ليس السؤال الأكثر إزعاجًا في لبنان ما إذا كانت الديمقراطية قد انهارت، بل ما إذا كان اللبنانيون يعيشون ديمقراطية حقيقية بالمعنى الذي يجعل المواطن شريكًا في صناعة السلطة ومراقبتها، أم أنهم يعيشون نظامًا سياسيًا أتقن الاحتفاظ بكل طقوس الديمقراطية بعدما تخلّص تدريجيًا من جوهرها. فالانهيار الديمقراطي لا يحتاج بالضرورة إلى دبابة تدخل القصر الجمهوري أو إلى جنرال يعلن تعليق الدستور. يمكن أن يحدث من داخل المؤسسات نفسها، حين تبقى الانتخابات قائمة، والبرلمان قائمًا، والأحزاب حاضرة، وصناديق الاقتراع مفتوحة، لكن يتآكل في المقابل الاعتقاد بأن المواطن قادر فعلًا على تغيير السلطة أو محاسبتها، وتتحول العملية الانتخابية من أداة لتجديد النظام السياسي إلى آلية لإعادة شرعنته وإنتاجه بصورة مختلفة. وهذا تحديدًا ما يجعل الحالة اللبنانية أكثر خطورة من مجرد أزمة سياسية عابرة، لأن المشكلة لا تكمن في غياب الديمقراطية بمعناها الإجرائي، وإنما في انفصال الإجراء عن القدرة على إنتاج التغيير. فاللبناني يذهب إلى صندوق الاقتراع، لكنه غالبًا ما يجد نفسه أمام منظومة سياسية تعيد إنتاج نفسها عبر الطوائف، وشبكات الزبائنية، والخدمات، والخوف من الآخر، وموازين القوى، أكثر مما تفعل عبر برامج وطنية متنافسة على تعريف الدولة والمصلحة العامة. تتغير الوجوه أحيانًا، وتتبدل التحالفات والشعارات، لكن البنية العميقة التي تنتج السلطة تبقى أكثر صلابة من نتائج الانتخابات نفسها، فيصبح السؤال ليس من يفوز في الانتخابات، بل ما الذي تستطيع الانتخابات أن تغيّره فعلًا. فقدان الإيمان بالتغيير الديمقراطية لا تقوم فقط على حق المواطن في التصويت، وإنما على إيمانه بأن صوته قادر على إنتاج نتيجة مختلفة. وهذا أحد أكثر العناصر التي تعرضت للتآكل في التجربة اللبنانية، لأن المواطن الذي ينتخب ثم يكتشف أن الدولة لا تزال عاجزة، والخدمات العامة تتراجع، والقضاء لا يملك استقلاله الكامل، والاقتصاد يضيّق عليه، والمال العام بلا حماية كافية، وفرص العمل تتقلص، والهجرة تتحول من خيار إلى ضرورة، يبدأ تدريجيًا بفقدان الإيمان بفعالية مشاركته السياسية. وعندما يفقد المواطن هذا الإيمان، لا ينسحب بالضرورة من السياسة، بل يبحث عن بديل للدولة. يعود إلى الطائفة باعتبارها شبكة أمان، وإلى الزعيم باعتباره وسيطًا، وإلى الحزب باعتباره مؤسسة خدمات وحماية، وإلى العائلة باعتبارها ضمانة، أو إلى الهجرة باعتبارها المخرج الأخير. وهنا تظهر المفارقة اللبنانية الأكثر قسوة: كلما ضعفت الدولة ازدادت حاجة المواطن إلى القوى السياسية التي شاركت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إضعافها. تتحول الزبائنية بذلك من مرض في النظام إلى آلية للبقاء داخله، ويصبح السياسي ضروريًا لأن الدولة غائبة، فيما تزداد الدولة غيابًا كلما أصبح السياسي أكثر ضرورة. skip render: ucaddon_material_block_quote الطائفية وصناعة الخوف المشكلة في الطائفية اللبنانية ليست فقط أنها تقسم المجتمع إلى جماعات، وإنما أنها تستطيع إعادة تعريف معنى «الشعب» نفسه. فبدلًا من أن يكون اللبناني مواطنًا في دولة واحدة، يصبح عضوًا في جماعة تحتاج دائمًا إلى ممثل يحميها من الجماعات الأخرى، وعندها لا يعود السياسي مضطرًا إلى الدفاع عن حصيلة حكمه بقدر ما يصبح مطالبًا بإقناع جمهوره بأن البديل عنه يمثل خطرًا على الجماعة التي يدّعي تمثيلها. هنا يتحول الخوف إلى رأسمال سياسي، وتصبح الهزيمة الانتخابية تهديدًا وجوديًا، والتنازل خيانة، والتسوية ضعفًا، والخصم عدوًا، والانتخابات معركة بقاء. وبذلك يصبح السياسي قادرًا على تحويل فشله في إدارة الدولة إلى نجاح في إدارة الخوف، لأن الجمهور الذي يخشى خسارة جماعته قد يغفر لزعيمه عجزه عن إصلاح الدولة، لكنه لا يغفر له أن يخسر المعركة مع الجماعات الأخرى. وهذه هي النقطة التي تجعل الطائفية أكثر من مجرد مشكلة هوية أو تركيبة دستورية؛ إذ يمكن أن تتحول إلى اقتصاد متكامل للسلطة، حيث يقدم الزعيم الحماية، وتقدم الطائفة الولاء، وتصبح الدولة ساحة تتنافس فيها القوى على الموارد والمواقع والنفوذ. وفي هذه المعادلة، لا تعود المواطنة العلاقة الأساسية بين الفرد والدولة، بل يصبح الانتماء الجماعي البوابة التي يمر عبرها المواطن للوصول إلى حقوقه. دولة الحقوق وجمهورية الواسطة الدولة الحديثة تقول للمواطن إن الخدمة حق، أما الدولة الزبائنية فتقول له إن الخدمة معروف، والفرق بين العبارتين ليس تفصيلًا لغويًا، بل فارق بين نموذجين سياسيين كاملين. في الحالة الأولى يتعامل المواطن مع مؤسسة تحكمها قواعد عامة، وفي الثانية يتعامل مع شخص يملك القدرة على فتح الأبواب المغلقة. وحين تصبح الواسطة الطريق الطبيعي إلى الوظيفة أو الخدمة أو المساعدة أو الحماية، فإن المواطن لا يفقد فقط جزءًا من استقلاله الاقتصادي، بل من استقلاله السياسي أيضًا. فالإنسان الذي يحتاج إلى السياسي لكي يحصل على حق يفترض أن تمنحه الدولة إياه يصبح أقل قدرة على محاسبته. ومن هنا تبدأ الديمقراطية بالانقلاب على وظيفتها الأساسية؛ إذ ينتخب المواطن ممثله لكي يبني الدولة، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى العودة إليه للحصول على ما يفترض أن تمنحه الدولة أصلًا. وهكذا يصبح السياسي ضروريًا لأن الدولة غائبة، وتصبح الدولة أضعف لأن السياسي أكثر حضورًا، وتصبح الواسطة بديلًا عن القانون، والولاء بديلًا عن المواطنة. اقتصاد الريع ينتج سياسة الريع لا يمكن فهم الأزمة الديمقراطية اللبنانية بعيدًا عن الأزمة الاقتصادية، لأن الديمقراطية تحتاج إلى مواطن يتمتع بقدر معقول من الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، بينما المواطن الذي يعيش تحت ضغط الحاجة يصبح أكثر قابلية للارتهان السياسي. وحين يتراجع الاقتصاد المنتج، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتصبح فرص العمل محدودة، ويتقدم اقتصاد الخدمات والريع والتحويلات وشبكات المصالح، تتحول السياسة بصورة طبيعية إلى امتداد للاقتصاد الريعي. في هذه البيئة، لا يعود السؤال السياسي الأساسي أي مشروع يمتلك القدرة على بناء الدولة، بل من يملك شبكة العلاقات الأوسع، ومن يستطيع تأمين الوظيفة، وتمرير المعاملة، والتدخل لدى الإدارة، وفتح الباب المغلق. وعندها تتحول الدولة إلى سوق للنفوذ، والانتخابات إلى موسم لإعادة توزيعه، فيما يصبح المواطن نفسه جزءًا من سوق سياسية لا يستطيع الانسحاب منها، لأنه يحتاج إلى ما تقدمه هذه الشبكات في ظل غياب دولة قادرة على توفير حقوقه بصورة عادلة. يصبح السياسي ضروريًا لأن الدولة غائبة، فيما تزداد الدولة غيابًا كلما أصبح السياسي أكثر ضرورة الجدارة» والامتياز السياسي والطائفي ثمة وهم آخر يهدد الديمقراطية، يتمثل في الاعتقاد بأن من وصل إلى القمة وصل إليها لأنه الأكثر كفاءة، وأن من بقي في القاع يتحمل وحده مسؤولية فشله. لكن هذا الوهم يكتسب في لبنان شكلًا أكثر تعقيدًا عندما تتحول الجدارة من مفهوم فردي إلى سردية جماعية؛ فكل طائفة تمتلك روايتها عن أحقيتها، وكل زعيم رواية عن دوره التاريخي، وكل حزب تفسيرًا لسبب وجوب بقائه في السلطة. بهذه الطريقة تصبح الانتخابات أقل ارتباطًا بمحاسبة الأداء وأكثر ارتباطًا بإعادة تأكيد الانتماء. ونادرًا ما يذهب السياسي إلى ناخبيه ليقول إن تجربته فشلت وإن الوقت حان لكي يرحل، لأن لديه دائمًا تفسيرًا جاهزًا يحمّل الآخرين مسؤولية الفشل أو يقدم بقاءه باعتباره ضرورة لحماية الجماعة. هنا تفقد الديمقراطية وظيفتها الأساسية المتمثلة في مكافأة النجاح ومعاقبة الفشل، لأن الفشل نفسه
في 11 آب الجاري، أقرّ مجلس النواب اللبناني، في جلسة تشريعية مثيرة للجدل، قانون الإعلام الجديد، بعد مخاض برلماني عسير ونقاشات دامت أكثر من 16 عاماً في اللجان النيابية المشتركة. جاء القانون الجديد ليحمل جملة من الإصلاحات الهيكلية والتحديثية الهامة التي طالبت بها المنظمات الدولية، حيث ألغى «محكمة المطبوعات» والمحاكم الاستثنائية لصالح قضاء مدني متخصص، وحظر تماماً محاكمة الصحافيين أمام المحكمة العسكرية، وأدخل الإعلام الإلكتروني والمنصات الرقمية ضمن إطار قانوني يحمي حرية التأسيس دون تراخيص مسبقة. لكن الصدمة الكبرى والانتكاسة الحقوقية التي فجّرت غضب المنظمات الحقوقية والإعلامية تمثّلتا في رفض البرلمان تعديل المادة 104 من القانون، إذ أصرّ المشرّع على إبقاء التجريم الجنائي وعقوبة السجن وحبس الصحافيين في حالات «النشر المتعمّد للمعلومات الكاذبة أو التشهير والقدح بحق المقامات ورؤساء الدول». وسجّلت جهات حقوقية وإعلامية، كما وزير الإعلام بول مرقص نفسه، اعتراضها الرسمي على بقاء بنود الحبس، واعداً بتقديم مشروع قانون معجّل مكرّر لإلغائها. من المستفيد؟ ويظهر أن المستفيد الأوحد من الإبقاء على عقوبة الحبس في قانون الإعلام الجديد لعام 2026 هو التحالف المالي-السياسي الحاكم و«كارتيل المصارف» وأركان السلطة الذين تسببوا في الانهيار الاقتصادي للبلاد. تدرك هذه المنظومة الشائخة أن بقاء عقوبة السجن، حتى وإن لم تُنفّذ بكثافة، يعمل كسيف مُصلت ومرعب يُحجّم الصحافة الاستقصائية الرقمية، ويمنع تتبّع الأصول والأموال المهرّبة، ويحمي الشخصيات السياسية والمصرفية من الملاحقة الشعبية والإعلامية. إنها محاولة تشريعية أخيرة لحماية الذات وتأمين الحصانة الجنائية لطبقة سياسية تخشى الحقيقة وتستعين بالزنزانة لمدّ عمر نفوذها. ففي الوقت الذي تسوّق فيه السلطة، على الدوام، ذريعة أن نقد الرموز الطائفية والدينية يهدد «السلم الأهلي ويثير الفتن المذهبية» في بلد متعدد ومفتت، يقول الواقع إن هذا الأمر يُستغل لمنع قيام صحافة استقصائية عابرة للاصطفافات المذهبية، كفيلة بتعرية صفقات المحاصصة المشتركة بين قادة الطوائف، حيث يغدو التجريم أداة لحفظ «ستاتيكو» النظام الطائفي. في واقع الأمر، فإن التشريعات اللبنانية تنطلق من فرضية مقلوبة ومخالفة للفقه الدولي، وهي أن الموظف العام والسياسي يتطلبان حماية قانونية وجنائية مفرطة ومشددة ضد النقد، عبر نصوص تحقير الرؤساء والمقامات. في حين أن المعايير الدولية ترى أن الشخصية العامة التي تدير الشأن العام يجب أن تكون أكثر سعة صدر وتحمّلاً للنقد والمكاشفة من المواطن العادي، كونها تتعامل مع أموال المجتمع وسياساته. skip render: ucaddon_material_block_quote الحكاية… من البداية لم يكن النص التشريعي الجزائي في تاريخ لبنان يوماً أداة محايدة لتنظيم حقل النشر أو لترتيب البيت الإعلامي، بل مثّل، على الدوام، مرآة صقيلة تعكس طبيعة الموازين السياسية والأمنية والطائفية المهيمنة في كل حقبة. إن الإبقاء على عقوبات السجن والتدابير السالبة للحرية بحق الصحافيين والمفكرين، كما تبدّى من المادتين الجدليتين 104 و105 في قانون الإعلام الجديد، يذكّر بتاريخ مديد من ممارسات شبيهة، لم يكن التجريم، في أيّ منها، هفوة تشريعية أو قصوراً تقنياً من المشرّع اللبناني، بل جرى تصميمه بعناية فائقة ليكون «هندسة واعية للخوف» تهدف إلى فرض الرقابة الذاتية وتطويق الأقلام الحرة. فتتبّع البنية الجنائية لقوانين الإعلام والصحافة عبر خمسة عهود تاريخية يظهر بوضوح كيف تبدّلت هوية «المستفيد الأول»، من سلطة المستعمر العسكري إلى النخب الإقطاعية والسياسية الناشئة بعد الاستقلال، مروراً بأجهزة الوصاية الاستخباراتية، وصولاً إلى كارتيل المصارف والزعامات المذهبية في العصر الراهن، حيث بقيت الزنزانة هي الثابت الوحيد والمشترك لحماية الامتيازات وحظر المساءلة. تأسيس رقابة العسكر بدأت المأسسة القانونية لقمع الكلمة في لبنان مع دخول الجيوش الفرنسية وإعلان دولة لبنان الكبير، حيث سارعت سلطة الانتداب إلى إصدار سلسلة من القرارات التنظيمية الصارمة عبر «المفوض السامي الفرنسي». تميّزت هذه المرحلة التشريعية بدمج مطلق بين القرار الإداري والعقوبة العسكرية؛ إذ منح المفوض السامي نفسه صلاحيات استثنائية كاملة تخوّله إغلاق الصحف، ومصادرة أعدادها، وسحب تراخيصها بقرار إداري مباشر، دون الحاجة إلى اللجوء إلى أي جهاز قضائي. وتضمنت القوانين الصادرة آنذاك مواد فضفاضة تجرّم أي كتابة أو نشر يُشمّ منه إثارة النعرات ضد دولة الانتداب، أو انتقاد جيوش الحلفاء، أو المساس بالهيبة الفرنسية. تضاعفت هذه الإجراءات مع اندلاع الحرب العالمية الثانية بين عامَي 1939 و1944، حيث فُرضت رقابة عسكرية مشددة، وشُطب المقال من المنبع بمقصّ الرقيب، وغدا سجن الصحافيين وتوقيفهم في قلاع عسكرية وسيلة مألوفة وعنيفة. وكان المستفيد الأوحد والمباشر من هذه البنية الجنائية الصارمة هو سلطة الانتداب الفرنسي ومشاريعها الاستعمارية في الشرق؛ فقد كانت فرنسا بحاجة ماسة إلى تهدئة الساحة اللبنانية، وضمان عدم تحوّل الصحافة إلى منبر وطني جامع يطالب بجلاء الجيوش والسيادة الكاملة. إن تجريم الكلمة وسجن أصحابها مكّنا الإدارة الفرنسية من عزل النخب الفكرية اللبنانية عن الجماهير، وحظر أي نقاش عمومي حول نهب الموارد الاقتصادية المحلية أو فرض الامتيازات الأجنبية، ما جعل القمع مادة حيوية لتثبيت شرعية الوجود الفرنسي الاستعماري وإطالة أمده بالحديد والنار والقانون. من الانتداب إلى الوصاية، ومن أمراء الطوائف إلى كارتيل المصارف، تغيّرت الوجوه وبقي تجريم الكلمة عهد الاستقلال والجمهورية الأولى (1943 – 1975): حصانة للنخب الحاكمة! مع نيل لبنان استقلاله، تطلعت الأوساط الثقافية إلى ولادة فجر تشريعي جديد يواكب البند الدستوري الذي كرّس حرية التعبير. إلا أن السلطة الوطنية الناشئة ورثت العقلية الرقابية ذاتها للمستعمر، وأعادت صياغتها في قوالب محلية. تُوّجت هذه المرحلة بصدور قانون المطبوعات في 14 أيلول 1962، والذي شكّل المرجعية القانونية الأساسية لقطاع الصحافة لعقود. وبدلاً من إلغاء نصوص الحبس، قام المشرّع اللبناني بتثبيتها وتوسيع نطاقها؛ فاستحدث مواد صارمة تجرّم القدح والذم والتحقير بحق رؤساء الدول والبعثات الدبلوماسية ومؤسسات الدولة الرسمية. حقبة الحرب الأهلية (1975 – 2000): عقوبات غير مسبوقة ومع اندلاع الحرب الأهلية وتآكل هيبة الدولة، صدر المرسوم الاشتراعي رقم 104 عام 1977 ليزيد المشهد قتامة؛ إذ شدّد العقوبات المادية والجسدية بشكل غير مسبوق، وأجاز صراحة التوقيف الاحتياطي للصحافيين، ومنح السلطة التنفيذية، ممثلة بوزارة الإعلام ومجلس الوزراء، حق التعطيل الإداري الفوري والتحفظي للمطبوعات قبل صدور أي حكم قضائي مبرم. في هذه الحقبة، انتقلت الاستفادة من تجريم الصحافة إلى النخبة الإقطاعية والسياسية اللبنانية الناشئة ورجال الحكم في الجمهورية الأولى. وظّف زعماء العائلات السياسية والطبقة الأوليغارشية الجديدة نصوص الذم والقدح كحصن منيع يمنع النقد أو الغوص في الفساد الإداري والمالي الذي رافق بناء مؤسسات الدولة. وصُمّمت العقوبات لمنع الصحافة الاستقصائية الوليدة من تفكيك شبكات الزبائنية والمحسوبية التي ارتكزت عليها الزعامات التقليدية، ما جعل من سجن الصحافي أداة لحفظ السلم الطبقي والسياسي لهذه النخبة، وإعادة إنتاج سلطتها التقليدية تحت غطاء حماية السمعة الشخصية ومقامات الدولة المعصومة. عهد الوصاية السورية (1990 – 2005): رقابة المخابرات عقب اتفاق الطائف ودخول لبنان حقبة السلم الأهلي الهش تحت ظلال النفوذ السوري، اتخذ قمع الصحافة بُعداً بنيوياً وأمنياً معقداً. تميّزت هذه المرحلة بوجود ازدواجية وتشوه تشريعي صارخ؛ فرغم إقرار تعديل قانوني بارز عام 1999 قضى نظرياً بإلغاء التوقيف الاحتياطي في جرائم
لم يعد الشرق الأوسط الجديد مشروعاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات أو يُستدعى في لحظات التسويات السياسية، بل يبدو أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة إعادة تشكيل لنظامها الإقليمي، ولكن وفق قواعد مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت التصورات التي ظهرت في أعقاب حرب الخليج ومؤتمر مدريد عام 1991. فمعاهدة الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمال انضمام دول أخرى إليها، ولا سيما مصر، لا تبدو مجرد ترتيب أمني لمواجهة تهديد محدد، وإنما يمكن قراءتها بوصفها نواة محتملة لنظام إقليمي أوسع، تتداخل فيه اعتبارات الأمن مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتجارة والممرات البرية والبحرية. الأهمية الاستراتيجية لهذه المعادلة لا تكمن فقط في حجم القوى العسكرية التي يمكن أن تتجمع داخلها، بل في نوعية التكامل الذي يمكن أن تنتجه. فالسعودية تمتلك القدرة المالية والطاقة ومشروعات البنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة وموقعاً جغرافياً يصل الشرق بالغرب، فيما تضيف باكستان كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، فضلاً عن امتلاكها قوة نووية. وإذا استطاعت هذه الدول تحويل هذه العناصر إلى مصالح مترابطة وسياسات مشتركة، فإننا لا نكون أمام تحالف دفاعي تقليدي، بل أمام محاولة لبناء مركز ثقل إقليمي قادر على إنتاج قدر من الاستقلال الاستراتيجي. فالشرق الأوسط الجديد الذي روّج له شيمعون بيريز في تسعينات القرن الماضي كان قائماً على تصور مختلف تماماً؛ إسرائيل في قلب المنظومة، ورأس المال الخليجي في تمويلها، والقوة البشرية المصرية في تشغيلها، مع تحويل التسوية العربية–الإسرائيلية إلى بوابة لاندماج اقتصادي وتكنولوجي إقليمي تكون إسرائيل أحد محركاته الأساسية. أما المسار الذي يتبلور اليوم، فيبدو وكأنه يعيد صياغة الفكرة نفسها ولكن بعد حذف العنصر الذي كان يفترض أن يكون مركزها: إسرائيل. skip render: ucaddon_material_block_quote من التسوية إلى التوازنات الفارق بين المشروعين ليس في الأدوات فقط، بل في فلسفة النظام الإقليمي ذاته. مشروع التسعينات كان يفترض أن يؤدي السلام العربي–الإسرائيلي إلى إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية والسياسية، بحيث تتحول إسرائيل من دولة محاطة بالصراعات إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والاستثمار والاتصالات والبنية التحتية. أما اليوم، فإن إعادة بناء النظام الإقليمي تبدو أكثر ارتباطاً بموازين القوة المباشرة، وبالحاجة إلى ملء الفراغ الذي خلفه تراجع أدوار إقليمية كانت مهيمنة خلال العقدين الماضيين. وهذا التحول يفسر جانباً مهماً من القلق الإسرائيلي. فقد كانت إسرائيل تنظر إلى انحسار النفوذ الإيراني في المشرق باعتباره فرصة استراتيجية لتوسيع هامش حركتها وترسيخ تفوقها الإقليمي. غير أن المشكلة ظهرت عندما بدأ الفراغ الناتج عن تراجع إيران يجذب قوى أخرى، وفي مقدمتها تركيا والسعودية، بدلاً من أن يتحول تلقائياً إلى مجال نفوذ إسرائيلي. فأن تواجه إسرائيل إيران وحدها شيء، وأن تجد نفسها أمام بيئة إقليمية تتنامى فيها قدرات تركيا والسعودية وترتبط بقوة نووية مثل باكستان شيء مختلف تماماً. وفي الحالة الثانية، يصبح التفوق العسكري الإسرائيلي جزءاً من معادلة أوسع، لا العامل الوحيد القادر على تحديد اتجاهاتها. ثلاث دول ومصالح متكاملة قوة هذا الترتيب المحتمل لا تأتي من تشابه الدول الثلاث، بل من اختلاف عناصر القوة لديها. السعودية ليست تركيا، وتركيا ليست باكستان، وهذا تحديداً ما يمكن أن يجعل التكتل أكثر أهمية إذا تحولت الاختلافات إلى تكامل. السعودية تمتلك رأس المال والطاقة والقدرة على الاستثمار طويل الأمد في قطاعات تتجاوز النفط، من المدن الذكية والبنية الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة. تركيا تمتلك قاعدة صناعية متنوعة، وقدرات دفاعية متنامية، وخبرة في الصناعات الجوية والمسيرات والصواريخ والسفن والأنظمة الإلكترونية، إلى جانب موقعها الذي يمنحها قيمة جيوسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط التقليدية. أما باكستان، فتمنح التكتل عمقاً سكانياً وعسكرياً واستراتيجياً، وتضيف إلى المعادلة عاملاً لا تمتلكه معظم القوى الإقليمية الأخرى: الردع النووي. وبالتالي، فإن المسألة ليست في جمع ثلاثة أرقام عسكرية أو اقتصادية، وإنما في جمع ثلاث وظائف استراتيجية مختلفة داخل منظومة واحدة: التمويل السعودي، والتصنيع والتكنولوجيا التركية، والكتلة البشرية والردع الباكستاني. وإذا أضيفت مصر إلى هذه المعادلة، فإن التوازن سيأخذ بعداً آخر، لأن القاهرة تضيف ثقلاً سكانياً وعسكرياً وجغرافياً يربط الخليج بالبحر الأحمر والبحر المتوسط وشمال أفريقيا، ويمنح المشروع المحتمل امتداداً جغرافياً يصعب تجاهله في أي حسابات تتعلق بالممرات التجارية والأمن البحري. مشكلة أكبر من التحالف لهذا السبب، فإن القلق الإسرائيلي لا يتعلق فقط باحتمال قيام تحالف عسكري جديد، وإنما بما يمكن أن ينتجه هذا التحالف من إعادة توزيع لمراكز القرار الإقليمي. إسرائيل اعتادت خلال العقود الماضية أن تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره بيئة تتحرك فيها من موقع التفوق العسكري والتكنولوجي، بينما تعتمد في أمنها الاستراتيجي على المظلة الأميركية. لكن ظهور ترتيبات إقليمية تستطيع فيها دول عربية وإسلامية جمع المال والسلاح والتكنولوجيا والعمق البشري والردع الاستراتيجي، قد يحد من قدرة إسرائيل على فرض قواعد اللعبة منفردة. الأكثر حساسية بالنسبة إلى تل أبيب أن هذه المنظومة المحتملة لا تبدو مشروطة بالتطبيع معها. وهذا يضرب في مكان حساس التصور الإسرائيلي الذي ربط لفترة طويلة بين إعادة ترتيب الشرق الأوسط وبين دمج إسرائيل فيه اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. فإذا أمكن بناء شبكة إقليمية للأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا من دون أن تكون إسرائيل جزءاً منها، فإن السؤال لن يعود: كيف ندمج إسرائيل في الشرق الأوسط؟ بل: كيف تتعامل إسرائيل مع شرق أوسط يعيد بناء نفسه من دون أن ينتظر موافقتها؟ الفارق هائل بين أن تكون إسرائيل مركز النظام، وبين أن تصبح مجرد قوة داخله واشنطن وإعادة توزيع الأعباء لكن اختزال التطورات في أنها محاولة أميركية لتحجيم إسرائيل سيكون قراءة مبسطة. الولايات المتحدة لا تزال ترى في إسرائيل شريكاً استراتيجياً أساسياً، ولا توجد مؤشرات جدية على أنها مستعدة للتخلي عنها. إلا أن ذلك لا يعني أن واشنطن تريد استمرار اعتمادها الكامل على إسرائيل في إدارة أمن المنطقة. التحول الأميركي الأعمق يرتبط بإعادة تعريف الدور الأميركي نفسه. فالولايات المتحدة تواجه منافسة دولية متزايدة، خصوصاً مع الصين وروسيا، وتحتاج إلى تخفيض كلفة انتشارها العسكري والسياسي، وإلى قوى إقليمية تستطيع تحمل جزء أكبر من أعباء الأمن والاستقرار. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى صعود السعودية وتركيا وباكستان باعتباره فرصة أميركية بقدر ما هو تحدٍ إسرائيلي. فالولايات المتحدة قد تكون أكثر ارتياحاً إلى شرق أوسط قادر على إنتاج توازناته الداخلية، بدلاً من أن تضطر واشنطن إلى التدخل في كل أزمة، واحتواء كل فراغ، وتسوية كل صراع. وهذا لا يعني أن أميركا ستترك المنطقة، وإنما أنها قد تنتقل تدريجياً من دور «الضامن الوحيد» إلى دور «مدير التوازنات». المعركة الحقيقية على الفراغ بعد تراجع النفوذ الإيراني في عدد من ساحات المشرق، لم يعد السؤال الأساسي هو من سيواجه إيران، بل من سيملأ الفراغ الذي تركه تراجعها. فالفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فراغاً؛ سرعان ما يتحول إلى مجال للتنافس بين القوى التي تمتلك القدرة على الاستثمار فيه.