما ألقت صلاة علنية تحدثت فيها عن “إرسال ملائكة من أفريقيا وأميركا الجنوبية” لحماية نتائج الانتخابات.بالنسبة لمؤيديها، كان ذلك تعبيرًا رمزيًا عن الإيمان، أما منتقدوها فاعتبروا الأمر مثالًا على تسييس الدين بشكل مبالغ فيه. الإنجيليون والسياسة الخارجية لا يقتصر تأثير التيار الإنجيلي في الولايات المتحدة على السياسة الداخلية.فهذا التيار يلعب أيضًا دورًا مهمًا في تشكيل المواقف الأميركية تجاه الشرق الأوسط، خصوصًا فيما يتعلق بإسرائيل. في الفكر الإنجيلي المحافظ، تحتل إسرائيل مكانة دينية خاصة ترتبط بتفسيرات توراتية لنهاية الزمان. ولذلك يرى كثير من الإنجيليين أن دعم إسرائيل ليس مجرد موقف سياسي، بل واجب ديني. وقد كان هذا العامل حاضرًا بقوة خلال إدارة ترامب. في عام 2017 أعلن ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو قرار مثّل تحولًا كبيرًا في السياسة الأميركية. وعلى الرغم من أن القرار كان له أبعاد سياسية واستراتيجية، فإن دعم القاعدة الإنجيلية لعب دورًا مهمًا في دفع الإدارة نحو اتخاذه. فقد اعتبر كثير من القادة الإنجيليين أن الاعتراف بالقدس يمثل تحقيقًا لنبوءات توراتية. وكانت شخصيات دينية إنجيلية بارزة حاضرة في مراسم افتتاح السفارة