علمت جريدة «البوست» من مصادر مطّلعة أنّ «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا» أقرّت عمليًا قرارًا يقضي بـخفض رواتب نحو 30 ألف موظف فلسطيني محلي اعتبارًا من 1 شباط/فبراير المقبل، بنسبة تقارب 20%، في خطوة توصف داخل أوساط الوكالة بأنها إجراء أمني–سياسي مقنّع بغطاء مالي. وبحسب المعلومات، يطال الخفض حصريًا الموظفين الفلسطينيين المحليين، الذين يتراوح متوسّط رواتبهم بين 1000 و1500 دولار أميركي شهريًا، ما يعني دفع آلاف العائلات الفلسطينية نحو حافة الانهيار المعيشي، في واحدة من أكثر المراحل الإنسانية والأمنية خطورة منذ تأسيس الوكالة. في المقابل، جرى استثناء الموظفين الدوليين والمسؤولين الغربيين من أي اقتطاع، حيث يستمرّون في تقاضي رواتبهم كاملة، والتي تتراوح بين 8000 و17 ألف دولار أميركي شهريًا، ما يكشف عن تمييز مالي صارخ داخل المؤسسة، قائم على الجنسية والموقع الوظيفي. وتؤكّد المصادر أنّ القرار لا يمكن فصله عن مسارٍ أوسع من إعادة هيكلة قسرية للأونروا، تُدار تحت إشراف المفوّض العام فيليب لازاريني، وتستهدف تفريغ الوكالة من كوادرها الفلسطينية عبر الضغط المعيشي، بدل اللجوء إلى قرارات فصل جماعية ذات كلفة سياسية وقانونية أعلى. وتشير المعطيات إلى أنّ هذا الإجراء يأتي في سياق تفكيك ناعم لدور الأونروا، عبر ضرب الاستقرار الوظيفي للفلسطينيين العاملين فيها، ولا سيما أولئك الذين يواصلون العمل في بيئات خطِرة ومناطق نزاع مفتوحة، في وقت تُلقى فيه أعباء العجز المالي على طرف واحد فقط. مصادر قانونية رأت في القرار انتهاكًا مباشرًا لواجب الرعاية، ومخالفةً لمبادئ عدم التمييز والتناسب التي تُفترض في عمل الوكالات الأممية، محذّرة من أنّ خفض الرواتب في هذا التوقيت قد يحمل تداعيات اجتماعية وأمنية داخل المخيمات ومناطق اللجوء، تتجاوز البعد المالي إلى ما هو أخطر.
قبلَ أيّامٍ، انتشرَ تسريبٌ مُصوَّرٌ لمحادثةٍ تعودُ لشخصيّةٍ أمنيّةٍ سوريّةٍ كانت جزءًا من النظامِ السابقِ الذي سقطَ سياسيًّا وأخلاقيًّا وإنسانيًّا، ويُفترضُ أنّه أصبحَ من الماضي. في التسجيل، يظهرُ الرجلُ وهو يُهاجمُ “المقاومة” لفظيًّا، ويطلبُ مساعدةً وتبادلَ معلوماتٍ استخباراتيّةٍ مع جهةٍ تبيَّنَ لاحقًا أنّها تنتحلُ صفةَ ضابطٍ إسرائيليّ المشهدُ بحدّ ذاته فاضح، لكنّه لم يكن الأخطر. الأخطرُ كان الاحتفالَ العلنيّ بهذا السلوك من قبلِ شرائحَ سياسيّةٍ وشعبيّةٍ، وكأنّ الانتماءَ السابقَ للنظامِ الساقطِ لم يعد تهمةً، بل مجرّدَ تفصيلٍ قابلٍ للمحوِ متى تغيّرَ موقعُ الخصومة. التسريبُ يتحوّلُ إلى بروفة لم تمضِ أيّامٌ حتّى خرجَ إلى العلنِ خبرٌ عن تفاهمٍ دوليٍّ شاركت فيه سوريا وإسرائيل والولايات المتّحدة، يقضي بإنشاءِ آليّةِ اتصالٍ لتبادلِ المعلوماتِ الاستخباراتيّة تحتَ عنوانِ “خفضِ التّصعيد”، وبرعايةٍ أميركيّةٍ مباشرة. فجأةً، ما كان يُصنَّفُ خيانةً عندما صدرَ عن شخصٍ محسوبٍ على نظامٍ منبوذ، صار ممارسةً سياسيّةً “واقعيّةً” عندما دخلَ في إطارِ تفاهمٍ دوليّ. المفارقةُ ليست في مضمونِ الاتّفاقِ وحده، بل في سرعةِ الانتقالِ من الإدانةِ إلى التطبيعِ السياسيّ للفكرةِ نفسها. وكأنّ المشكلةَ لم تكن يومًا في مبدأِ تبادلِ المعلوماتِ مع العدوّ، بل فقط في هويّةِ من يقومُ به وتوقيتهِ الإعلاميّ. الخطابُ الرسميّ يتحدّثُ عن “خفضِ التّصعيد”، لكنّ التجربةَ الإقليميّةَ تُعلّمُنا أنّ هذا المصطلحَ غالبًا ما يكونُ غطاءً لتفاهماتٍ أعمقَ تتعلّقُ بالأمنِ، والسلاحِ، وحركةِ الفاعلين غير المرغوب فيهم.ليس السؤالُ هنا ساخرًا، بل سياسيًّا بامتياز: هل نحنُ أمامَ تبادلٍ تقنيٍّ بريء، أم أمامَ إعادةِ رسمٍ لخرائطِ النفوذِ وضبطِ الساحات، خصوصًا تلكَ المرتبطةَ بفلسطين وما تبقّى من هوامشِ دعمها؟تجاهلُ هذا السؤالِ ليس سذاجةً، بل خيارٌ متعمَّدٌ لإبقاءِ الرأيِ العامّ خارجَ المعادلة. الأخطرُ من السياسةِ نفسها هو استدعاءُ الدينِ لتغطيةِ هذا التحوّل. إطلاقُ اللحية، رفعُ الشعاراتِ الدينيّة، والإكثارُ من الخطابِ الوعظيّ لا يحوّلُ الصفقاتِ السياسيّةَ إلى أفعالٍ أخلاقيّة من “خيانة” إلى “حنكة” الأمرُ الأكثرُ فجاجةً هو الازدواجيّةُ الصارخةُ في الخطاب. عندما عبّرَ معارضون سابقون عن قناعاتٍ مشابهة، أو لمّحوا إلى استحالةِ الاستمرارِ في منطقِ العداءِ المفتوح، جرى تخوينُهم وتحويلُهم إلى عبرة. اليوم، تُقدَّمُ الأفكارُ ذاتُها بوصفها دهاةً سياسيّة، وحكمةَ دولة، وخطوةً ضروريّةً “لحمايةِ البلاد”. المعيارُ لم يكن يومًا أخلاقيًّا أو وطنيًّا، بل سلطويًّا بحتًا: من هو داخلَ السلطةِ يُبرَّرُ له كلُّ شيء، ومن هو خارجَها يُدانُ حتّى لو قالَ الحقيقةَ ذاتَها. الدينُ كأداةِ تبرير الأخطرُ من السياسةِ نفسها هو استدعاءُ الدينِ لتغطيةِ هذا التحوّل. إطلاقُ اللحية، رفعُ الشعاراتِ الدينيّة، والإكثارُ من الخطابِ الوعظيّ لا يحوّلُ الصفقاتِ السياسيّةَ إلى أفعالٍ أخلاقيّة. استخدامُ الدينِ كدرعٍ يمنحُ قداسةً زائفةً للقرارات لا يحمي الدولة، بل يدمّرُ المعنى الأخلاقيّ للدينِ نفسه. حينَ يصبحُ التقاربُ مع القوى الدوليّة والإقليميّة “ضرورةً شرعيّةً”، بينما يُجرَّمُ النقدُ بوصفه خروجًا عن الجماعةِ أو خيانةً، نكونُ أمامَ تديينٍ للسياسةِ لا علاقةَ له بالقيم، بل بالضبطِ والسيطرةِ وإسكاتِ الأصواتِ المخالِفة. الشرعيّةُ الحقيقيّةُ لا تمرّ عبرَ السماءِ وحدها في واقعِ المنطقة، بات واضحًا أنّ من يريدُ الحفاظَ على الحكم، سواء جاءَ عبرَ السلاحِ أو الانتخاباتِ أو الأمرِ الواقع، لا يملكُ ترفَ تجاهلِ واشنطن أو تل أبيب. هذه حقيقةٌ سياسيّةٌ لا تحتاجُ إلى إنكار. لكن تحويلَها إلى “مبدأ”، وتسويقَها كخيارٍ أخلاقيٍّ أو دينيّ، هو الاحتيالُ الحقيقيّ.الشرعيّةُ لا تُبنى على النفاق، ولا على تقسيمِ الناسِ إلى “سحيجة” و”خونة” بحسبِ المصلحة، بل على وضوحِ الموقفِ واستعدادهِ لتحمّلِ كلفته. سقوطُ الأقنعةِ أسرعُ من سقوطِ الأنظمة في وقتٍ لم تجفّ فيه دماءُ غزّة، ولم تُرفعْ فيه الأنقاضُ عن أجسادِ الضحايا، يبدو الحديثُ عن تنسيقٍ أمنيٍّ وتبادلِ معلوماتٍ بلا أيّ حساسيّةٍ أخلاقيّة، انفصالًا كاملًا عن الواقع. ليس المطلوبُ خطاباتٍ عاطفيّة، بل الحدّ الأدنى من الصدق: الاعترافُ بأنّ ما يجري هو سياسةُ مصالح، لا بطولة، ولا مقاومة، ولا فتحٌ مبين. ما نراهُ اليومَ ليس ولادةَ نظامٍ أخلاقيٍّ جديد، بل إعادةُ تدويرٍ قديمةٍ لخطابِ السلطة، مع وجوهٍ وشعاراتٍ مختلفة. النظامُ السابقُ سقط، لكن أدواتِه في التبريرِ والتخوينِ واستخدامِ المقدّس ما زالت حيّة. السياسة التي تحتاج إلى السماء لتبرير نفسها، تعترف ضمنًا بفشلها على الأرض. وحين يُستدعى المقدّس لحماية الصفقة، فهذا لأنّ الحقيقة لم تعد قادرة على الوقوف وحدها. في النهاية، لا يبقى من “خفض التصعيد” سوى اسمه، أمّا ما يُخفَّض فعليًّا، فهو سقف الأخلاق.
لم يعد المخطّط قابلًا للإنكار. تُفكَّك الأونروا من الداخل، عبر طاقم إدارة عليا من أوروبا الغربية، يواصل استخدام لغةٍ إنسانية، بينما يفرض عقابًا جماعيًا على الفلسطينيين—كثيرون منهم ينعون أفرادًا من عائلاتهم قُتلوا على يد الحكومة ذاتها التي تخدم هذه الإجراءاتُ أهدافَها السياسية. لم يُبدِ أيّ مديرٍ أو مسؤولٍ رفيعٍ من أوروبا الغربية داخل الأونروا شجاعةً أخلاقية لوقف هذه الأفعال. لم يعترض أحد. لم يرفض أحد تنفيذها. يحتفظ هؤلاء بمناصبهم عبر تنفيذ القرارات بلا مساءلة أو مقاومة. ولاؤهم ليس للولاية ولا للاجئين الفلسطينيين، بل لبقاء المؤسسة. وبهذا المعنى يعملون كمرتزقة: مجزِيّو الأجر، محصَّنون من العواقب، ويُقدَّرون فقط لامتثالهم. أمّا المفوض العام، فلا شيء يخسره. تنتهي ولايته في آذار/مارس 2026. خروجه مضمون، وكذلك—على الأرجح—المقرّبون منه. تُتَّخذ القرارات بيقينٍ أن العواقب لن تلحق—بل على العكس: قد تُكافأ، وتُستوعَب في مناصب أخرى، وتُعوَّض من حكوماتٍ غربية تواصل دعم إبادة الشعب الفلسطيني، ويُعاد تموضعها داخل منظومة الأمم المتحدة لمواصلة الممارسات التمييزية نفسها، تحت لافتاتٍ مؤسسية مختلفة. إنّ قرار إنهاء خدمات 650 موظفًا فلسطينيًا في يومٍ واحد، في الأسابيع الأخيرة من ولاية المفوض العام، غير مسبوق في تاريخ الأمم المتحدة والأونروا. إجراءٌ بهذا الحجم، لا رجعة فيه، ومُنفَّذ قبيل نهاية ولاية تنفيذية، يثير أسئلةً جدية حول مشروعية استمرار تمكين المفوض العام من ممارسة سلطة تنفيذية مطلقة. حين يُسارع مسؤولٌ رفيع إلى قراراتٍ لا رجعة فيها بهذا الاتساع قبيل الرحيل، لا يعود الأمر «تقديرًا إداريًا»، بل إساءة استخدام للسلطة ترقّبًا للخروج. يستوجب هذا السلوك التدقيق، لا في القرار وحده، بل في الظروف التي اتُّخذ فيها: هل قُدّمت تطمينات؟ هل جرى تحييد العواقب مسبقًا؟ هل عُلِّقت المساءلة فعليًا؟ في أيّ سياقٍ مؤسسيّ آخر، كانت هذه الظروف ستستدعي تقييدًا فوريًا، أو رقابة، أو سحبًا للتفويض. فأين الأمين العام للأمم المتحدة من كلّ ذلك؟ ما المبرر للسماح لمفوضٍ عامّ على وشك المغادرة، فيليب لازاريني، باتخاذ قراراتٍ تاريخية في أشهره الأخيرة، بعواقب ستطول زمنًا وتُلقى كاملةً على عاتق الموظفين الفلسطينيين؟ في الأساطير، حين تخلّت القوّة عن الإنسانية، كان بروميثيوس من تحدّاها؛ سرق النار وهو يعرف الثمن—لا طلبًا للاعتراف ولا إذنًا—بل لأن البقاء استلزم الفعل. لم ينتظر الإجماع. تحرّك لأن اللافعل كان يعني الدمار. فمن سيتحرّك من أجل موظفي الأونروا الفلسطينيين؟من سيتحدى الآلة بدل الاستمرار في خدمتها؟من سيتدخّل حين تُسلَّح القانونية ويُستعمل الإجراء لمحو سبل العيش؟ يُمحى موظفو الأونروا الفلسطينيون بينما يشاهد العالم ذلك في الزمن الحقيقي. بعضهم يدفن عائلته. آخرون ينامون في ملاجئ. والآن يُبلَّغون رسميًا—وبأدب—وبمفعولٍ فوريّ، بأنّ سبل عيشهم لم تعد مسموحة بالبقاء. هكذا تُقتل الولاية: بهدوء، وبمكر، ومن الداخل، على يد المسؤول نفسه، السيد لازاريني، المكلّف بحمايتها، في انتهاكٍ مباشر للقَسَم المرتبط بمنصبه. فأين بروميثيوس الآن؟ من سيتحدى القوّة حين يتطلّب البقاء ذلك، بدل إدارة الأذى باسمها؟ يقوم النظام الإنساني على مبدأٍ واحدٍ غير قابل للتفاوض: عدم إلحاق الضرر. ما يجري هنا هو قلبٌ متعمَّد لهذا المبدأ: إلحاق مزيد من الضرر—إنهاء المزيد من وظائف الفلسطينيين، تجريد سبل العيش، تعميق التهجير، ومواءمة القرارات الإدارية مع الهدف المُعلن للحكومة الإسرائيلية بتفكيك الأونروا وتقليص الوجود الفلسطيني في غزة. نعم: إلحاق مزيد من الأذى، بمنهجية وبقصد، رسالة إنهاءٍ تلو أخرى.لا لأنّه قانوني. ولا لأنّه حتمي. بل لأنّ من يصرّح به محصَّن من العواقب، ويحسب أنّ الأرواح والعمل والحقوق الفلسطينية يمكن إطفاؤها إداريًا بلا كلفة. هكذا يشارك مسؤولون كبار، مثل لازاريني، في عملية المحو: باختيار الأذى، وتفويضه على الورق، وفرضه دون إطلاق رصاصة واحدة. سيتذكّركم الفلسطينيون لأنّكم فشلتم في حمايتهم، وفشلتم في صون الولاية الموكلة إليكم، واخترتم عن وعيٍ إلحاق الأذى بهم—لا فرق في النهاية بينكم وبين من يعلن عداوته لهم صراحة.