في جلسة تشريعية حبست الأنفاس وأعادت خلط الأوراق جذريا في المشهد الإعلامي اللبناني، أقرّ مجلس النواب قانون الإعلام الجديد، واضعاً بذلك حداً لعقود طويلة من العمل تحت مظلة قانون المطبوعات الصادر عام 1962. خطوة أرادها المشرّع انتقالاً ضرورياً إلى عصر الإعلام الرقمي وتنظيماً لفضاء اتسع كثيراً خارج قدرة النصوص القديمة على مواكبته، لكنها تحولت، فور إقرارها، إلى واحدة من أكثر المواجهات حدة بين السلطة التشريعية والجسم الصحفي في لبنان. فبدلاً من أن يشكّل القانون محطة توافقية تؤسس لمرحلة جديدة في علاقة الدولة بالإعلام، فجّر موجة اعتراض واسعة داخل الأوساط الصحفية والنقابية، بعدما اعتبرت نقابتا الصحافة والمحررين أن الصيغة التي أُقرّت تجاهلت تفاهمات وملاحظات وتعديلات جرى العمل عليها على مدى سنوات طويلة. وما إن أُعلن عن تصويت مجلس النواب على مشروع القانون كما ورد من اللجان النيابية المشتركة، من دون الأخذ بجملة التعديلات التي كان ممثلو الجسم الإعلامي يطالبون بإدخالها، حتى صدرت مواقف نقابية شديدة اللهجة أعلنت رفض القانون بصيغته الحالية، معتبرة أن ما حصل يشكّل التفافاً على مسار تشاركي طويل جمع المشرّعين بممثلي المهنة. المشكلة، من وجهة نظر المعترضين، لم تعد إذاً في مادة قانونية هنا أو صياغة هناك، بل في السؤال الأعمق: من يملك حق رسم مستقبل الإعلام اللبناني، وبأي ضمانات؟ skip render: ucaddon_material_block_quote 16 عاماً من المخاض قصة قانون الإعلام الجديد ليست وليدة اللحظة. فالمشروع خضع على مدى سنوات طويلة لنقاشات ومراجعات وجلسات واستشارات، في محاولة لإنتاج تشريع يخرج الإعلام اللبناني من عباءة قوانين وُضعت في زمن لم يكن فيه إنترنت ولا منصات تواصل اجتماعي ولا مواقع إخبارية إلكترونية ولا إعلام رقمي بالمعنى الذي نعرفه اليوم. وكان الهدف المعلن من المشروع منذ البداية تحديث البيئة التشريعية بما يضمن، في آن واحد، حرية الصحافة وتنظيم المهنة ومواكبة التحولات التكنولوجية. ومن أبرز العناوين التي طُرحت طوال سنوات النقاش: إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، منع التوقيف الاحتياطي للصحفيين بسبب عملهم المهني، الحد من الملاحقات أمام الجهات العسكرية والجزائية، تنظيم المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام الحديثة، ووضع إطار مؤسساتي جديد للقطاع من خلال هيئة وطنية يُفترض أن تتمتع بالاستقلالية. لكن الخلاف انفجر عند المحطة الأخيرة. فبحسب النقابتين، جاءت الصيغة التي أُقرّت في الهيئة العامة مختلفة عن التفاهمات التي نضجت خلال النقاشات السابقة، بعدما جرى تجاوز التعديلات الأخيرة التي كانت محل اتفاق أو تفاهم بين ممثلي الجسم الإعلامي واللجان النيابية المعنية. وهكذا تحوّل القانون الذي كان يفترض أن يكون ثمرة توافق مهني وسياسي واسع إلى مادة جديدة للانقسام. الرفض النقابي لا ينطلق من مبدأ رفض تحديث القوانين أو تنظيم القطاع، بل من الخشية من أن يتحول التنظيم إلى باب إضافي للرقابة والملاحقة، وأن يُعاد إنتاج القيود القديمة بعبارات قانونية جديدة. وتتمحور أبرز الاعتراضات حول مجموعة من النقاط الأساسية. 23 تعديلاً غائباً يرى الجانب النقابي أن خطورة ما حصل لا تكمن فقط في مضمون المواد التي أُقرّت، بل أيضاً في الطريقة التي جرى بها إقرار القانون. فبحسب موقف النقابتين، جرى تجاهل 23 تعديلاً كانت موضع نقاش واتفاق سابق مع اللجنة النيابية للإعلام، قبل أن تصل الصيغة إلى الهيئة العامة من دون تضمينها بالصورة المطلوبة. ومن هنا يأتي الشعور داخل الجسم الإعلامي بأن سنوات الحوار لم تنعكس بصورة فعلية في النص النهائي، وأن الشراكة التي كان يفترض أن تكون أساس التشريع انتهت عند اللحظة الحاسمة. بالنسبة إلى النقابات، ليس الأمر تفصيلاً إجرائياً، بل يمس جوهر العلاقة بين السلطة والمهنة: فإذا كان الصحفيون هم الجهة الأولى التي ستتأثر بالقانون، فهل يجوز إقرار نص ينظم عملهم من دون الأخذ بملاحظاتهم الأساسية؟ المعركة ليست على امتيازات الصحفيين، بل على حق المجتمع في أن يعرف الجزائية باقية؟ إحدى أكثر النقاط حساسية تتعلق بمصير العقوبات والملاحقات القضائية. فالقانون قُدّم بوصفه خطوة نحو إنهاء عصر توقيف الصحفيين وسجنهم بسبب الرأي أو النشر، إلا أن المعترضين يرون أن بعض الصياغات ما زالت تترك أبواباً واسعة أمام الملاحقة. فالعبارات المرتبطة بالسلم الأهلي أو الأمن القومي أو المساس بالرموز أو غيرها من المفاهيم التي يمكن أن تحتمل تفسيرات متعددة تثير مخاوف حقيقية داخل الأوساط الإعلامية. وتخشى النقابات أن يؤدي إبقاء مفهوم «جرائم النشر»، بصيغة مباشرة أو غير مباشرة، إلى استمرار إمكانية اللجوء إلى قانون العقوبات العام، بما يعني أن إلغاء السجن في نص قانون الإعلام قد لا يكون كافياً إذا ظل الصحفي معرضاً للملاحقة عبر قوانين أخرى. وهنا تكمن العقدة الأساسية: هل انتقل القانون فعلاً من منطق العقاب الجزائي إلى منطق المسؤولية المهنية والمدنية، أم أنه اكتفى بتغيير الأدوات والمصطلحات؟ كما يثير ملف الغرامات المالية قلقاً إضافياً، إذ إن الغرامة المرتفعة يمكن، عملياً، أن تتحول إلى عقوبة لا تقل تأثيراً عن التوقيف، ولا سيما بالنسبة إلى الصحفيين المستقلين والمؤسسات الإعلامية الصغيرة التي تعاني أصلاً أزمات مالية خانقة. وحدة الجسم الصحفي الاعتراض الثالث يتعلق بالبنية النقابية نفسها. تحذّر نقابتا الصحافة والمحررين من مواد ترى أنها قد تفتح الباب أمام تعدد كيانات أو أطر مهنية موازية بطريقة تؤدي إلى تفتيت المرجعية النقابية للصحفيين. ومن حيث المبدأ، يمكن النظر إلى التعدد النقابي باعتباره حقاً طبيعياً في أي نظام ديمقراطي، لكن النقابتين تخشيان أن يجري استخدام هذا العنوان لإضعاف المظلة النقابية التقليدية وتفتيت القدرة التفاوضية لأصحاب المهنة. فالجسم الصحفي المنقسم إلى عشرات المرجعيات الصغيرة يصبح أضعف أمام السلطة السياسية وأصحاب رؤوس الأموال والمؤسسات الإعلامية الكبرى. ومن هنا تعتبر النقابتان أن القضية لا تتعلق بالدفاع عن امتياز نقابي بقدر ما تتعلق بالحفاظ على قدرة الصحفيين على التفاوض الجماعي والدفاع عن حقوقهم المهنية والاجتماعية. هيئة مستقلة… عن مَن؟ أما «الهيئة الوطنية للإعلام» فتشكّل بدورها واحدة من أكثر النقاط إثارة للنقاش. فعلى الورق، تبدو فكرة إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم القطاع خطوة متقدمة قياساً بالنماذج التقليدية التي تجعل الإعلام خاضعاً مباشرة لوزارات أو إدارات حكومية. لكن السؤال الحقيقي يكمن في آلية تشكيل هذه الهيئة: من يعيّن أعضاءها؟ ومن يملك سلطة التأثير في قراراتها؟ وما هي حدود صلاحياتها؟ المخاوف النقابية تنطلق من احتمال أن تتحول الاستقلالية إلى صفة شكلية فقط، فيما يبقى النفوذ الفعلي في يد السلطة التنفيذية أو القوى السياسية التي تتحكم بالتعيينات. وفي بلد يقوم نظامه السياسي أساساً على المحاصصة، لا تبدو هذه الهواجس تفصيلاً. فالهيئة التي يُفترض أن تحمي التعددية يمكن، إذا لم تحصّن بنصوص واضحة، أن تتحول إلى جهاز رقابي جديد، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الرقمي أو بالمواقع الإلكترونية أو بآليات الترخيص والمحاسبة. وهنا يصبح الفارق دقيقاً جداً بين تنظيم الإعلام وإخضاع الإعلام. تصعيد نقابي نقابتا الصحافة والمحررين أعلنتا بوضوح أن القانون بصيغته الحالية لن يُتعامل معه باعتباره أمراً واقعاً انتهى النقاش حوله. فالموقف النقابي ينطلق من أن أي تشريع يرسم مستقبل الصحافة، من دون
لم يَعُد الذكاء الاصطناعي يقتصر على كتابة الأخبار أو تلخيصها أو مساعدة غرف الأخبار في إنتاج المحتوى، بل بدأ يقترب من مساحة أكثر حساسية، تتمثّل في إصدار الأحكام على الصحفيين وتقييم مصداقيتهم. وبينما يُسوَّق لهذه الأدوات باعتبارها وسيلة لتعزيز الشفافية والمساءلة، يخشى كثيرون أن تتحوّل إلى آلية جديدة للضغط على الإعلام، ولا سيّما عندما تصبح العدالة الرقمية خدمة تُشترى بالمال. في أبريل/نيسان الماضي، تلقّى الصحفي الأميركي غاري بوم، العامل في مجلة «هوليوود ريبورتر»، رسالة إلكترونية غير مألوفة، تُخطره بأنه أصبح طرفًا في قضية تنظر فيها محكمة تعمل بالذكاء الاصطناعي. لم تكن الرسالة صادرة عن جهة قضائية رسمية، وإنما عن منصة خاصة تحمل اسم «Objection AI»، وهي شركة أعلنت عن خدمة تحكيم مدفوعة تعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي للفصل في النزاعات المتعلقة بالتغطية الصحفية، مقابل رسوم تبدأ من ألفَي دولار، وقد تصل إلى 15 ألف دولار. وتتيح المنصة لأي شخص يعتبر نفسه متضررًا من تقرير صحفي أن يرفع شكوى مقابل رسوم مالية، بينما يتولّى مراجعة الملف محققون سابقون عملوا في مؤسسات أميركية، مثل وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، قبل أن تُحال القضية إلى لجنة تضم نماذج ذكاء اصطناعي من شركات كبرى، مثل «OpenAI» و«Anthropic» و«Google» و«Mistral» و«xAI»، لتصدر قرارها خلال 72 ساعة فقط. ورغم أن هذه الأحكام لا تتمتع بأي صفة قانونية، فإن المنصة كانت تعلن نيتها نشرها في سجل إلكتروني، باعتبارها مؤشرًا على النزاهة المهنية أو العكس، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرة مثل هذه التصنيفات على التأثير في سمعة الصحفيين ووسائل الإعلام، حتى من دون أي قوة قانونية مُلزمة. ويثير المشروع مزيدًا من الجدل بسبب خلفية مؤسسه، المحامي الأسترالي آرين دي سوزا، الذي سبق أن شارك في الحملة القانونية السرية التي موّلها الملياردير بيتر ثيل ضد موقع «Gawker» قبل نحو عقد، وانتهت بإفلاس الموقع بعد صدور حكم قضائي بتعويضات بلغت 140 مليون دولار بسبب انتهاك الخصوصية، وليس بسبب نشر معلومات كاذبة. ويرى منتقدون أن استحضار تلك التجربة لتبرير إنشاء منصة لتقييم الصحفيين يخلط بين حماية الخصوصية ومحاسبة العمل الصحفي، وهما مساران قانونيان مختلفان. skip render: ucaddon_material_block_quote ولم تقتصر الانتقادات على فكرة المحكمة الافتراضية، بل امتدت إلى آليات عملها. فقد نصحت الشركة الأشخاص بعدم إجراء مقابلات صحفية إلا بعد توقيع الصحفي على اتفاق يقضي بإحالة أي نزاع مستقبلي إلى منصة التحكيم الخاصة بها. كما طوّرت أداة كانت تضع علامة «قيد التحقيق» على التقارير المنشورة عبر منصة «إكس» بمجرد تقديم شكوى، حتى قبل التحقق من الأدلة أو سماع رد الصحفي، وهو ما اعتبره خبراء تقويضًا لمبدأ افتراض البراءة. ولم يكن أول المستفيدين من هذه الخدمة أفرادًا عاديين، بل شخصيات نافذة، من بينهم أحد ورثة عائلة ساكلر، التي ارتبط اسمها بأزمة المسكنات الأفيونية في الولايات المتحدة. كما تضمّنت طلبات المراجعة تقارير نشرتها صحف مرموقة، مثل «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال». وتستند الشركة، في تبرير مشروعها، إلى تراجع ثقة الجمهور الأميركي بوسائل الإعلام، وهي ظاهرة وثّقتها استطلاعات مؤسسة «غالوب»، التي أظهرت انخفاض الثقة إلى نحو 28 في المئة، بعدما كانت تقارب 70 في المئة خلال سبعينيات القرن الماضي. غير أن معالجة أزمة الثقة عبر منصات خاصة مدفوعة تثير، بدورها، أسئلة حول استقلالية هذه التقييمات، وإمكان تحوّلها إلى أداة ضغط جديدة على المؤسسات الإعلامية. وبعد أشهر من إطلاق المشروع، اختفت المنصة من الإنترنت، قبل أن تعود في منتصف يوليو/تموز الماضي بهوية مختلفة تحت اسم «The Primary». لكن النسخة الجديدة تخلّت عن فكرة المحكمة الافتراضية، واستبدلت بها منصة لتقييم نحو 20 ألف صحفي، اعتمادًا على ملايين المقالات التي شاركوا في إنتاجها، مع التنويه إلى أن النتائج مجرد تقييمات آلية تعبّر عن رأي الخوارزمية، وليست أحكامًا نهائية. ورغم هذا التغيير، لم تتراجع المخاوف. فالعديد من المدافعين عن حرية الصحافة يحذّرون من انتقال مثل هذه النماذج إلى دول تفتقر أصلًا إلى الضمانات القانونية الكافية لحماية الصحفيين. وفي بيئات تعاني من هشاشة المؤسسات القضائية وضعف استقلال الإعلام، قد تتحوّل التقييمات الآلية إلى وسيلة لتشويه السمعة أو ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الصحفيين، من دون المرور بالإجراءات القضائية التقليدية. ولا يقتصر الخطر على فكرة «المحكمة» نفسها، بل يمتد إلى منح الخوارزميات سلطة معنوية في تحديد مَن هو الصحفي الموثوق، ومَن هو الصحفي المضلّل، في وقت لا تزال فيه هذه الأنظمة تعاني من أخطاء منهجية، وتفتقر إلى الشفافية الكاملة بشأن معاييرها وآليات تدريبها. skip render: ucaddon_box_testimonial
ليس كلّ من امتلك ناصية اللغة صار أهلًا لقيادة المعنى، ولا كلّ من تمرّس في نقل الخبر صار قادرًا على صناعته. فكما يلتبس الفرق بين المعرفة والتفكير، يلتبس أيضًا — بل ويُساء فهمه — الحدّ الفاصل بين الصحافة والسياسة. ذلك الحدّ الذي إذا ما اختُرق بغير وعيٍ أو تواضعٍ معرفي، تحوّل القلم من أداة كشف إلى أداة تشويش، ومن وسيلة مساءلة إلى وسيلة مزايدة. الصحافي، في جوهر مهنته، شاهدٌ مُدرَّب على التقاط الوقائع، تفكيكها، وتقديمها ضمن سياقٍ يُنير الرأي العام. قوّته تكمن في المسافة: تلك المسافة الدقيقة بينه وبين الحدث، التي تتيح له أن يرى ما لا يراه المنخرطون فيه. لكنه حين يتجاوز هذه المسافة، لا ليتعمّق في الفهم بل ليتقمّص دور الفاعل السياسي، يفقد ميزته الأساسية، ويقع في فخّ الدور الذي لا يُحسنه. الصحافي المتطفّل على السياسة لا يدخلها بوصفها حقلًا معقّدًا لإدارة المصالح والتوازنات، بل يتعامل معها كمنصّة خطابية مفتوحة. يخلط بين الجرأة والتهوّر، وبين النقد والبناء، وبين مساءلة السلطة ومنافستها على شعبويةٍ لفظية. وفي هذا الخلط، لا يكتفي بإضعاف موقعه كصحافي، بل يساهم في إفقار المجال السياسي ذاته، إذ يحوّله إلى ساحة ضجيج بدل أن يكون ميدان رؤية. أخطر ما في هذا النمط أنه لا يكتفي بإنتاج خطابٍ سطحي، بل يُغذّي بيئته الاجتماعية والسياسية بوهم الفهم. يقدّم تحليلاتٍ تبدو حادّة، لكنها في العمق مجرّد إعادة صياغة لانفعالاتٍ عامة. يرفع سقف الخطاب إلى حدّ المزايدة، لا ليقترح بدائل حقيقية، بل ليحجز لنفسه موقعًا في دائرة الضوء. وهنا، يتحوّل من ناقلٍ للوعي إلى منتجٍ للوهم. skip render: ucaddon_material_block_quote تتجلّى المعضلة بوضوح حين يوجّه هذا الصحافي خطابه نحو زعامةٍ لم تدّخر جهدًا في خدمة مجتمعها، فيختار أن ينافسها لا في الإنجاز بل في الخطاب. بدل أن يُخضع التجربة للتقييم الموضوعي، ينزلق إلى منطق المفاضلة الشعبوية: من يتكلّم أكثر؟ من يرفع السقف أعلى؟ من يُرضي الانفعالات الآنية للجمهور؟ وهكذا، يُختزل العمل العام — بكلّ تعقيداته — في مباراة لغوية، يخسر فيها الفعل لصالح القول. المزايدة هنا ليست مجرّد خطأ أخلاقي، بل خلل بنيوي في فهم السياسة. فهي تفترض أن القيادة تُقاس بحدّة الخطاب، لا بقدرة الإنجاز؛ وبكمّ الوعود، لا بواقعية البرامج. وحين يتبنّى الصحافي هذا المنطق، فإنه لا ينافس السياسي فحسب، بل يضغط عليه أيضًا نحو الانزلاق إلى الشعبوية ذاتها، فيرتدّ الضرر على المجال العام بأسره. أما على مستوى البيئة التي ينتمي إليها هذا الصحافي، فإن الأثر أشدّ عمقًا وخطورة. إذ يزرع فيها حالة من الالتباس: من يُمثّلها حقًا؟ من يعمل من أجلها، ومن يتحدّث باسمها فقط؟ ومع تكرار هذا النمط، تتآكل الثقة، ليس فقط بالسياسيين، بل أيضًا بالصحافة نفسها. تتحوّل المنابر إلى ساحات صراع شخصي، وتضيع القضايا الحقيقية في زحام الأصوات المرتفعة. ثمّة مفارقة لافتة: هذا الصحافي يظنّ أنه يوسّع هامش الحرية، بينما هو في الواقع يفرّغها من مضمونها. فالحرية لا تُقاس بقدرة الفرد على قول كلّ شيء، بل بقدرته على قول ما يضيف معنى. وحين يغيب هذا المعنى، تتحوّل الحرية إلى ضجيج، ويغدو الخطاب العام مساحة استهلاك لا إنتاج. إن السياسة، بخلاف ما يتوهّم هذا النمط، ليست مجرّد موقفٍ يُعلَن، بل مسؤولية تُحمَل. هي فنّ الموازنة بين الممكن والمطلوب، بين الحلم والواقع، بين المبدأ والتطبيق. ومن لا يمتلك أدوات هذا الفنّ، لا يكفيه أن يمتلك منبرًا ليكون شريكًا فيه. بل إن دخوله غير المؤهّل قد يُربك أكثر مما يُصلح، ويهدم أكثر مما يبني. في المقابل، لا يعني هذا الدعوة إلى صمت الصحافة أو انكفائها، بل إلى استعادة دورها الحقيقي: دور الرقيب لا البديل، المفسّر لا المنافس، الكاشف لا المدّعي. فالصحافة القوية هي التي ترفع مستوى السياسة، لا التي تنحدر إليها في أسوأ تجلّياتها. في النهاية، ليست المشكلة في أن يتقاطع الصحافي مع الشأن السياسي، فهذا أمر طبيعي بل ضروري. المشكلة تبدأ حين ينسى حدوده، ويتوهّم أن امتلاك الصوت يعني امتلاك الرؤية، وأن القدرة على النقد تعني القدرة على القيادة. عندها، لا يعود خطره محصورًا في ذاته، بل يمتدّ إلى بيئته، فيشوّش وعيها، ويستنزف طاقتها، ويؤخّر نضجها. skip render: ucaddon_box_testimonial