skip render: ucaddon_box_testimonial المفاجأة ليست في عدد القنابل وحده، بل إنّ أكثر الأسئلة قسوةً بشأنها لا تأتي من عاصمة عربية، بل من داخل الولايات المتحدة نفسها. هنا تصبح المسألة أكثر إحراجًا: لماذا يستطيع إعلامي أميركي مثل تاكر كارلسون أن يضع الإدارة الأميركية أمام أسئلة صادمة بشأن حجم التسليح المقدَّم لإسرائيل، بينما يعجز كثير من الخطاب العربي الرسمي عن تجاوز عبارات من نوع «نستنكر»، و«نعرب عن القلق»، و«ندعو إلى ضبط النفس»؟ قد يختلف المرء جذريًا مع كارلسون في مواقفه السياسية، وقد يرفض بعض مقارناته أو استنتاجاته، لكن لا يمكن تجاهل أهمية السؤال الذي طرحه: ماذا يعني أن تستعد الولايات المتحدة لإرسال 40 ألف قنبلة ثقيلة إلى إسرائيل، ضمن حزمة تبلغ قيمتها نحو 2.8 مليار دولار؟ الحزمة، التي لم تصبح نهائية بعد، تشمل 20 ألف قنبلة من طراز MK-84 و20 ألفًا من طراز BLU-117، إضافة إلى ذخائر أخرى. وكل قنبلة من هذه الفئة تزن نحو 907 كيلوغرامات. نحن أمام كمية هائلة من الذخائر المصمَّمة لإحداث دمار واسع، لا أمام شحنة ذخيرة عادية يمكن دفنها في هامش خبر عسكري. وهنا لا يعود السؤال: ماذا ستفعل إسرائيل بهذه القنابل؟ بل: لماذا تُرسل إليها أصلًا؟ سبق أن أثارت القنابل الثقيلة من هذا النوع مخاوف أميركية بسبب احتمال استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان. وكانت إدارة جو بايدن قد علّقت، في عام 2024، شحنة من قنابل MK-84، قبل أن تعود إدارة ترامب إلى رفع التعليق. واليوم يجري الحديث عن عشرات الآلاف من القنابل الإضافية، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب والدمار الإنساني في غزة ماثلة أمام العالم. لكن الأشد دلالةً أن واشنطن لا تتعامل مع هذه العملية باعتبارها مجرد تجارة أسلحة بين دولتين. فجزء أساسي من التمويل يأتي عبر برنامج التمويل العسكري الخارجي الأميركي، أي إنّ أموالًا أميركية تُستخدم لمساعدة إسرائيل على شراء الأسلحة الأميركية. بعبارة أبسط: السلاح أميركي، والمال أميركي، والقرار سياسي أميركي… أما الضحايا فليسوا أميركيين. هنا يصبح الصمت العربي أكثر إيلامًا. أين المسؤول العربي الذي يقول بوضوح إن إرسال عشرات آلاف القنابل الثقيلة إلى إسرائيل ليس تفصيلًا تقنيًا في ميزانية الدفاع الأميركية؟ أين المسؤول الذي يسأل عن مصير هذه الذخائر، وعن القانون الدولي، وعن المدنيين الذين سيدفعون ثمنها؟ لماذا نسمع في العواصم الغربية نقاشًا مفتوحًا حول جدوى هذا الدعم، بينما لا يزال الخطاب العربي الرسمي أسير اللغة الدبلوماسية التي تقتل المعنى قبل أن يصل إلى المتلقي؟ ليست المشكلة أن العرب لا يعرفون ما يحدث. هم يعرفون. وليست المشكلة أن الأرقام غير متاحة. هي منشورة. وليست المشكلة أن الصور لا تصل. لقد وصلت حتى إلى أكثر البيوت بُعدًا عن المنطقة. المشكلة أن الحقيقة أصبحت معروفة أكثر مما ينبغي، لكن قولها رسميًا أصبح أصعب مما ينبغي. ولا يتعلق الأمر بتاكر كارلسون تحديدًا. القضية أكبر من شخص أو برنامج أو توجّه سياسي. القضية أن الأسئلة التي يُفترض أن تكون في صدارة الخطاب العربي باتت تُطرح أحيانًا من داخل الولايات المتحدة نفسها: عن حجم المساعدات، وعن الأسلحة، وعن كلفتها، وعن مسؤولية مَن يرسلها. لا يحتاج العرب إلى استعارة مواقف كارلسون، ولا إلى تبنّي خطابه السياسي. يحتاجون فقط إلى امتلاك صوتهم. فإذا كانت 40 ألف قنبلة تستطيع عبور المحيطات إلى إسرائيل، فلماذا لا تستطيع كلمة عربية واحدة أن تعبر حدود الخوف؟ أربعون ألف قنبلة قد تكون في طريقها إلى المنطقة… لكن ما ينقص العالم العربي ليس القنابل، بل الشجاعة على تسمية ما يحدث باسمه.
ما يخشاه جنرالات إسرائيل ليس حربًا جديدة فقط، بل تغيُّر البيئة الإقليمية التي سمحت لها، لعقود، بأن تكون الطرف الأقوى والأكثر قدرة على فرض قواعد الاشتباك. ثمة شيء يتغيّر في الشرق الأوسط، وإسرائيل بدأت تشعر به قبل أن تتمكّن من فهم اتجاهه النهائي. فالمسألة لم تعد جبهة غزة وحدها، ولا لبنان وحده، ولا إيران وحدها، بل احتمال تشكّل بيئة إقليمية جديدة تتقاطع فيها مصالح قوى كانت تتنافس تاريخيًا على النفوذ، وتصبح فيها قدرة إسرائيل على إدارة كل خصم منفردًا أكثر صعوبة. تحوّل استراتيجي هذا هو جوهر التحذير الذي يطرحه الجنرال الإسرائيلي إسحاق بريك، الذي لا يتعامل مع التطورات المحيطة بإسرائيل باعتبارها أزمات منفصلة، وإنما بوصفها مؤشرات على تحوّل استراتيجي أوسع. فبلاد الشام كانت، على مدى قرون، قلب الصراع بين القوى الإقليمية الكبرى، ومن يملك موقعها الجغرافي يمتلك جزءًا مهمًا من مفاتيح الحركة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. اليوم، تجد إسرائيل نفسها في قلب هذه الجغرافيا نفسها، لكن ما كان يمثّل مصدر قوة لها يمكن أن يتحوّل إلى مصدر قلق إذا تبدّلت موازين القوى المحيطة بها. تركيا تعيد بناء حضورها كقوة إقليمية، ومصر تظل صاحبة وزن عسكري وجغرافي لا يمكن تجاوزه، والسعودية تعيد ترتيب موقعها في النظام الإقليمي والدولي، فيما تمثّل باكستان قوة عسكرية ونووية وازنة. أما سوريا، فتبقى إحدى الساحات الأساسية للصراع على النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات. هذه الدول ليست كتلة واحدة، ومصالحها ليست متطابقة، وليس من الواقعي افتراض أنها تتجه نحو تحالف عسكري موحّد ضد إسرائيل. لكن التحولات الاستراتيجية لا تحتاج دائمًا إلى تحالفات مكتملة. يكفي أن تتغيّر حسابات القوى الكبرى، وأن تتقاطع بعض مصالحها، وأن يصبح استمرار التفوق الإسرائيلي المطلق أقل قبولًا أو أقل قابلية للاستمرار. هنا يبدأ القلق الحقيقي في تل أبيب. skip render: ucaddon_material_block_quote اختبار العقيدة لقد قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية، لعقود، على مجموعة من الركائز: تفوق عسكري نوعي، ودعم أميركي، وتفوق استخباراتي، وقدرة على نقل الحرب إلى خارج الحدود، وبيئة عربية منقسمة سمحت لإسرائيل بالتعامل مع كل تهديد على حدة. لكن هذه الركائز تواجه اليوم اختبارًا صعبًا. حرب غزة أظهرت حدود القوة العسكرية عندما لا تتحوّل إلى نتيجة سياسية حاسمة، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، بينما باتت إسرائيل تواجه انتقادات متزايدة بسبب حجم الدمار والضحايا. وفي الوقت نفسه، لم تعد العلاقة مع الولايات المتحدة، مهما بقيت استراتيجية، ضمانة تسمح لإسرائيل بالافتراض أن واشنطن ستدير كل أزماتها أو تتحمّل كل تكاليف خياراتها. الخطر الداخلي لكن الأخطر ربما يأتي من الداخل. فالمجتمع الإسرائيلي يشهد انقسامات سياسية ودينية واجتماعية عميقة، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى أعلى درجات التماسك لمواجهة حرب طويلة ومتعددة الجبهات. وهذه ليست مسألة ثانوية، لأن قوة الجيش لا تُقاس بعدد الطائرات والصواريخ فقط، بل بقدرة المجتمع على تحمّل الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية للحرب، وعلى الحفاظ على وحدة القرار في لحظة الأزمة. لذلك، تبدو الدعوات الإسرائيلية إلى إعادة بناء القوات البرية والجوية والبحرية، وتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الطاقة والقدرات الدفاعية، والاستعداد لحرب متعددة الجبهات، انعكاسًا لقلق أعمق من مجرد الاستعداد لمعركة جديدة. إنها محاولة لإعادة تعريف الأمن القومي في ضوء واقع لم يعد يشبه الواقع الذي صيغت فيه العقيدة الإسرائيلية القديمة. عقدة فلسطين لكن هنا تظهر المفارقة: يمكن لإسرائيل أن تطوّر مزيدًا من الأسلحة، وأن ترفع مستوى قدراتها الاستخباراتية، وأن تعزّز تحالفاتها، لكنها لا تستطيع، بالوسائل العسكرية وحدها، أن تحسم مشكلة سياسية وتاريخية اسمها فلسطين. وهذه النقطة هي التي تجعل المقاومة الفلسطينية عاملًا يتجاوز الحساب العسكري المباشر. فالمقاومة، رغم الكلفة الإنسانية الهائلة للصراع، أبقت القضية الفلسطينية حاضرة، ورفضت تحويلها إلى مجرد ملف أمني يمكن إغلاقه بالقوة. وفي الحساب الإقليمي، لا يمكن فصل القضية الفلسطينية عن بقية التحولات، لأن استمرار الاحتلال والحرب يبقى أحد أهم مصادر التوتر التي تعيد إنتاج المواجهة وتؤثر في حسابات دول المنطقة. وفي الوقت نفسه، فإن وجود إيران وحزب الله وسائر القوى الفاعلة في الإقليم يجعل احتمالات توسّع أي حرب أكثر تعقيدًا، لا لأن هذه القوى تشكّل بالضرورة جبهة واحدة، وإنما لأن تعدد مراكز القوة يحدّ من قدرة إسرائيل على التحكم وحدها في مسار التصعيد. سرائيل لا تخشى حربًا جديدة فقط؛ إنها تخشى شرق أوسط لا تستطيع التحكم بقواعده كما في السابق لا انهيار قريبًا ومع ذلك، فإن القول إن إسرائيل أصبحت على وشك الانهيار سيكون مبالغة لا تخدم التحليل. فما زالت تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا كبيرًا، وما زالت تتمتع بعلاقات استراتيجية مهمة، وفي مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة. كما أن القوى الإقليمية نفسها تملك مصالح متعارضة، ولا يوجد ما يضمن انتقالها تلقائيًا من التنافس إلى المواجهة المشتركة مع إسرائيل. لكن جوهر التحول يقع في مكان آخر. لم تعد إسرائيل قادرة، بالسهولة نفسها، على افتراض أن التفوق العسكري يكفي وحده لضمان موقعها الإقليمي. فالقوة تمنحها قدرة هائلة على الردع والضرب، لكنها لا تمنحها بالضرورة القدرة على فرض نهاية سياسية للحرب، ولا تستطيع وحدها إنتاج الاستقرار، أو إلغاء القضية الفلسطينية، أو منع صعود قوى إقليمية جديدة. تعدّد القوة لهذا، فإن الحديث عن «تحالف إقليمي» ضد إسرائيل قد يكون أقل أهمية من التحول الذي يجري في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. فالشرق الأوسط يتجه نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، وتراجع نسبي في قدرة طرف واحد على فرض قواعد اللعبة، وتزايد في استقلالية القرارات الإقليمية. هنا تحديدًا ينبغي قراءة التحذير الإسرائيلي. إسرائيل لا تواجه بالضرورة شرق أوسط موحّدًا ضدها، لكنها تواجه شرق أوسط لم يعد مضمونًا أن يبقى على الصورة التي اعتادت عليها، وهذا فرق جوهري. فالدولة التي اعتادت أن تنظر إلى المنطقة من موقع القوة المطلقة تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع قوى أكثر استقلالًا، وجبهات أكثر تعقيدًا، وقضية فلسطينية عادت إلى الواجهة، ومجتمع داخلي يواجه انقسامات عميقة، وعلاقة مع الحليف الأميركي تحتاج إلى إدارة مستمرة، وليست شيكًا مفتوحًا. السؤال المقبل لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي المقبل ليس: هل ستنشأ جبهة إقليمية موحّدة ضد إسرائيل؟ بل: هل تستطيع إسرائيل أن تحافظ على موقعها السابق في شرق أوسط تتغيّر موازينه؟ قد تظل إسرائيل قوة عسكرية كبرى لسنوات طويلة، وقد تستمر في امتلاك أدوات ردع هائلة. لكن القوة شيء، والقدرة على إدارة البيئة المحيطة شيء آخر. وربما تكون هذه هي النقطة التي بدأ بعض جنرالات إسرائيل يدركونها: الخطر الحقيقي ليس أن تخسر إسرائيل حربًا واحدة، وإنما أن تدخل مرحلة يصبح فيها الانتصار العسكري غير كافٍ لاستعادة النظام الإقليمي الذي كانت تعرفه. شرق أوسط جديد فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى أن يتوحّد كي يتغيّر. يكفي أن تتحرّك مراكز قوته في اتجاهات جديدة، وأن تفقد إسرائيل تدريجيًا قدرتها على أن تكون الطرف الذي يحدّد وحده شكل المنطقة وقواعد الصراع فيها. skip render: ucaddon_box_testimonial
في جغرافيا الصراعات الكبرى، غالبًا ما تُسدِّد الشعوب الصغيرة فواتير الإمبراطوريات البعيدة من لحمها الحيّ، وديموغرافيتها، وأرضها. ولبنان، هذا الكيان الصغير القائم على توازنات طائفية وسياسية هشّة، يجد نفسه اليوم أمام واحد من أخطر التهديدات الوجودية في تاريخه الحديث، وهو خطر «الترانسفير»؛ أي التهجير والنقل الجماعي للسكان. هذا التهديد الذي يلوّح به اليمين الإسرائيلي المتطرّف لا يمكن قراءته بمعزل عن الحسابات الإقليمية الكبرى، وتحديدًا الدور الإيراني الذي حوّل جنوب لبنان إلى ساحة متقدّمة لطموحاته الاستراتيجية عبر ذراعه العسكرية، «حزب الله»، ما منح إسرائيل الذريعة الذهبية لتنفيذ مخططات طالما تضمّنتها أدبياتها السياسية والعسكرية. إن المفارقة المذهلة، والصادمة في آنٍ معًا، هي أن التاريخ يعيد نفسه بطريقة شبه متطابقة؛ فالمأساة الديموغرافية والتهجير القسري اللذان يهدّدان جنوب لبنان اليوم بسبب السياسات الإيرانية ليسا سوى صدى لحدث تاريخي ضخم جرى على الأرض نفسها قبل أكثر من ألفين وثلاثمئة عام، وتحديدًا في زمن الفرس الأخمينيين وثورة مدينة صيدا، ما يثبت أن الجغرافيا اللبنانية لطالما كانت ضحية للمشاريع الفارسية، سواء أكانت بثوبها الإمبراطوري القديم أم بصيغتها الأيديولوجية المعاصرة. ثورة صيدا ضد الفرس للعودة إلى جذور المأساة التاريخية الأولى، يجب أن نسافر بالزمن إلى عام 351 قبل الميلاد، خلال العهد الفارسي الأخميني الذي بسط سيطرته على مدن الساحل الفينيقي، أرض كنعان. في ذلك الزمن، حظيت المدن الفينيقية بنوع من الحكم الذاتي، لأن الفرس كانوا في حاجة ماسّة إلى أساطيلها البحرية الجبّارة لخوض حروبهم الطاحنة ضد الإغريق. لكن الطموح الإمبراطوري الفارسي والتدخّل في أدق تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية دفعا مدينة صيدا، أو صيدون الفينيقية، التي كانت دُرّة التاج الفينيقي، إلى إعلان ثورة عظمى ضد الملك الفارسي «أرتحششتا الثالث». وكانت تلك الثورة صرخة في وجه الهيمنة الفارسية والاستغلال، لكن موازين القوى كانت غير متكافئة على الإطلاق. حشد الملك الفارسي جيشًا عَرَمْرَمًا وزحف نحو صيدا لسحق التمرّد وتأديب المدن الفينيقية الأخرى. وانتهت الثورة بكارثة إنسانية مرعبة، إذ أُحرقت المدينة بالكامل. وتشير الروايات التي وثّقها المؤرخون القدامى، مثل ديودوروس الصقلي، إلى أن الفرس قاموا بعملية «ترانسفير» تاريخية كبرى، إذ سَبَوْا عشرات الآلاف من سكان صيدا والقرى المحيطة بها، ونقلوهم أسرى ومُبعَدين إلى عمق الإمبراطورية الفارسية، في بابل وسوسة، عقابًا جماعيًّا يهدف إلى إفراغ المنطقة من عناصر التمرّد وإحلال واقع ديموغرافي وسياسي جديد يضمن الولاء التام للعرش الفارسي. skip render: ucaddon_material_block_quote هندسة مرتبطة بالفرس لم يتوقّف الأمر عند ذلك التاريخ، بل إن العهود الإسلامية الأولى، وتحديدًا في الفترتين الأموية والعباسية، شهدت عمليات هندسة ديموغرافية ونقل للسكان ارتبطت بالفرس أيضًا، إذ أمر الخليفة معاوية بن أبي سفيان بنقل أعداد كبيرة من المقاتلين الفرس وعائلاتهم وتوطينهم في المدن الساحلية اللبنانية، مثل صور وصيدا وبيروت وجبيل، لحمايتها، وهو ما عُرف تاريخيًّا بـ«ناقلة الفرس». وفي العهد العباسي، تكرّرت مأساة التهجير القسري عندما قمع العباسيون ثورة المنيطرة في جبل لبنان عام 759 ميلاديًّا، وقاموا بنقل أعداد كبيرة من السكان وتهجيرهم وتفريقهم في أقاليم داخلية، في خطوة استدعت احتجاجًا شهيرًا من إمام الشام الأوزاعي على الوالي العباسي، تنديدًا بتهجير الأبرياء. إسناد أم ورقة مفاوضات؟ اليوم، يتكرّر المشهد التاريخي ذاته، ولكن بأدوات معاصرة وأيديولوجيات مختلفة. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنذ أربعة عقود، عملت بصبر استراتيجي على بناء شبكة من الفصائل المسلحة في الشرق الأوسط، وكان «حزب الله» في لبنان الجوهرة في هذا التاج الإقليمي. ومن خلال الدعم المالي والعسكري والعقائدي غير المحدود، تحوّل الحزب من حركة مقاومة محلية إلى جيش إقليمي يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، لكن قرار السلم والحرب لديه لم يعد قرارًا لبنانيًّا نابعًا من المصالح الوطنية العليا، بل أصبح قرارًا مرتبطًا، بشكل عضوي، بغرفة العمليات في طهران. هذا الارتباط تجلّى في أوضح صوره عندما اتخذت قيادة «حزب الله»، بإيعاز وتنسيق كامل مع إيران، قرارًا منفردًا بفتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى «حرب الإسناد»، غداة أحداث السابع من أكتوبر. وكان الهدف الإيراني المعلن تخفيف الضغط عن قطاع غزة وتثبيت معادلة «وحدة الساحات»، لكن الحسابات الحقيقية كانت تهدف إلى استخدام الساحة اللبنانية ورقةَ ضغط استراتيجية لتحسين شروط التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وحماية النظام في طهران من أي استهداف مباشر. فلبنان، الذي يمرّ بأسوأ أزمة اقتصادية ومالية وسياسية في تاريخه الحديث، في ظل مؤسسات دولة مشلولة وجيش مقيّد بإمكانات محدودة، لم يكن يمتلك المقومات التي تؤهله لتحمّل تبعات حرب استنزاف طويلة ومدمّرة ضد قوة عسكرية عاتية مدعومة، بشكل مطلق وبلا حدود، من الولايات المتحدة الأميركية والغرب. إن الإصرار الإيراني على المضي قدمًا في هذه الحرب غير المتكافئة، وتجاهل كل التحذيرات الدولية والداخلية اللبنانية، أدّيا إلى النتيجة الكارثية التي نشهدها اليوم: تدمير ممنهج لقرى وبلدات حدودية في جنوب لبنان، وتحويل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى أراضٍ محروقة وغير قابلة للحياة، وتهجير مئات الآلاف من السكان من بيوتهم وقراهم، ليصبحوا نازحين في وطنهم أو مشرّدين يبحثون عن أمان مفقود. إيران أرادت الجنوب ورقة قوة، وإسرائيل قد تحاول تحويله إلى أرض بلا شعب أرض بلا شعب؟ هذا الواقع المأساوي الذي تسبّبت فيه السياسة الإيرانية وحروب «حزب الله» غير المتكافئة فتح الباب على مصراعيه أمام اليمين الإسرائيلي المتطرّف لتنفيذ مخطط قديم ـ جديد، طالما كان حلمًا في العقيدة الصهيونية، وهو مخطط «الترانسفير» أو التهجير الجماعي الدائم لسكان جنوب لبنان. ولفهم أبعاد هذا التهديد المرعب وخلفياته، يجب الغوص في الفكر السياسي والعسكري للصهيونية، حيث يُعتبر مفهوم «الترانسفير» ركنًا أساسيًّا من أركان الفلسفة الصهيونية منذ نشأتها. فالتيار الصهيوني التنقيحي، الذي يمثّله اليمين الحاكم في إسرائيل اليوم بزعامة بنيامين نتنياهو وتحالفه مع قادة الاستيطان المتطرّفين، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، يقوم على عقيدة «أرض بلا شعب» والسيادة اليهودية المطلقة. وفي هذا الفكر، لا يقتصر مفهوم «أرض إسرائيل» على فلسطين التاريخية فحسب، بل يمتد في الأدبيات الصهيونية القديمة ليشمل أجزاء من الدول المجاورة، وتحديدًا جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، الذي كان يُنظر إليه، منذ عهد ديفيد بن غوريون والمنظمات الصهيونية الأولى قبل عام 1948، باعتباره حدًّا مائيًّا وجغرافيًّا طبيعيًّا واقتصاديًّا بالغ الأهمية للاستيطان وتأمين العمق الاستراتيجي. إن الفكر الصهيوني يرى في وجود تجمّع سكاني عربي كبير ومقاوم على حدوده الشمالية عائقًا ديموغرافيًّا وأمنيًّا يجب التخلّص منه، و«الترانسفير» هو الأداة التاريخية التي طُبّقت في نكبة 1948 ونكسة 1967، ويُعاد تدويرها اليوم كاستراتيجية عسكرية معلنة تحت ذريعة حماية الأمن القومي الإسرائيلي وإعادة مستوطني الشمال إلى بيوتهم. استراتيجيتان تتحرّك إسرائيل اليوم لتطبيق «الترانسفير» في جنوب لبنان عبر استراتيجيتين متكاملتين. الأولى هي الاستراتيجية العسكرية الميدانية القائمة على تدمير البنية التحتية والمقومات الحياتية للقرى والبلدات الحدودية بالكامل. إن نسف أحياء كاملة، واستهداف المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، وإحراق الحقول الزراعية بالفوسفور الأبيض، ليس مجرد تكتيك عسكري لملاحقة مقاتلي «حزب الله»، بل هو سياسة تتعمّد فرض واقع «التهجير القسري