تشعر بالغثيان وأنت تكتب عن موضوع أصحاب المولدات الكهربائية في هذا البلد. من كثرة ما قيل في هذا الموضوع عن تجاوزاتهم وانتهازيتهم وجشعهم، تكاد تقول إنه لم يعد هناك شيء يُضاف إلى “قائمة العار” التي ستلاحقهم حتى أجيالًا قادمة، لكن الدرِك الذي يصل إليه بعضهم يفاجئك أحيانًا. تخيّلوا، في زمن الحرب، و”الشغل الواقف”، والرواتب المقصومة الظهر، والبطالة المستشرية، يخرج أحد هؤلاء ليزيد من نكء الجراح المتأتية جرّاء العدوان الإسرائيلي الغاشم. فبدلًا من أن يتضامن مع الناس والفقراء، يُمعن في تجاوز التسعيرة الرسمية والقفز فوق القانون، باعتباره أكبر منه، لأسباب بات يعرفها كثيرون… في جوار مدينة صيدا تقع بلدة صغيرة اسمها “الهلالية” باتت امتدادًا طبيعيًا للمدينة، تسكنها أكثرية صيداوية، يسيطر عليها، بالقانون وفوقه، أحد رجال الأعمال “المستجدّين” في فضاء المدينة، ليقول لأهلها: أنا أقرّر، بمجرّد أني صاحب مولّد، أتحكّم بالناس. فقد علمت صحيفة “البوست” من مصادر أهلية أن صاحب المولدات المحتكِرة لهذه المنطقة، من آل أبو سيدو، (وهو ليس من أهل المدينة أصلًا)، فاجأ مشتركيه منذ يومين بإرسال فواتير يزيد سعر الكيلوواط الواحد فيها بأكثر من 25 سنتًا على التسعيرة الرسمية التي فرضتها الوزارة والبلديات. والأسوأ أن المعني لم يكترث بكل المراجعات التي جرت معه لتخفيض السعر، معتمدًا على دعم خفيّ ومعلوم من “أولي الأمر” ببضع دراهم، لا تُخفى الأوساخ تحت السجادة. والمريب في الأمر أيضًا عدم مبادرة الأجهزة الأمنية المولجة، وبلدية الهلالية تحديدًا، إلى اتخاذ أي إجراء عقابي بحق هذا المخالف، الذي تُظهر فواتيره المصدرة أنه شهرًا يُضيّع رقما ماليا ليضيف ضريبة القيمة المضافة عليها، وشهرًا يصبح من غير المكلّفين، فيزيل الرقم. برسم جميع الأطراف المعنية دون استثناء، فالناس استبشرت خيرًا بتحرّك بعض الأجهزة والدوائر الرسمية المعنية لقمع مخالفات أصحاب المولدات منذ مدة، لكن العبرة ليست “بفورة” موسمية، بل بالثبات الرقابي الدائم على مثل هذه الممارسات التي تتكرر شهريًا، وهذه المخالفات تتكرر في نطاق جغرافي أوسع كبلدات حارة صيدا، ومجدليون، وكفرجرة، دون حسيب ولا رقيب…
على الرغم من تأكيد بلدية صيدا أن “الملعب البلدي” للمدينة ليس ضمن مراكز إيواء النازحين جرّاء الحرب الدائرة حاليًا، تكشف معطيات ميدانية متداولة مشهدًا مغايرًا، يثير أكثر من علامة استفهام حول ما يجري داخل هذا المرفق العام. فبحسب مصادر متابعة ل”البوست”، شوهدت خلال الأيام الأخيرة عائلات نازحة تفترش حرم الملعب البلدي الداخلية بأغراضها، في خطوة توحي بأن المكان بدأ يُستخدم، ولو بصورة غير معلنة، كموقع استضافة أو إيواء خارج الأطر الرسمية المعروفة. وتضيف المعلومات أن أحد المستفيدين من مرفق مستحدث قرب الملعب أدخل عددًا من أقاربه ومعارفه النازحين إلى داخله، على أن عدد الوافدين يسجّل ارتفاعًا تدريجيًا من أسبوع إلى آخر، ما يطرح تساؤلات جدية حول الجهة التي سمحت تبقى البلدية مطالبة بتوضيحٍ، هل تعلم بما يجري في الملعب البلدي أم لا؟ هل تعلم بمئات السيارات المركونة بريبة في المواقف السفلية، دون أن يعلم أصحابها، في زمن المسيرات والاغتيالات؟ إن كانت تعلم، فلماذا الصمت؟ وإن كانت لا تعلم، فتلك مشكلة أكبر.
في أزقّة صيدا العريقة، وبين رائحة زهر الليمون الآفلة إلى زوال، ونسمات بحرها الذي لطالما اتّسع للجميع، ثمّة غصّة تخنق أنفاس العائلات الوافدة والمقيمين على حدّ سواء. “عاصمة الجنوب” التي عُرفت بلقب “أمّ الفقير”، تجد نفسها اليوم أمام اختبارٍ قاسٍ بين إرثها في الكرم وبين واقعٍ اقتصادي جعل من “سقف البيت” حلمًا مكلفًا يفوق طاقة البشر. حكاية خلف كلّ بابلم يعد البحث عن شقّة في صيدا مجرّد رحلة لاختيار الأنسب، بل أصبح “رحلة شاقّة” في سوق يغلي. قصص كثيرة تُروى في المقاهي الشعبية وفي صالونات النازحين الذين فرّوا من لهيب الحرب ليصطدموا بلهيب الأسعار.عائلات تفترش الغصّة قبل الأرض، وتفتّش عن غرفة واحدة تؤوي أطفالها، لتُفاجأ بأرقام “فلكية” تُطلب بالدولار الفريش، وكأنّ الأزمة لم تترك في القلوب مكانًا للرأفة.لم تكن صيدا، بمساجدها وكنائسها وتاريخها النضالي، يومًا مكانًا للاستغلال. ومن هنا، يخرج العتاب محبًّا، والدعوة خجولة ولكنّها ملحّة: يا أهلنا في صيدا، وأنتم أهل المروءة، ليكن كرمكم في خفض الأسعار هو “الجهاد” الحقيقي في هذه الأيام.إنّ النازح الذي طرق باب مدينتنا لم يترك بيته ترفًا، بل قهرًا. ولعلّ خفض بدل الإيجار، أو التغاضي عن ربحٍ يسير في هذه الظروف الاستثنائية، هو أسمى أنواع التكافل الاجتماعي. فلنكن نحن السند، ولا نجعل من الحاجة تجارة، فدوام الحال من المحال، وما يبقى هو الأثر الطيّب والذكرى الحسنة. “عين” الدولة و”يد” البلديةفي ظلّ هذا الفلتان، تبرز التساؤلات المشروعة حول دور الجهات الرسمية. فالمواطن، سواء كان صاحبَ ملكٍ أم مستأجرًا، يحتاج إلى سقفٍ قانوني يحميه.ويُنتظر من بلدية صيدا واللجان المحلية أن تلعب دور “الوسيط العادل”، من خلال إحصاء الشقق وتنظيم عقود استثنائية تمنع الاحتكار، وتضع ضوابط أخلاقية وقانونية لأسعار الإيجارات بما يتناسب مع مساحة الشقّة وموقعها.كما أنّ غياب الرقابة الرسمية من وزارة الاقتصاد والقوى الأمنية يفتح الباب أمام “سماسرة الأزمات”. والمطلوب اليوم هو تفعيل الدور الرقابي لمنع استغلال حاجة الناس، واعتبار الرفع الفاحش للأسعار بمثابة “جرم اجتماعي” يستوجب المساءلة.