في لحظةٍ يتقدّم فيها الذكاء الاصطناعي من كونه مجرّد أداةٍ تقنيّة إلى كونه ركيزةً من ركائز القوّة، أعادت شركة Palantir Technologies فتح ملفٍّ لم يُغلَق أصلًا: مَن يملك القرار الأخلاقي عندما تتحوّل الخوارزميّات إلى أدوات حرب، الدولة أم الشركات أم السوق؟ البيان الذي نشرته الشركة في اثنتين وعشرين نقطة، مقتبسة من كتاب The Technological Republic، لم يكن مجرّد تذكير بكتابٍ صدر العام الماضي، بل بدا كأنّه إعلان موقفٍ حادّ، أقرب إلى بيانٍ عقائديّ منه إلى ملخّصٍ فكريّ. وأكثر من واحدٍ وعشرين مليون مشاهدة تعني أنّ الأمر لم يعُد نقاشًا بين خبراء، بل أصبح مادّةَ جدلٍ عام، تتقاطع فيها التكنولوجيا مع السياسة والأمن والهوية. نهاية العصر النووي الرئيس التنفيذي Alex Karp لا يتحدّث بلغةٍ حياديّة، بل يذهب مباشرةً إلى صلب المسألة حين يقول في البيان: “السؤال ليس ما إذا كانت أسلحة الذكاء الاصطناعي ستُبنى، بل مَن سيبنيها ولأيّ غرض”. عبارةٌ تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طيّاتها انقلابًا كاملًا في طريقة التفكير: لم يعُد النقاش أخلاقيًّا حول “هل ينبغي”، بل أصبح عمليًّا حول “مَن يسبق”. ويمضي البيان أبعد من ذلك، ليؤكّد أنّ “خصومنا لن يتوقّفوا عند نقاشاتٍ نظريّة، بل سيواصلون التقدّم”، في تبريرٍ واضح لفكرة السباق المفتوح. هنا يتحوّل الذكاء الاصطناعي من تقنيةٍ إلى منطق ردعٍ جديد، حتى إنّ الشركة تلمّح إلى أنّ “العصر النووي يقترب من نهايته”، ليحلّ محلّه عصرُ ردعٍ قائم على البرمجيات. لكنّ البيان لا يقف عند حدود الأمن، بل يدخل منطقةً أكثر حساسيّة حين ينتقد ما يسمّيه “السطحيّة في التعدديّة”، معتبرًا أنّ الولاء الأعمى لفكرة الشموليّة يتجاهل الفروقات بين الثقافات، بل ويذهب إلى حدّ القول إنّ بعض الثقافات “أبدعت وأنتجت العجائب”، فيما أخرى “أثبتت أنّها ضارّة ومتخلّفة”. هنا، لا يعود الحديث تقنيًّا، بل يصبح خطابًا مشحونًا برؤيةٍ قيميّةٍ خطيرة، خصوصًا عندما يصدر عن شركةٍ تبني أنظمةً تُستخدم في اتّخاذ قراراتٍ أمنيّة. كما يخصّص البيان مساحةً لانتقاد ما يراه “ضعفًا استراتيجيًّا” في التاريخ الحديث، مشيرًا إلى أنّ تجريد ألمانيا من قوّتها بعد الحرب العالميّة الثانية كان “مبالغةً دفعت أوروبا ثمنها”، وأنّ الالتزام السلمي لليابان قد يغيّر ميزان القوى في آسيا. هذه القراءة لا تنظر إلى الماضي بقدر ما تحاول إعادة صياغة الحاضر: القوّة، لا التقييد، هي الضامن للاستقرار. من وادي السيليكون إلى خرائط الحرب، لم تعد البرمجيات تصنع المستقبل فقط، بل تعيد تشكيل موازين القوة في العالم. الخطر لم يعد في الآلة وحدها، بل في العقيدة التي تديرها، وفي الشركات التي تكتب منطقها المهام الكبرى في المقابل، يهاجم كارب، بشكلٍ غير مباشر، شركاتٍ مثل Google وMeta Platforms، متّهمًا إيّاها بالانشغال بتطبيقاتٍ استهلاكيّة، والإعلانات، وتوصيل الطعام، بدل الانخراط في “المهام الكبرى” كالدفاع والأمن. بالنسبة إليه، التقنية ليست للراحة، بل للسيادة. لكنّ هذه الرؤية تفتح بابًا لأسئلةٍ لا يمكن تجاهلها. فالشركة نفسها متّهمة باستخدام تقنياتها في أنظمة مراقبة المهاجرين، والتعاون مع عمليّاتٍ عسكريّةٍ مثيرة للجدل. كما أنّ عددًا من موظّفيها السابقين اتّهموا إدارتها بالتخلّي عن قيمها، بل واعتبروا أنّها تساهم في “تطبيع الاستبداد” تحت غطاء الابتكار. وهنا تكمن المفارقة: الشركة التي تدعو إلى بناء القوّة الصلبة عبر البرمجيات هي نفسها التي تضع الإطار الفكري الذي يبرّر هذه القوّة، ثم تبيع الأدوات التي تنفّذها. وكما أشار Eliot Higgins، فإنّ هذه ليست أفكارًا مجرّدة، بل “أيديولوجيا شركة تعتمد أرباحها على السياسات التي تروّج لها”. هذيانٌ مظلم الأسلوب الذي كُتب به البيان يزيد من حدّة الجدل. فقد وصفه بعض المراقبين بأنّه أقرب إلى “نصٍّ مضطرب” أو حتى “هذيانٍ مظلم”، لا لشيءٍ إلّا لأنّه يخلط بين الفلسفة والتسويق، وبين التحليل والدعاية. فهو، من جهة، يطرح أسئلةً حقيقيّة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، ومن جهةٍ أخرى، يبدو كأنّه يهيّئ الأرضيّة لتوسيع دور الشركة في هذا المستقبل. وربّما هذا هو لبّ القضيّة. لم تعُد الشركات التقنيّة مجرّد منتِجٍ للبرمجيات، بل أصبحت لاعبًا سياسيًّا يكتب روايته الخاصّة للعالم. والانتقال الذي قامت به “بالانتير” من وادي السيليكون إلى دنفر لم يكن جغرافيًّا فقط، بل يعكس تحوّلًا أعمق: من ثقافة الابتكار المفتوح إلى ثقافة الأمن والانضباط. الذكاء الاصطناعي لم يعُد رفاهيةً رقمية، بل مشروعَ قوةٍ وهيمنةٍ وحرب لا يدور النقاش حول كتابٍ أو بيان، بل حول سؤالٍ أكبر: إذا كانت الحروب القادمة ستُدار بالخوارزميات، فمَن يضع قواعد هذه الخوارزميات؟ ومَن يراقبها؟ والأخطر من كلّ ذلك: عندما تتحوّل البرمجيات إلى أدوات ردع، مَن يردع مَن؟
لم تَعُدِ الحروبُ الحديثةُ تُقاسُ بعددِ حاملاتِ الطائراتِ أو حجمِ الترساناتِ العسكريةِ فحسب، بل باتت تُقاسُ بقدرةِ الدولِ على التحكُّمِ بتدفُّقِ البيانات، تمامًا كما تتحكّمُ بالمضائقِ البحرية فإذا كانت مضائقُ مثلُ مضيقِ هرمزَ تُمثّلُ شريانَ الطاقةِ العالمي، فإن كابلاتِ الإنترنتِ البحريةَ تُمثّلُ اليومَ الشريانَ العصبيَّ للاقتصادِ الدولي، حيث تمرُّ عبرها أكثرُ من 95% من الاتصالاتِ الرقميةِ العالمية.في هذا السياق، يتحوّلُ الصراعُ بين القوى الكبرى — وفي مقدّمتها الولايات المتحدةُ والصين — إلى سباقٍ محمومٍ للسيطرةِ على البنيةِ التحتيةِ غيرِ المرئيةِ التي تربطُ العالم. فالكابلاتُ الممتدّةُ في أعماقِ البحارِ لم تَعُدْ مجرّدَ أدواتِ اتصال، بل أصبحت أهدافًا استراتيجية، يمكنُ قطعُها أو التجسّسُ عليها أو إعادةُ توجيهها، بما يوازي في تأثيرِه إغلاقَ مضيقٍ بحريٍّ حيوي. أستراليا… عقدةُ الجغرافيا الرقميةفي قلبِ هذا التحوّل، تبرزُ أستراليا كلاعبٍ محوريٍّ يتجاوزُ حجمَه التقليدي. فموقعُها الجغرافي، بين المحيطين الهندي والهادئ، يجعلُها نقطةَ ارتكازٍ أساسيةً في شبكةِ الكابلاتِ التي تربطُ آسيا بالغرب. ومع تصاعدِ التوتّرِ في بحرِ الصينِ الجنوبي، أصبحت أستراليا بمثابةِ “مضيقٍ رقمي” بديلٍ وآمنٍ تمرُّ عبره البياناتُ بين القارات.دفع هذا الواقعُ الولاياتِ المتحدةَ إلى تعزيزِ شراكتِها مع كانبيرا، ليس فقط ضمن تحالفاتٍ عسكريةٍ مثل AUKUS، بل أيضًا عبر استثماراتٍ ضخمةٍ في البنيةِ التحتيةِ الرقمية، تشملُ الكابلاتِ البحريةَ ومراكزَ البيانات. الهدفُ هنا واضح: بناءُ شبكةِ اتصالاتٍ موثوقةٍ خارجَ نطاقِ النفوذِ الصيني.في المقابل، تسعى الصينُ إلى توسيعِ حضورِها عبر “طريقِ الحريرِ الرقمي”، مستثمرةً في الكابلاتِ ومشاريعِ الاتصالاتِ في آسيا وأفريقيا، في محاولةٍ لتشكيلِ نظامٍ رقميٍّ موازٍ يُقلّلُ من هيمنةِ الغرب. وهنا تتحوّلُ أستراليا إلى ساحةِ تنافسٍ غيرِ مباشر، حيث تتقاطعُ المصالحُ الأمنيةُ مع الاستثماراتِ التكنولوجية.لا تقتصرُ أهميةُ أستراليا على موقعِها الجغرافيِّ بين المحيطين الهندي والهادئ، بل تتجسّدُ أيضًا في كونِها نقطةَ هبوطٍ فعليةً لعددٍ كبيرٍ من الكابلاتِ البحريةِ الدولية. فالهيئةُ الأستراليةُ للإعلامِ والاتصالات ACMA تنشرُ خريطةً رسميةً تُظهرُ الكابلاتِ الدوليةَ التي تهبطُ على السواحلِ الأسترالية، ما يؤكّدُ أن البلادَ ليست مجرّدَ موقعِ عبورٍ نظري، بل عقدةُ اتصالٍ حقيقيةٌ في الشبكةِ العالمية. كما أنشأت أستراليا مناطقِ حمايةٍ قانونيةً لبعضِ مساراتِ الكابلاتِ البحريةِ قربَ سيدني وبيرث للحدِّ من الأنشطةِ التي قد تُعرّضُ هذه البنيةَ التحتيةَ للتلفِ أو التعطيل، وهو ما يعكسُ إدراكًا رسميًّا متزايدًا بأن الكابلاتِ البحريةَ باتت أصلًا سياديًّا وأمنيًّا، لا مجرّدَ بنيةِ اتصالاتٍ مدنية. لم تعد القوة تُقاس فقط بما تملكه الدول من سلاح، بل بما تملكه من قدرة على التحكّم بتدفّق البيانات من الكابلاتِ إلى الخوادملا يتوقّفُ التحوّلُ الأستراليُّ عند الكابلاتِ البحرية، بل يمتدُّ إلى الخوادمِ ومراكزِ البيانات. فأستراليا أصبحت تستضيفُ حضورًا متزايدًا لأكبرِ مزوّدي البنيةِ السحابيةِ في العالم. لدى AWS منطقتان سحابيتان رئيسيتان في أستراليا، في سيدني وملبورن، وتضمُّ منطقةُ ملبورن ثلاثَ مناطقِ توافر Availability Zones. كما توفّر Google Cloud منطقتين في سيدني وملبورن، بينما تُظهرُ مايكروسوفت وجودَ مناطقَ Azure أستراليةٍ تشمل Australia East وAustralia Southeast، إلى جانبِ بنيةٍ متخصّصةٍ مرتبطةٍ بكانبيرا للجهاتِ الحكومية.يعني هذا التمركزُ أن أستراليا لم تَعُدْ فقط ممرًّا لحركةِ البيانات، بل أصبحت أيضًا مكانًا لتخزينِها ومعالجتِها وتشغيلِها، وهو ما يرفعُ من وزنِها في معادلةِ السيادةِ الرقميةِ الإقليمية. بديلٌ موثوقٌ داخلَ التحالفِ الغربيفي ظلِّ تصاعدِ الحساسيةِ الجيوسياسيةِ في بحرِ الصينِ الجنوبي، تزدادُ قيمةُ أستراليا داخلَ المعسكرِ الغربيِّ باعتبارِها مساحةً مستقرةً سياسيًّا، وحليفةً أمنيًّا، وقادرةً على استضافةِ البنيةِ التحتيةِ الرقميةِ الحسّاسة. لذلك فإن دورَها في تحالفاتٍ مثل AUKUS لا ينبغي فهمُه فقط من منظورِ الغواصاتِ أو الردعِ العسكري، بل أيضًا من زاويةِ بناءِ منظوماتِ اتصالٍ ومعالجةِ بياناتٍ أكثرَ أمانًا وموثوقيةً لحلفاءِ الولاياتِ المتحدةِ في منطقةِ الإندو-باسيفيك. ومن هنا، فإن أستراليا تتحوّلُ تدريجيًّا من دولةٍ طرفيةٍ جغرافيًّا إلى مركزِ ارتكازٍ رقميٍّ واستراتيجيٍّ في النظام. أستراليا في عين العاصفة الرقمية: لماذا تحوّلت إلى عقدة استراتيجية في الحرب على البيانات مَن يملكُ الفضاءَ الرقمي؟المفارقةُ أن السيطرةَ على هذه الشرايينِ لا تقتصرُ على الدول، بل تتقاسمُها مع عمالقةِ التكنولوجيا. شركاتٌ مثل Google وAmazon وMicrosoft باتت تملكُ وتديرُ أجزاءً كبيرةً من البنيةِ التحتيةِ للإنترنت، من الكابلاتِ إلى الخوادمِ السحابية.هذا التداخلُ بين القطاعين العامِّ والخاصِّ يطرحُ سؤالًا جوهريًّا: مَن يتحكّمُ فعليًّا بتدفّقِ المعلومات؟ هل هي الدولُ التي تملكُ السيادةَ السياسية، أم الشركاتُ التي تملكُ البنيةَ التقنية؟في حالةِ أستراليا، يظهرُ هذا التداخلُ بوضوح، حيث تعتمدُ البلادُ على استثماراتِ هذه الشركاتِ لتطويرِ بنيتِها الرقمية، وفي الوقتِ ذاته تسعى للحفاظِ على سيادتِها الرقمية، خصوصًا في ظلِّ المخاوفِ من الاختراقاتِ والتجسّس.فإذا كانت الكابلاتُ تُمثّلُ الشرايين، فإن الهجماتِ السيبرانيةَ تُمثّلُ “الجلطات” التي يمكنُ أن تشلَّ هذه الشرايين. فالهجماتُ على البنيةِ التحتيةِ الرقمية — سواءٌ عبر الاختراقِ أو التخريب — أصبحت أداةً رئيسيةً في الصراعاتِ الدولية.وقد شهدت أستراليا خلالَ السنواتِ الأخيرةِ تصاعدًا في الهجماتِ السيبرانية، ما دفعَها إلى تعزيزِ قدراتِها الدفاعية، بالتعاونِ مع حلفائِها. وهنا يتّضحُ أن الحربَ الرقميةَ ليست بديلًا عن الحربِ التقليدية، بل امتدادًا لها، تُخاضُ بالتوازي وعلى القدرِ نفسِه من الأهمية. النظرةُ الأستراليةُ إلى الفضاءِ الرقميِّ لم تَعُدْ تقنيةً فقط، بل أمنيةً بامتياز. فالتقاريرُ الرسميةُ الصادرةُ عن ASD وACSC تؤكّدُ أن التهديداتِ السيبرانيةَ تمسُّ بصورةٍ مباشرةٍ البنيةَ التحتيةَ الحيويةَ في البلاد، وأن الحكومةَ الأستراليةَ باتت توسّعُ برامجَ الحمايةِ لتشملَ أصولًا حيويةً مملوكةً للقطاعِ الخاصِّ أيضًا.أشار تقريرُ التهديداتِ السيبرانيةِ السنوي 2023–2024، ASD، إلى ارتفاعِ الحوادثِ المرتبطةِ بالابتزازِ السيبراني، وأن نحوَ 71% من تلك الحوادثِ ارتبطت ببرامجِ الفدية، كما تعاملتِ الجهةُ نفسُها مع عشراتِ حوادثِ الحرمانِ من الخدمة DoS وDDoS خلالَ العامِ المالي. هذه الأرقامُ تجعلُ الحديثَ عن “الحربِ الرقمية” في السياقِ الأسترالي حديثًا عن تهديدٍ مباشرٍ للبنيةِ الاقتصاديةِ والأمنيةِ الوطنية، وليس مجرّدَ سيناريو نظري. نفطُ القرنِ الحادي والعشرينفي نهايةِ المطاف، تكمنُ أهميةُ هذه الصراعاتِ في طبيعةِ الموردِ ذاتِه: البيانات. فكما كان النفطُ محرّكَ الاقتصادِ الصنااعي، أصبحتِ البياناتُ محرّكَ الاقتصادِ الرقمي. ومن يسيطرُ على تدفّقِها، يملكُ القدرةَ على التأثيرِ في الأسواق، والسياسات، وحتى الرأيِ العام.أستراليا، بحكمِ موقعِها وتحالفاتِها، تجدُ نفسَها في قلبِ هذا التحوّل، مطالبةً بالموازنةِ بين أمنِها القوميِّ ومصالحِها الاقتصادية، وبين انخراطِها في المنظومةِ الغربيةِ ورغبتِها في الحفاظِ على استقلاليةِ قرارِها. من المضائقِ إلى الكابلاتما بين مضيقٍ بحريٍّ وكابلٍ بحريٍّ، يتكرّرُ المشهدُ ذاتُه: صراعٌ على الشرايينِ التي تحرّكُ العالم. وإذا كان الجزءُ الأولُ من هذه السلسلةِ قد تناولَ الجغرافيا الصلبةَ للممرّاتِ البحرية، فإن هذا الجزءَ يكشفُ عن جغرافيا موازية، غيرَ مرئية، لكنها لا تقلُّ أهمية. غيرَ أن هذا الصراعَ لا يتوقّفُ عند حدودِ الكابلاتِ أو حتى البياناتِ نفسِها، بل يتجاوزُها إلى مستوى أكثرَ تعقيدًا: مَن يملكُ القدرةَ على تحليلِ هذه البياناتِ وتوظيفِها. وهنا يدخلُ العالمُ مرحلةً جديدةً عنوانُها السباقُ على الذكاءِ الاصطناعي.فالذكاءُ الاصطناعيُّ لا يعملُ في الفراغ، بل يقومُ أساسًا على ثلاثةِ عناصر: البيانات، والبنيةُ التحتيةُ (الخوادمُ ومراكزُ البيانات)، والقدرةُ الحسابية. أي إن
في عصر الذكاء الاصطناعي والجريمة السيبرانية، لا يزال لبنان يدير شؤونه القانونية والأمنية بعقليّة تنتمي إلى قرنٍ مضى. إعلانُ بريطانيا عن إنشاء جهاز شرطة وطني حديث، يُشبه من حيث الصلاحيات والقدرات نموذجًا متقدّمًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، لا يُقرأ بوصفه إصلاحًا إداريًا فحسب، بل باعتباره موقفًا سياسيًا واضحًا: الجريمة الحديثة لا تُواجَه إلّا بأدوات حديثة، وبقانونٍ كُتِب لعصر التكنولوجيا، لا لعصر الملفات الورقية. في الدول التي تفهم معنى السيادة الرقمية، تُعاد هندسة المؤسسات الأمنية على أسس تقنية، وتُحدَّث القوانين لملاحقة الجرائم العابرة للحدود، والاحتيال المالي المعقّد، والاستغلال عبر الإنترنت، وغسل الأموال الرقمي. أمّا في لبنان، فما زالت الدولة تحاول مقاربة جرائم القرن الحادي والعشرين بتشريعات تعود جذورها إلى زمن الانتداب، بعضها لا يُطبّق أصلًا، ما يجعل السؤال بديهيًا: كيف يمكن تطوير قانونٍ لا يُحترم، لملاحقة جرائم متطوّرة بطبيعتها؟ قانون لا يُطبّق… فكيف يُحدَّث؟ المعضلة اللبنانية لا تكمن فقط في قِدَم التشريعات، بل في هشاشة تطبيقها. قوانين جنائية أساسية، وُضعت في سياقات تاريخية مختلفة جذريًا، ما زالت تُدار بآليات بطيئة وانتقائية، أُفرغت من فعاليتها بفعل الممارسة لا النص. وإذا كان القانون التقليدي نفسه عاجزًا عن فرض العدالة بصرامة، فكيف يمكن التعويل على قدرة الدولة على سنّ قانون إلكتروني حديث، أو على بناء نظام قضائي قادر على التعامل مع الأدلة الرقمية، والتعاون الدولي، والتحقيقات السيبرانية المعقّدة؟ الواقع أن لبنان لم يفشل في مواكبة التطور التشريعي العالمي فحسب، بل أخفق حتى في فرض احترام قوانينه القديمة. هذا الفشل البنيوي يترك البلاد مكشوفة أمام موجات متصاعدة من الجرائم الإلكترونية: من الابتزاز الرقمي إلى سرقة البيانات، ومن الاحتيال المالي العابر للحدود إلى اقتصاد الظلّ الرقمي، من دون منظومة ردع فعّالة أو جهاز متخصّص يمتلك الأدوات القانونية والتقنية اللازمة. فراغ أمني في الفضاء الرقمي بينما تُنشئ الدول أجهزة متخصّصة للشرطة الإلكترونية وتستثمر في الذكاء الاصطناعي والتحقيق الرقمي، لا يزال لبنان يفتقر إلى جهاز وطني متكامل يتمتّع باستقلالية تقنية، وصلاحيات قانونية واضحة، وقدرة فعلية على ملاحقة الجرائم في الفضاء السيبراني. تحوّل الفضاء الرقمي اللبناني عمليًا إلى ساحة مفتوحة، تتحرّك فيها شبكات الاحتيال والابتزاز وتجارة البيانات من دون خوف حقيقي من الملاحقة. ضعف البنية التقنية للأجهزة الأمنية، وغياب إطار قانوني حديث لحماية البيانات والخصوصية، وتأخّر القضاء في استيعاب الأدلة الرقمية، عوامل تتكامل لتجعل من لبنان حلقة هشّة في منظومة الأمن الإقليمي والدولي. المشكلة لم تعد تقنية فقط، بل سياسية بامتياز. فالدولة التي لا تعتبر الأمن الرقمي أولوية سيادية، تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية اقتصادها، ومواطنيها، ومؤسساتها، وتتحوّل إلى بيئة جاذبة للجريمة المنظّمة والاقتصاد غير المشروع. التجارب الدولية المتقدّمة تُظهر بوضوح أن الأمن الحديث يقوم على ثلاثة أعمدة: قانون رقمي حديث، شرطة إلكترونية محترفة، وقضاء قادر على مواكبة الأدلة والتقنيات الجديدة. في لبنان، الأعمدة الثلاثة متصدّعة: قانون قديم لا يُطبّق، جهاز أمني غير مهيّأ رقميًا، وقضاء مثقل بالتأخير والقصور التشريعي. اختبار سيادي أخير لم تعد القضية مسألة إصلاح تقني أو مطلب إداري، بل اختبارًا سياديًا حاسمًا. فإمّا أن يخرج لبنان من أسر قوانين الانتداب، ويؤسّس لإطار قانوني رقمي حديث، وشرطة متخصّصة، وقضاء قادر على ملاحقة الجرائم في عصر التكنولوجيا، وإمّا أن يبقى عالقًا في زمن قانون لا يُطبّق، ودولة تتراجع فيما الجريمة تتقدّم. في عالم باتت فيه السيادة تُقاس بقدرة الدول على حماية فضائها الرقمي كما تحمي حدودها الجغرافية، يبدو لبنان اليوم خارج المعادلة. والسؤال لم يعد متى سيلتحق بالعصر الرقمي، بل: كم من الوقت يستطيع الصمود قبل أن يتحوّل الفراغ القانوني والأمني إلى تهديدٍ وجودي لدولته ومجتمعه؟ الفجوة بين سرعة الجريمة الرقمية وبطء الدولة اللبنانية تتّسع يومًا بعد يوم. ومع كل تأخير في تحديث القوانين وبناء القدرات التقنية، تتراجع قدرة الدولة على حماية نفسها، وتتكرّس صورتها ككيان عاجز عن فرض القانون في الشارع، فضلًا عن فرضه في الفضاء الإلكتروني.