بعيدًا عن أحلام بعض “الواهمين”، عبر بيانات أو صور أو تصريحات، ومع التقدير للجهد المبذول والأمل بغدٍ أفضل، من حيث المبدأ، لا يحق لأي بلدية في لبنان أن تضع تعرفة للمولدات الخاصة تخالف التعرفة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، لأن تسعير الكهرباء والمولدات يدخل ضمن الاختصاص التنظيمي والإداري المركزي للدولة، ولا سيما وزارة الطاقة، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة الداخلية والبلديات. وقد درجت وزارة الطاقة شهريًا على إصدار «التسعيرة العادلة» للمولدات الخاصة وإبلاغها إلى الداخلية والاقتصاد لتنفيذها وضبط المخالفات. غير أن الواقع العملي شهد في بعض الأحيان تدخّل بعض البلديات عبر قرارات تنظيمية محلية تتعلق بكيفية تطبيق التسعيرة، أو مراقبة الالتزام بها، أو تنظيم الاشتراكات ضمن نطاقها البلدي، استنادًا إلى صلاحياتها في الشؤون الصحية والبيئية والمحلية بموجب قانون البلديات اللبناني. لكن هذه الصلاحيات لا تخوّلها مخالفة قرار تنظيمي مركزي نافذ صادر عن الوزارة المختصة. وبالتالي، إذا أصدرت البلدية قرارًا تنظيميًا يهدف إلى فرض الالتزام بتسعيرة الوزارة، أو تنظيم الجباية والعدادات والضجيج وساعات التشغيل، فهذا يدخل ضمن صلاحياتها المحلية. أما إذا حدّدت تعرفة أعلى أو أدنى بصورة تخالف التسعيرة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة، فذلك يكون عرضة للإبطال لتجاوز حدّ السلطة، لأن البلدية لا تملك اختصاصًا أصيلًا بتحديد تعرفة مخالفة للتسعيرة الوطنية الرسمية. لذا، كي لا تكون “المعارك الدونكشوتية” التي تُخاض مجرد “زوبعة في فنجان”، فإن محافظ الجنوب يملك اليد الطولى للتدخل وضبط فوضى التسعيرات حتى تلك الصادرة عن بلدية صيدا نفسها كما سائر البلديات الأخرى.
يقال إن التاريخ يعيد نفسه، لكن في صيدا يبدو أنه لم يغادر أصلاً. فكما أشعل نيرون روما بالنيران في القرن الأول الميلادي، يعيش بيننا اليوم نيرون جديد، يطلّ من بين ركام النفايات على شاطئ المدينة ومنتجع جبل “الزبالة”، يراقب بصمت كيف يتحول المشهد البيئي إلى كارثة يومية، وكيف يُترك المواطنون في مواجهة أزمة تكاد تشبه حريق روما، ولكن برائحة النفايات بدل دخان الحطب. أزمة النفايات في صيدا ليست مجرد خلل إداري أو تقصير بلدي، بل هي صورة مصغّرة عن مأساة أكبر: مأساة مدينة تُحب الحياة وتُحب البحر، لكنها تُحاصر نفسها بأكوام من القمامة التي تهدد صحتها وصورتها الحضارية. وكأن نيرون، الذي عزف على قيثارته بينما كانت روما تحترق، يعزف اليوم على أوتار الإهمال والفساد، تاركًا صيدا تغرق في أزماتها البيئية. لكن صيدا ليست مدينة عابرة، وليست مجرد جغرافيا على الخريطة. هي هوية، هي انتماء، هي ما يمكن أن نسمّيه “القومية الصيداوية”. هذا المفهوم ليس شعارًا سياسيًا، بل هو شعور داخلي يعيشه كل صيداوي أينما ذهب. فالصيداويون يخرجون من مدينتهم للعمل والعيش في بيروت أو الخليج أو أوروبا، لكن صيدا لا تخرج منهم. تبقى في القلب، في الذاكرة، في تفاصيل الحياة اليومية. skip render: ucaddon_material_block_quote القومية الصيداوية هي ذلك الرابط غير المرئي الذي يجمع أبناء المدينة، مهما تفرّقوا في أصقاع الأرض. هي الحب الذي يتجدد في كل زيارة، في كل عودة إلى السوق القديم، في كل صلاة في الجامع العمري الكبير، في مسجد الزعتري، في مسجد الشاكرية، وفي كل نزهة تحت قناطر البلد وعلى الكورنيش البحري. هي شعور بالفخر والاعتزاز، رغم الأزمات، رغم الإهمال، رغم النفايات التي طغت على رائحة زهر الليمون في الوسطاني والبستان الكبير. من يزور صيدا يلمس هذا الحب في عيون أهلها. حب لا ينطفئ، رغم كل شيء. حب يجعلهم يتحدثون عن مدينتهم وكأنها فرد من العائلة، لا مجرد مكان. حب يجعلهم يرفضون الاستسلام، ويبحثون دائمًا عن حلول، عن مبادرات، عن مشاريع تعيد لصيدا صورتها المشرقة. هذه الهوية هي ما يميز الصيداويين عن غيرهم. هي ما يجعلهم يخرجون من صيدا للعمل والعيش، لكنهم يعودون إليها في كل مناسبة، في كل عطلة، في كل فرصة. هي ما يجعلهم يقولون بفخر: “نحن من صيدا”، وكأنها وسام شرف على صدورهم. أيها الإخوة “الصيادنة”، أدعو نفسي وإياكم: لن ننتصر على نيرون إلا إذا بدأنا من داخلنا. نيرون لم يولد في القصور وحدها، بل وُلد أيضًا في ثقافة الاستهتار التي تجعلنا نرمي النفايات في الشوارع والبحر بلا وعي ولا مسؤولية. صيدا التي لا تخرج منا، تستحق أن نُخرج منها ثقافة الاهمال إن حبنا لصيدا لا يُقاس بالكلمات وحدها، بل بالفعل اليومي البسيط: أن نحمل نفاياتنا إلى أماكنها الصحيحة، أن نرفض أن تتحول مدينتنا إلى مكبّ، أن نعلّم أبناءنا أن النظافة ليست عادة، بل إيمان. فلنقتل نيرون الذي وُلد فينا، ولنخرج من هذه الثقافة التي تحاصرنا، ولنثبت لصيدا أننا نستحق أن نكون منها ولها. فصيدا التي لا تخرج منا تستحق أن نحميها، وأن نعيد إليها صورتها المشرقة: مدينة البحر والكرامة، مدينة الحب والانتماء، صيدا الوفية، صيدا الأبية.
منذ أن وُضعت “اللبنة الأولى” لمعمل فرز ومعالجة النفايات جنوب صيدا منذ سنين، والمدينة وأهلها لا يملكون رأيًا موحّدًا أو رؤية واضحة حيال ما يُفترض أن يكون صرحًا اقتصاديًا وبيئيًا وتنمويًا لمعالجة واحدة من أكثر المواضيع حساسية والتصاقًا بحياة الناس وصحتهم وبيئتهم، كما بأموالهم. يضيع السائل، كما المواطن العادي، في كثرة ما قيل ويقال عن المعمل، في التشعّبات والتقنيات والادعاءات والشائعات والهوبرات… اليوم لا يملك أكثر الصيداويين جوابًا على سؤال بسيط: هل هذا المعمل بالفعل نعمة أم نقمة؟ هل تعيش المدينة بجوار معمل الموت، أم أن الموت سيطرق أبوابها ويفترش شوارعها إن أُقفل المعمل؟كلام كثير يطالعك من كل الاتجاهات: صندوق أسود، مخالفات للعقود، مستثمرون وهميون، واجهات، منتفعون، الرمي في البحر، تلاعب بالأوزان، محميات، محسوبيات، إخبارات، حملات، شعبوية، مخصصات شهرية، وصولًا إلى الشراكات مع “النكيشة”..منذ سنين والأسطوانة عينها تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، دون أن يصل الصيداوي إلى حقيقة مؤكدة: ما الذي يجري بحق عند المدخل الجنوبي لمدينته؟ هل يحتاج الأمر إلى كثير جهد وعبقرية لفضح التجاوزات إن حصلت، أم لدحض الشبهات والإشاعات؟ يحق لصيدا أن ترفع رأسها من جحر النعامة، فبالمواجهة والشفافية تسطع شمس الحقيقة.مهما تكن مواقفك تجاه معمل النفايات وطرق عمله، لا يمكن إلا التوقف عند محطة بارزة حصلت منذ أيام. فبشطبة قلم من قبل محمود مكية، أمين عام مجلس الوزراء، انهارت الكثير من السرديات والحملات والكلام المكرر، والاستثمار في الشعبوية، لتكرّس حكومة نواف سلام شهادة إيجابية بحق عمل هذا المعمل وطرق معالجته، على عكس ما كان يتصور الكثيرون.سيقال الكثير مما سيلي، وستثار العديد من التساؤلات حول التوقيت والمضمون، وسيتطاير الكلام هباءً منثورًا، لكن العلاج الجذري الذي تؤمن به “البوست”، كصحيفة مواجهة، يحتم وضع النقاط على الحروف في لحظة حقيقة، وإن كانت صعبة على البعض. skip render: ucaddon_material_block_quote في أفضل أيامه من أغرب ما شهدته مسيرة معمل النفايات في صيدا، منذ انطلاقته إلى اليوم، أن هذه الفترة قد تكون المرة الأولى التي تكتمل فيها دورته التشغيلية لناحية إنتاج الطاقة والـRDF والـCOMPOST، ما جعله اليوم في أفضل أيامه. ففي وقت قطعت فيه خطة التحديث والتطوير أشواطًا بإشراف ومراقبة ميدانية من بلدية صيدا ووزارة البيئة وشركة Fermendom، ويوم اكتملت عناصر انطلاق ورشة معالجة التراكمات في باحة المعمل وخارجه، ضرب التحسس أصحاب السرديات الرافضة أساسًا لفكرة وجود المعمل، مع تصعيد وتيرة حملة بلغت مستويات غير مسبوقة في الإنكار للوقائع والحقائق والتهويل. وبعد حصار المعمل بعدد من الإخبارات القضائية، والتواصل مع الوزارات المعنية لتعطيل مسار معاملات دفع الاستحقاقات المالية، يُلاحظ أن الحملة التي تُشن ضده تتركز على العناوين التالية: الطعن بالأساس القانوني لوجود المعمل، هدر المال العام، استيفاء المعمل أموالًا عن أعمال لا ينفذها تماشيًا مع شعار “المعمل لا يعمل”، القول بهدر حقوق مدينة صيدا من خلال تكريس “رواية” تنازل البلدية عن معالجة 200 طن مجانًا، تحميل المعمل المسؤولية الكاملة عن التراكمات “جبلًا جديدًا”، ربطًا بمشهدية جبل النفايات التاريخي الذي أُغلقت أبوابه بالتزامن مع انطلاق عمل المعمل، شراء ذمم ومحسوبيات وتبادل منافع وحملات إعلامية جاهلة ومسعورة… وتتنوع الاستهدافات لتتناول وجود شراكات من الباطن، وفسادًا في الإدارة، وتقاطع مصالح مع سياسيين ورؤساء بلديات، وكل من اعتبر أن “المعمل الفرصة الوحيدة المتوفرة لصيدا لمنع تراكم النفايات بين المنازل وفي الأحياء والشوارع”، وكل من دعم الفكرة التي أرساها محمد السعودي باعتبار أن المعمل واقع موجود، وهو غير معني بما سبق رئاسته للبلدية، ولا خيار أمامه سوى إيجاد صيغة من التعاون والمتابعة والمراقبة، معتبرًا أن المصلحة الأكيدة لصيدا هي في نجاح المعمل لا في إفشاله، بعيدًا عن طروحات الشيطنة والتوظيف السياسي. سقطت الكثير من السرديات بشطبة قلم شطبة قلم بقرار مبرم، أطاحت حكومة نواف سلام بكل الكلام والحملات التي قيلت بحق المعمل وأدائه. فمع قرار مجلس الوزراء القاضي بدفع كامل مستحقات شركة IBC المشغلة للمعمل، والذي جاء بعد تأخر سنة وأربعة أشهر، أكدت الحكومة أن المعمل غير مخالف للقوانين. كل ما قيل من حملات تشكيك واتهام بالفساد والهدر والتفريط، وُضع تحت مجهر التحقيقات والتدقيقات للكشوفات الميدانية والمحاسبية، تقنيًا وماليًا، حيث أجريت، بحسب مصادر مطلعة، تحقيقات مستقلة عن بعضها البعض، وذات أبعاد قضائية ومراقبة إدارية من وزارتي المالية والبيئة، ومتابعة حثيثة من وزارة الداخلية عبر محافظ الجنوب. والنتيجة كانت أن مسار عمل المعمل في السليم، ولم يتبيّن للأجهزة الرقابية في الحكومة ما يثبت أيًا من الاتهامات أو الارتكابات في السنوات العجاف. تبيّن أن حقبات محمد السعودي، وحازم بديع، وحتى أشهر مصطفى حجازي، التي لم تُطفئ عامها الأول بعد، كانت متابعاتها بإحاطة قانونية ملائمة وجدية وحرص على استمرار الخدمة العامة، وصولًا إلى حديث البعض عن تعميم نموذج معمل IBC على باقي المناطق اللبنانية. skip render: ucaddon_box_testimonial