بعد أشهر من الشدّ والجذب داخل البلدية، حُسم الصراع إداريًا، قائد شرطة بلدية صيدا خارج دائرة القرار، وصلاحياته تنتقل إلى أمين السر تحت إشراف مباشر من العضو وائل قصب المكلّف بملف إزالة المخالفات. انتهت مرحلة المساكنة المتوترة بين رئيس البلدية مصطفى حجازي وقائد شرطتها بدر القوّام. فبعد سلسلة طويلة من الخلافات والمماحكات، بعضها بقي خلف الأبواب وبعضها خرج إلى العلن، حسم حجازي المواجهة بقرار إداري قد لا ينتظر موافقة من المجلس. القرار يفتح فصلًا جديدًا داخل البلدية، التي تعيش أصلًا أزمة داخلية مركبة تتداخل فيها الخلافات على الصلاحيات والإدارة وآليات اتخاذ القرار. وبينما يرى فريق أن الخطوة قد تزيد التوتر داخل البلدية وتعمّق الانقسامات القائمة، يعتبر مطّلعون أن إبعاد القوّام قد يكون المدخل الضروري لإعادة ضبط جهاز الشرطة البلدية بعد مرحلة طويلة من الترهل والتراخي وتراجع الفاعلية.
في السياسة تُقال عبارة مألوفة: «المعرفة قوة». وهي صحيحة إلى حدٍّ بعيد. فالمعلومة تمنح صاحبها قدرة على الفهم، والفهم يمنحه قدرة على التأثير، والتأثير يفتح باب القرار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى وسيلة للنفوذ فقط. في المنطق القرآني، المعرفة ليست امتيازًا بلا تبعة. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾. أي إن ما نسمعه ونراه وندركه لا يبقى خارج دائرة المحاسبة. ماذا نفعل؟ سياسيًا، تختصر هذه الآية سؤالًا بالغ الأهمية: ماذا نفعل بما نعرف؟ هذا السؤال أكثر أهمية من كمية المعلومات التي نملكها، لأن السياسة لا تُقاس فقط بقدرة المسؤول على قراءة الوقائع، بل بقدرته على تحويل هذه القراءة إلى قرار يخدم الناس ويحصّن الدولة. من هذه الزاوية يمكن النظر إلى جانب أساسي من تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ففي جوهر مشروعه، لم تكن معرفة العالم ترفًا، ولم يكن الانفتاح على الخارج خروجًا من لبنان، بل محاولة لوضع لبنان داخل حركة العالم. كانت الفكرة تقوم على أن بلدًا صغيرًا ومفتوحًا مثل لبنان لا يستطيع أن يبني مستقبله بعقل منغلق، ولا أن يحمي مصالحه من دون أن يفهم الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية والتحولات الإقليمية. المعرفة هنا لم تكن هدفًا بحدّ ذاتها، بل مدخلًا إلى الفعل: تعليم، إعمار، علاقات، استثمار، مؤسسات، وفرص. وهذا هو الفارق بين من يستخدم المعرفة لكي يتفوّق على خصمه، ومن يستخدمها لكي يبني. في الحياة السياسية اللبنانية، كثيرًا ما تُستهلك المعرفة في الصراع: من يعرف أكثر عن خصمه؟ من يمتلك معلومات أدق؟ من يستطيع أن يحرجه أو يحاصره أو يسبقه بخطوة؟ لكن الدولة لا تُبنى بهذه العقلية وحدها. الدولة تحتاج إلى معرفة من نوع آخر: معرفة حاجات الناس، وتحولات المجتمع، وأرقام الاقتصاد، ونقاط ضعف الإدارة، واتجاهات العالم، وموقع لبنان داخل كل ذلك. من دون هذه المعرفة تصبح السياسة ارتجالًا، ومن دون المسؤولية تصبح المعرفة نفسها انتهازية. skip render: ucaddon_material_block_quote استعادة الإرث لهذا، فإن استعادة الإرث الحريري لا ينبغي أن تقتصر على استحضار الاسم أو الحنين إلى مرحلة سياسية بعينها، بل على استعادة منهج في التفكير: أن تعرف الواقع قبل أن تتحدث عنه، وأن تفهم التحولات قبل أن تتخذ موقفًا منها، وأن تضع المصلحة العامة قبل استخدام المعلومة في الصراع. هذه مسؤولية تنطبق على كل عمل سياسي، لكنها تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تيار المستقبل، إذا أراد أن يعيد تعريف دوره انطلاقًا من إرثه السياسي والفكري. المطلوب ليس فقط خطابًا يعرف ماذا يريد الناس أن يسمعوا، بل عقل سياسي يعرف ماذا يحتاج البلد أن يفعل. الفرق كبير بين السؤالين؛ الأول ينتج شعبوية، والثاني قد ينتج دولة. لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الفهم. لا يحتاج فقط إلى من يصف أزماته، بل إلى من يعرف كيف يقرأ أسبابها وتداخلاتها، ثم يقدّم خيارات قابلة للحياة. حين تصبح المعرفة تكليفًا، تبدأ السياسة بالخروج من منطق النفوذ إلى منطق الخدمة ولهذا، قد يكون أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في السياسة اللبنانية اليوم هو الانتقال من: «ماذا نعرف لكي نغلب؟» إلى: «ماذا نعرف لكي نخدم؟». في السؤال الأول، المعرفة سلاح، وفي الثاني، المعرفة أمانة. وربما هنا يكمن أحد الفروق الأساسية بين السياسي ورجل الدولة. السياسي قد يعرف كيف يستخدم اللحظة. أما رجل الدولة، فعليه أن يعرف كيف يقرأ ما بعدها. وهذا، في أحد أعمق معانيه، ما يجعل المعرفة مسؤولية لا امتيازًا. فالمشكلة ليست أن نعرف أقل، بل أن نعرف، ثم نتصرف كأننا لا نعرف. skip render: ucaddon_box_testimonial
أعزَّ الله عزَّ الدين القسّام ونسله، وأذلَّ إسرائيل وزبانيتها أينما ثُقِفوا. لا مجال هنا للتأويل أو الاجتهاد. الأمر قطعيّ ونهائيّ، لا يتغيّر بتغيّر الأزمنة والظروف، ولا مجال للمزايدة والشعبوية. لكن أن يؤول قطاع حيوي وأساسي كقطاع الكهرباء، في مدينة هي العاصمة الثالثة للبلد، ليقع في يد جهة بعينها معروفة الميول السياسية والحزبية بشكل واضح للجميع، فعندها تصبح المسألة مسألة أمن قومي، لا عبث فيها ولا سكوت عنها بحجّة الغباء أو قِصر النظر. تتحفنا بلدية صيدا، بين الحين والآخر، بصورة وخبر لتقول إن المنطقة الفلانية من المدينة باتت بحوزة صاحب المولّد الفلاني… لا أستثني أحدًا من أصحاب المولّدات الخاصة قديمهم وجديدهم، على فظاعة ما اقترفوه بحق المواطنين على مدى سنين، لكن قليل من «الفطنة» وبُعد النظر… وحتى لو كانت الخطوة تتمثّل بنقل امتياز توليد الكهرباء من المولّدات الخاصة من شخص إلى آخر، من الغباء حُكمًا، بغضّ النظر عن الظروف التفصيلية، أن تتمركز الغالبية العظمى بيد شخصين معروفين في المدينة ومحسوبين على «حركة المقاومة الإسلامية» حماس. ليس في الأمر تهمة، بل تنبيه مشروع، ففي زمن العربدة والطغيان الإسرائيلي، ما الذي يمنع مسيّرة أو صاروخًا من تفجير مولّد بحجّة أن صاحبه ينتمي إلى حماس؟ ماذا لو قُصفت كل المولّدات التي باتت لأشخاص مؤيدين للحركة تحت هذه الحجّة؟ عندها تدخل المدينة في ظلام دامس من الصعب الخروج منه. لا تحتاج آلة الحرب الإسرائيلية إلى ذريعة، يكفيها أن تتابع صفحة البلدية على فايسبوك، لكن من السذاجة أن نمنحها سببًا، وألّا نرى أبعد من أنوفنا، وألّا ندرك أبعاد خطوات قد تجرّ الويلات على البلدية نفسها وأعضائها، وتاليًا على صيدا برمتها، بحجج لا تنتهي عند الأميركيين والإسرائيليين تحت عنوان شماعة «الإرهاب». المطلوب اليوم من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاعلة في المدينة تدارك الأمر قبل حصول ما لا تُحمد عقباه. الطاقة ليست تيارًا كهربائيًا أو مادة سائلة، إنها شريان حياة آلاف الناس، ولا يجب أن تكون محتكرة بيد شخص، مهما حسنت نواياه. هل خلت المدينة من أصحاب أموال ومستثمرين لا غبار عليهم، بالطبع لا…