أسوأُ ما في خبريّة «الاحتيال السياسي» التي ضجّ بها لبنان في الأيّام الأخيرة، وعرّت الطبقة السياسيّة فيه، أنّ اسم المحتال هو «أبو عمر»، والمتّهم بمساعدته «شيخ». ففخامةُ اسمِ عمر الفاروق وحده تشعر الكثيرين بالخجل حين تسمع بأنها قد دُنّست في أوساخٍ كالتي نسمعها. أمّا صفةُ «الشيخ»، التي تضعضعت مهما جرى من محاولات للفلفتها على الطريقة اللبنانيّة، باعتبار أنّه «لا نار بلا دخان»، فقد أسهمت في ضرب صورة مشايخ السنّة، وهم في وضعٍ لا يحتملونه في لبنان أصلًا. وما عدا ذلك ممّا عرفه اللبنانيّون حتّى اليوم عن هذه الفضيحة، وآلاف الدولارات التي أُنفقت من قِبَل شخصيّات سياسيّة وحزبيّة لشراء مواقع وكراسٍ وترفع نفوذ، فيمكن اعتبار أنّ أكثر اللبنانيّين «شمتانين» بما حصل لهؤلاء «الخفاف»، الذين تبيّن أنّهم يُدارون بمكالمةٍ هاتفيّة من حدّادٍ في عكّار. لا حتى أكثر. مهما تكن النتائج التي ستُفضي إليها التحقيقات، فالنتيجة الأوضح أنّ المستوى السياسي في البلد بلغ دركًا فاضحًا، لأشخاصٍ يحتلّون الشاشات ويطوفون بعقول الناس كالدمى. لم تعد المشكلة في «أبو عمر» ولا في «الشيخ» خلدون عريمط ولا في حدّاد عكّار الذي تبيّن أنّه يُحرّك رؤوسًا سياسيّة بمكالمة واحدة، بل في بلدٍ كاملٍ تحوّل إلى ورشة «حدادة وبويا»، حيث تُدقّ الأسماء الكبيرة على قياس الاحتيال، وتُطلى الألقاب الدينيّة بطبقة رقيقة من الهيبة المزيّفة. هنا، لا سياسة تُدار، بل مسرحيّة رديئة، أبطالها وجوه تملأ الشاشات أحيانا كثيرة، وقرارها عند أوّل متّصل… فيما الدولة تقف كديكورٍ مهترئ في عرضٍ ساقط.
علمت جريدة «البوست» من مصادرَ اقتصاديةٍ مطّلعةٍ أنّ رجلَ الأعمال، من أصلٍ صيداوي، محمد زيدان، المشغِّلَ للسوقِ الحرّة في مطار بيروت، يسعى منذ فترةٍ إلى كسرِ التوجّه الصادر عن الحكومة مؤخّرًا بالتشدّد في منع التدخين في الأماكن العامة والمغلقة، عبر استثناء مطار رفيق الحريري الدولي منه، وكأنّه عقارٌ خاصٌّ يقع خارج الأراضي اللبنانية. في هذا الإطار، كشفت معلوماتٌ دقيقةٌ أنّ زيدان حاول الضغط على وزير الصحة ركان ناصر الدين لتحييد صالات التدخين في المطار، التي تتبع له، ولا سيّما «صالة السيكار»، من التشديد في تطبيق قرار حظر التدخين. ومن أجل ذلك، استعان بأحد الكوادر الحزبية المحسوبة على الفريق السياسي الذي يتبع له الوزير، إلّا أنّ محاولاته باءت بالفشل حتّى الآن. فقد كان الوزير واضحًا في الزيارة التي قام بها زيدان إلى مكتبه منذ أيّام، برفقة الكادر المذكور، حيث أكّد له أنّ الوزارة لا يمكن لها إصدار قرارٍ فرديٍّ يُلغي قرارًا عامًا صادرًا عن مجلس الوزراء مجتمعًا، وأنّ لبنان، الذي يحتلّ المرتبة الأولى في المنطقة من حيث ارتفاع معدّل انتشار التدخين، بصدد التشدّد أكثر لاتّخاذ إجراءاتٍ حاسمةٍ في مجال مكافحة التبغ، لا التساهل. فعلى الرغم من أنّ دراسةً حديثةً لوزارة الصحة ومنظّمة الصحة العالمية كشفت أنّ أكثر من 9500 شخصٍ يموتون سنويًّا في لبنان بسبب أمراضٍ متعلّقةٍ بالتدخين، أي أكثر من 25% من الوفيات العامة في البلاد، يصرّ بعض «تجّار الموت» على اعتبار الدخان والسيكار قبلتهم المقدّسة، التي يستميتون للدفاع عنها بشتى الطرق، وكأنّ المال وتكديسه أغلى من أرواح البشر. أفلا يتّعظون ممّا جرى لهم، أم إنّها الغفلة المُسكِرة؟ قبل حدوث الأزمة الاقتصادية الأخيرة، كان يُباع نحو 350 مليون علبة سجائر محلّية سنويًّا، أمّا اليوم فقد ارتفع العدد إلى ما بين 500 و600 مليون علبة أرقامٌ مميتة يتكبّد لبنان، بسبب تعاطي التبغ، خسائرَ اقتصاديةً وبشريةً باهظةً تُقدَّر بنحو 140 مليون دولار أميركي، بما يعادل 1.9% من الناتج المحلّي الإجمالي السنوي في البلد. وكشف تقريرٌ صدر حديثًا أنّ لبنان يمكنه تحقيق مكاسبَ اقتصاديةً تتجاوز 400 مليون دولار، وإنقاذ حياة نحو 40 ألف شخص خلال السنوات الـ15 المقبلة، من خلال تطبيق توصيات اتفاقية منظّمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ. وسجّل استهلاك «المعسّل» ارتفاعًا بنحو 5 ملايين كيلوغرام سنويًّا من قبل اللبنانيين، أي بزيادةٍ تقارب 10% عن السنوات السابقة، بسبب الأوضاع الاقتصادية العامة وارتفاع نسب البطالة. بعد مرور أكثر من 20 عامًا على صدور القانون 174، ومع الميوعة في تطبيقه من قبل الجهات المعنيّة، تبقى الصحّة العامة الخاسر الأكبر، في ظلّ دولةٍ تُقِرّ القوانين، لكنّها نادرًا ما تُتابع تطبيقها. فهل تنجح الحملة الجديدة في فرض القانون هذه المرّة؟ ليست القضيّة صالة سيكار، ولا امتيازًا تجاريًّا، بل سؤالًا جوهريًّا عن معنى الدولة
أقدَمَ أحدُ المدراءِ العامّين السّابقين في إحدى الإداراتِ شبهِ الرّسميّةِ المُهِمّةِ في البلدِ على شراءِ شقّةٍ لابنتِهِ في بيروت، إثرَ خلافٍ عائليٍّ نشبَ بينها وبينَ أهلِ زوجِها الذينَ كانت تَسكُنُ معهم في إحدى البلداتِ الشّوفيّةِ في الجبل. وبحسبِ مُطَّلعين، فإنَّ البنتَ التي تَنحدِرُ من عائلةٍ بيروتيّةٍ كانت قد تزوَّجَتْ من غيرِ دينِها، ولم تَتَأقْلَمْ مع بيئتِها الجديدةِ، ما دفعَ بوالدِها إلى شراءِ شقّةٍ فخمةٍ لها في منطقةِ الأشرفيّة بلغت قيمتُها أكثرَ من 2 مليونِ دولارٍ، علماً أنَّ الوالدَ حينَ استلمَ مهامَّهُ في الإدارةِ العامّةِ كان موظّفاً براتبٍ عاديٍّ، ولم يكن يُعرَفُ عنه الثراءُ الواضحُ أو امتلاكُ أيِّ نشاطٍ تجاريٍّ كبيرٍ يُبرِّرُ قفزةً ماليّةً بهذا الحجم. لم تَعُدْ هذه القصصُ حالاتٍ فرديّةً تُروى على صفحاتِ الجرائدِ بينَ الحينِ والآخَر، بل باتت نموذجاً للفساد يتكرَّرُ عن كيفيّةِ تَضخُّمِ الثرواتِ في مواقعِ السّلطةِ، في ظلِّ غيابِ أيِّ آليّاتٍ رقابيّةٍ جدّيّةٍ على الذِّمَمِ الماليّةِ. فإلى متى يستمرُّ هذا المسلسلُ المُهين في هذا البلد؟