في لحظةٍ يعيش فيها لبنان أحد أقسى فصولِ أزمته الاقتصادية والسياسية، يأتي اختيار مدينة صيدا، إلى جانب قرطبة الإسبانية، “عاصمة متوسطيّة للثقافة والحوار لعام 2027” بقرار من وزراء خارجية دول الاتحاد من أجل المتوسّط وبالشراكة مع مؤسّسة آنا ليند للحوار بين الثقافات هذا القرارُ يبدو للوهلة الأولى تكريمًا ثقافيًا، لكنه في العمق فرصةٌ استراتيجيةٌ لصيدا ولبنان على المستويين الاقتصادي والثقافي، إذا أُحسِن استغلالُها وخُطِّط لها مبكرًا. ماذا يعني اللقب؟ لا يقتصر اللقب على شعارٍ احتفاليٍّ فحسب، فالمبادرة تفرض على صيدا وقرطبة إعداد برنامجٍ مشترك لعام 2027 يركّز على الحوار بين الثقافات والأديان، حماية التراث المادي واللامادي، الاستدامة البيئية، مشاريع فنية وتعليمية وتبادلات شبابية بين ضفّتي المتوسّط.أي إنّ المدينة ستتحوّل، ولو لعامٍ واحد، إلى منصّة عرضٍ كبرى تستضيف مهرجانات، معارض، مؤتمرات، إقامات فنية، فعاليات جامعية ومدرسية، ومسارات سياحية مرتبطة بتاريخها البحري والتجاري والديني. هذه البرمجة، إذا ارتكزت إلى رؤيةٍ واضحة، يمكن أن تجعل من 2027 سنةً مفصليةً في تاريخ صيدا الحديث، شبيهةً بما حقّقته “عواصم الثقافة الأوروبية” في مدنٍ عدّة حيث أدّت إلى قفزةٍ في عدد الزوّار ونشاط القطاعات الثقافية والسياحية.تُشير تقييمات الاتحاد الأوروبي إلى أنّ المدن التي حملت اللقب شهدت زيادةً في أعداد الزوّار تتراوح بين 30 و40 في المئة خلال سنة الحدث، إلى جانب قفزة كبيرة في عدد الأنشطة الثقافية. ليس اختيار صيدا عاصمةً متوسطيّةً للثقافة والحوار لعام 2027 مجرّد خبرٍ مُفرِحٍ في زمن الأخبار السيئة، إنّه فرصةُ اختبار: هل يستطيع لبنان، من بوابة صيدا، أن يحوّل الثقافة إلى رافعةٍ للتنمية الاقتصادية وصورةٍ جديدةٍ للبلد؟ استعادة دور المدينةِ اختيار صيدا لم يأتِ من فراغ، فهذه المدينة الساحلية التي يعود تاريخها لأكثر من ستة آلاف عام، تُعَدّ واحدةً من أقدم المرافئ على المتوسّط، ومرّت عليها حضاراتٌ فينيقية ورومانية وعربية وصليبية وعثمانية، ما جعلها أرشيفًا حيًّا للتاريخ المتوسّطي.فالخطاب الرسمي اللبناني، من رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية إلى شخصياتٍ سياسيةٍ وثقافية، ركّز على أن صيدا “بوابة الجنوب” و”جسرٌ بين الشرق والغرب” ومدينة تعايشٍ وتنوّعٍ ديني وثقافي. سنة 2027 يمكن أن تكون فرصةً لتحديث البنية التحتية الثقافية (ترميم خاناتٍ وأسواقٍ قديمة، تجهيز قاعات عرض، إنشاء مسارات متحفية)، ما يرفع مستوى العمل الثقافي لسنواتٍ بعد انتهاء الحدث، الأمر الذي يمكن أن يترجم لاحقًا إلى تعاونٍ جامعي، تبادلٍ طلابي، وربما شراكات اقتصادية وسياحية.اللقب يضع المدينة على خريطة الإعلام الإقليمي والدولي، ويمنحها رأسمالًا رمزيًا يمكن استثماره في المفاوضة على مشاريعَ وتمويلات. المردود الاقتصادي في بلدٍ يعاني من انهيار العملة وارتفاع البطالة وتراجع الاستثمارات، كلّ مبادرةٍ قادرة على جذب الزوّار والتمويل تُشكّل أكسجينًا اقتصاديًا. فما الذي يمكن أن يقدّمه هذا اللقب لصيدا ولبنان اقتصاديًا؟ فالدراسات حول “عواصم الثقافة” الأوروبية تُظهِر أنّ هذه الفعاليات تزيد عدد الزائرين وتشجّع نوعًا خاصًا من السياحة ذات الإنفاق المرتفع نسبيًا، أي السياحة الثقافية، بالإضافة إلى أن صيدا تمتلك مقوّماتٍ جاهزة مثل قلعة البحر، السوق القديم، خان الإفرنج، المساجد والكنائس التاريخية، متحف الصابون، والأحياء الشعبية المطلة على البحر. كما إنّ كلّ فعاليةٍ ثقافية تعني حاجةً إلى خدمات فنادق وشققٍ مفروشة، مطاعم ومقاهٍ، نقل، شركات تنظيم فعاليات، مصمّمين، مترجمين، مرشدين سياحيين، مبرمجين ومصوّرين وصحافيين… وفي حال وُضع برنامجٌ سنوي موزّع على أشهر العام، يمكن أن يخلق ذلك فرصَ عملٍ مباشرةٍ وغير مباشرة لمئات الشباب في المدينة وضواحيها، بما في ذلك مخيمات اللاجئين والقرى المجاورة. جذب تمويلات ومشاريع تطوير مبادرة “عواصم الثقافة والحوار المتوسطي” تُطرح كمنصّةٍ للتعاون بين بلديات، مؤسساتٍ مانحة، اتحاداتٍ أوروبية ومتوسطية، وجامعات، وهذا يعني إمكانية تمويل مشاريع بنى تحتية ثقافية وسياحية (تحسين الواجهة البحرية، تهيئة مساراتٍ للمشاة والدراجات، تطوير النقل العام داخل المدينة)، ما سينعكس على قيمة الأراضي والعقارات وعلى جاذبية صيدا للاستثمار طويل الأمد. يتجه العالم اليوم إلى الاقتصاد المعرفي والإبداعي، حيث تصبح الموسيقى، والسينما، والتصميم، والألعاب الإلكترونية، والمنتجات الحرفية عناصرَ ذات قيمة اقتصادية حقيقية. فإذا استُخدِم لقب 2027 لإطلاق حاضنات أعمالٍ ثقافية ومساحات عملٍ مشتركة للفنانين والروّاد، يمكن لصيدا أن تتحوّل إلى مركزٍ إقليمي للصناعات الإبداعية في الجنوب اللبناني. هذه الصورة قد تساعد في استعادة ثقة جزءٍ من الجاليات اللبنانية في الخارج والمستثمرين، وتشجّعهم على العودة ببرامج دعم أو استثمار في قطاعات الثقافة والسياحة، وفتح باب الاستثمار طويل الأمد مع دولٍ متوسطية. تعميم التجربة على مدنٍ أخرى، نجاح صيدا في هذا الاختبار يمكن أن يشجّع مدنًا لبنانيةً أخرى (صور، طرابلس، زحلة، بعلبك…) على تطوير استراتيجياتٍ ثقافية وسياحية خاصة بها، بدل الاكتفاء بالانتظار السلبي لقرارات المركز. بهذا المعنى، اللقب لا يخص صيدا وحدها، بل قد يكون نموذجًا لإعادة التفكير في دور المدن اللبنانية كفاعلين اقتصاديين وثقافيين مستقلّين نسبيًا عن الدولة المركزية المتعثّرة. ليس اختيار صيدا عاصمةً متوسطيّةً للثقافة والحوار لعام 2027 مجرّد خبرٍ مُفرِحٍ في زمن الأخبار السيئة، إنّه فرصةُ اختبار: هل يستطيع لبنان، من بوابة صيدا، أن يحوّل الثقافة إلى رافعةٍ للتنمية الاقتصادية وصورةٍ جديدةٍ للبلد؟ إذا نجحت المدينة في تحويل اللقب إلى مشروعٍ متكامل يُعيد الحياة إلى أسواقها القديمة، ويفتح أبوابًا جديدة لفرص العمل لشبابها، ويُكرّسها كمساحة حوارٍ حقيقي بين ضفّتي المتوسّط، عندها يمكن القول إن عام 2027 لم يكن مجرد عنوان ثقافي… بل بداية مرحلةٍ جديدة لصيدا ولبنان معًا.
كنتُ أشاهد أحد البرامج المشهورة على وسائل التواصل، من النوع الذي يقدّم محتوى علميًّا في قضايا الدين والتراث والفلسفة وعلم الاجتماع. المقدم معروف بحواراته الجريئة وضيوفه من أصحاب الأفكار المختلفة، وهذا في حد ذاته أمرٌ محمود. لكن في إحدى الحلقات، استضافَ شخصًا قدّمه بعبارةٍ لافتة «يبدو أنك مُتَّهَمٌ بتهمةِ التنوير».ابتسمَ الضيف، وقال: «نعم، فقد أصبح التنويرُ تهمةً هذه الأيام». توقّفتُ عند عبارة «هذه الأيام»؛ فهي تحمل في طيّاتها مفارقةً لاذعة، إذ عندما نقول «هذه الأيام» فإننا نعني عادةً أن أيامنا صارت أسوأ مما كانت عليه في الماضي.فهل كان التنوير في الماضي مقبولًا أكثر مما هو اليوم؟ وإذا كان كذلك، فهل يبقى اسمه تنويرًا؟ زلزلة المسلّمات أليس من طبيعةِ التنوير أن يصطدمَ بالراهن، ويهزَّ المسلّماتِ، ويزعجَ المألوف؟أليس من الطبيعي أن يكون التنويريُّ في مجتمعه موضعَ اتّهامٍ ومقاومة، لأنه يقدّم أفكارًا تتجاوز سكونَ الواقع؟ إذن، إن لم يكنِ التنويرُ اليومَ تهمةً، فهو إمّا فقدَ معناهُ أو صار مُجرّدَ شعار.وإذا صار مقبولًا تمامًا من الجميع، فربما دخلنا مرحلة “ما بعد التنوير” دون أن نشعر. غير أنّ مشكلتَنا مع مَن يُسمَّون اليوم «تنويريين» لا تكمن في جرأتهم، بل في سطحيّة تلك الجرأة.فالكثيرُ منهم لا يرى في التنوير إلّا الاعتراضَ الدائمَ والنسخَ الأعمى لإنجازاتِ غيره.يتوهّمون أنهم إن اقتبسوا بعضَ الشعارات الغربية وكرّروها في سياقنا العربيّ صاروا بذلك روّادًا للفكر الحديث. قربان للتجربة حتى لو سلّمنا ـ جدلًا ـ بأن الحضارةَ الغربية تمثّل ذروةَ التطور الإنساني اليوم، فهل يكون الطريقُ إليها بنسخِ النتائجِ لا ببناءِ الأسباب؟أليس الأجدرُ بالتنويري أن يقدّم نفسَه قربانًا للتجربة قبل أن يرفعَ شعارَ التحرر؟أم أنّه يريد أن يقطف الثمار بينما يجلس في مقهى فرنسيٍّ أنيق، يدخّن السيجار، ويكتب منشوراتٍ تُمجّد الغربَ وتزدري بيئته وتاريخه؟ لقد كان للتنوير الأوروبيّ جذورٌ متينة في العلوم والفنون والاكتشافات.لم تُخلّد الإنسانيةُ أسماءَ نيوتن وغاليليو ودا فنشي ولوك ومونتسكيو لأنهم كتبوا على «فايسبوك» منشوراتٍ تسخر من جهل مجتمعاتهم، بل لأنهم أنجزوا شيئًا حقيقيًا نقل الفكر الإنسانيّ خطوةً إلى الأمام. ماذا قدّمتم أنتم؟ فماذا قدّم لنا «تنويريو» اليوم؟زار بعضُهم الغربَ ثم عادوا إلينا ببوستات «فايسبوكيّة» تحاربُ الحجابَ وتحلّلُ الخمر، بعد أن انبهروا ببريق الحياة هناك. فهل المطلوبُ أن ننبهرَ بهم نحن الذين لم نسافر إلى الغرب لأن هذا الغرب ذاته، بما فيه من «قيم الحرية»، ما زال يُغلِق في وجوهنا التأشيرات وينظر إلينا نظرةً عنصرية؟! علّمونا إذن مما علّمكم الغربُ، لا ما التقطتموه في الحاناتِ والمقاهي! يُخاطِبون الناسَ من علٍ، كأنهم «كَهَنةُ الحداثة»، ينظرون إلى مجتمعهم بوصفه «مجموعةً من الجهلة والبسطاء»، متأثّرين بمقولةٍ سخيفة عن «القطيع» وتميّزِ النخبة، فيشعرون بأنهم نخبيّون لأنهم حققوا بعض النجاح الماديّ وأصبح لديهم وقت فراغ يقضونه على وسائل التواصل الاجتماعي. فهل يتوقّعون حقًا أن نتأثر ونتبعهم؟وإن تبعناهم، ما هي الأفكار التي سيقدّمونها لنا؟هل درسوا التاريخ العربيَّ وسياقاته الفكريةَ وصولًا إلى يومنا هذا؟دعْنا من التاريخ العربيّ، هل قرأوا حتى التاريخ الغربيَّ وسياقاته؟هل اطّلعوا على العلاقاتِ الشائكة بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب ـ بلغةِ هذه الأيام؟ ليس هناك شكٌّ في أن الغرب يمتلك ثقافةً متقدّمة، وهو الذي يقود حضارةَ العالم اليوم، ولا بدّ أن نتعلّم منه الكثير، لكن برويّةٍ ووعيٍ لا بتقليدٍ أعمى. مشكلتَنا مع مَن يُسمَّون اليوم «تنويريين» لا تكمن في جرأتهم، بل في سطحيّة تلك الجرأة، فالكثيرُ منهم لا يرى في التنوير إلّا الاعتراضَ الدائمَ والنسخَ الأعمى لإنجازاتِ غيره. مراهقة وبلادة علينا أن نتعلّم أولًا، لا أن نبنيَ مواقفَ هزيلةً قائمةً على ردود أفعالٍ شخصية؛ فهذه حركاتٌ صبيانية تشبه سلوكَ المراهق الذي يثور على أهله طلبًا للحرية، ثم لا يلبث أن يدرك أن الحريةَ مسؤولية، وأن والده قد تعب وضحّى وعانى حتى وصل هو إلى ما وصل إليه. ذلك المراهق، حين يقلّد أولادَ الجيرانِ الأغنياء دون وعيٍ بالماضي والحاضر والمستقبل، يدفع الثمن وحده.وكذلك حالُنا اليوم.إنّ «المتنورين»، أبناءَ هذه العائلةِ الكبيرة، كسالى لا يريدون العملَ ولا التضحيةَ ولا حتى التعلّم، لكنهم يريدون نتائجَ سريعةً تشبهُ وجباتِ «ماكدونالدز» أو «اللايك» الذي يحصل عليه منشورُهم من متنورٍ آخر. التنويرُ لا يكون بالاستعراض، بل بالإنجاز. لا بالصراخ في وجه المجتمع، بل بإشعالِ شمعةٍ في عتمته. أرونا إنجازاتِكم، أبهرونا بعلمِكم، بفنّكم، بفكرِكم الفلسفيّ والاجتماعيّ… وصدقوني، عندها سنتبعكم، لا لأنكم تصرخون، بل لأنكم تُضيئون… أستاذٌ في "جامعةِ جورجتاون"- قطر باحثٌ في الدراساتِ الإسلاميةِ والتاريخِ الإسلاميّ