يشكّل شارع عبرا ـ جزين حدًّا فاصلًا بين بلديّتَي حارة صيدا وعبرا، لكن الفارق بين جانبيه لا يبدو جغرافيًّا فقط. فعلى الرغم من أن عرض الشارع لا يتجاوز بضعة أمتار، سُجّلت مفارقة لافتة في قيمة الرسوم البلدية المفروضة على المكلّفين في هذه المنطقة التي يسكنها غالبية من الصيداويين. فبحسب معلومات توافرت لـ«البوست» من مصادر محلية، بلغت قيمة الرسوم البلدية المفروضة على عدد من المحال التجارية الواقعة غرب الشارع، والتابعة لبلدية حارة صيدا، نحو 30 دولارًا أميركيًّا سنويًّا، في حين طالبت بلدية عبرا عددًا كبيرًا من المحال الواقعة شرق الشارع نفسه بدفع رسوم تجاوزت 300 دولار سنويًّا. أي إن بضعة أمتار فقط تفصل بين رسم وآخر يزيد عليه بنحو عشرة أضعاف. مفارقة دفعت عددًا من الأهالي وأصحاب المحال إلى رفع الصوت والمطالبة بتفسير واضح للأسس التي تُحتسب على أساسها هذه الرسوم، وكيف يمكن لمكلّفين يفصل بينهم شارع واحد أن يواجهوا هذا التفاوت الكبير. فهل تختلف معايير الجباية من بلدية إلى أخرى إلى هذا الحد، أم أن هناك أسبابًا ومعايير أخرى لا يعرفها المكلّفون؟ بالنسبة إلى الأهالي، المشهد أشبه بالعيش بين بلدين لا بين بلديتين: بضعة أمتار تفصل بين «جنّة» الرسوم المخفّضة و«نار» الفواتير المضاعفة
في أقلّ من شهر، نجح القيّمون على شؤون بلدية صيدا في تفويت فرص كان يمكن أن تدرّ على خزينة البلدية أكثر من نصف مليون دولار، نتيجة سوء الإدارة، وغياب الرؤية، وضعف القدرة على استثمار الفرص المتاحة لمصلحة المدينة وأهلها. فبحسب مصادر اقتصادية مطّلعة لـ«البوست»، يكفي احتساب فرصتين ضائعتين فقط ليتبيّن حجم الخسارة. الأولى تمثّلت في عدم نجاح المدينة في استضافة فعالية مرتبطة بتنظيم كأس العالم، وهي فرصة خسرتها صيدا، وفق المصادر، بسبب ضعف التنظيم وغياب الخبرة اللازمة، فيما تشير تقديرات عارفين إلى أن العوائد التي كان يمكن تحقيقها تتجاوز 400 ألف دولار, مع العلم بأن الفاعلية لم تنجح إلا بتحقيق أرباح صافية بلغت 80 ألف دولار فقط. أما الفرصة الثانية، فتتمثّل في تلزيم الشاطئ الشعبي للمدينة، إذ تؤكد مصادر متابعة أن جهات عدّة تقدّمت بعروض تجاوزت قيمتها 50 ألف دولار للموسم الواحد، إلا أن الملف تعثّر وضاعت العائدات المتوقعة، في ظل ما تصفه المصادر بالخوف من مواجهة جهات نافذة ومتحكّمة. ولو أُدير الملفّان بقدر أكبر من الكفاءة والحكمة والجرأة، لكانت خزينة بلدية صيدا اليوم قد استفادت من أكثر من نصف مليون دولار، كان يمكن توظيفها في خدمات ومشاريع تعود مباشرة بالنفع على أبناء المدينة. لكن المشكلة لم تعد في غياب المال وحده، بل في غياب الإدارة القادرة على تحويل الفرص إلى موارد. فحين تُهدر الإمكانات الواحدة تلو الأخرى، تصبح كلفة سوء الإدارة أثقل من أي عجز مالي، ويدفع أهل صيدا وحدهم الثمن.
يعيش أهالي بلدة الهلالية، شرق صيدا، منذ فترة تداعيات «ترويكا المصالح» الذي قام بين رئيس بلدية البلدة وعدد من تجّار العقارات، إضافةً إلى بعض أصحاب المولّدات الخاصة العاملين ضمن نطاقها. فبحسب معلومات حصلت عليها «البوست» من مصادر محلية متقاطعة، يقوم بعض المطوّرين العقاريين بدفع مبالغ مالية بصورة علنية للبلدية، تحت عناوين دعم المجلس البلدي والموظفين، وهو ما يعتبره كثيرون مخالفةً قانونيةً واضحة و«رشوةً مقنَّعة». فكيف يمكن لموظف بلدي أن يُسطّر مخالفة بناء بحق تاجر جشع، فيما يتقاضى منه نحو 200 دولار شهريًّا؟ في المقابل، يتحدّث عارفون عن مخالفات كثيرة تُسجَّل بحق هؤلاء التجّار، قبل أن يجري تجاوزها بقرار من الرئيس، قافزًا فوق المجلس وآراء القانونيين وأهل الاختصاص. كذلك الأمر بالنسبة إلى محميّات أصحاب المولّدات، وتقاسم المناطق، والتحكّم برقاب الناس، واحتكار الخدمات. وفي سياق متصل، تؤكّد مصادر مطّلعة أن رئيس البلدية، ميشال أبو زيد، قد جرى استدعاؤه للتحقيق أمام القضاء منذ أيام، على خلفية عدد من قضايا الفساد والمخالفات الجمّة. قد يكون بعض المشتبه بهم من أصحاب المولّدات وتجّار العقارات قد ظنّوا أن «تزبيط» الرئيس كفيل بفتح أبواب المنفعة والتجاوزات، لكن التجارب لطالما بيّنت أن المخالفات، مهما حمتها دولة الفساد العميقة، ستظهر لاحقًا لتؤذي مرتكبيها، ولو بعد حين.