يقول جوزيف عون في قصر بعبدا، ونواف سلام من السراي الحكومي اليوم، أكثر مما قاله أحمد الأسير منذ سنين بحق الاستعمار الإيراني، وخطر السلاح خارج الدولة، وخرق السفينة، وتدمير النموذج اللبناني، وطغيان فئة على أخرى. وفي حين يتربّع الأول رئيسًا للبلاد، والثاني قائدًا لإدارتها التنفيذية، يقبع الشيخ الأسير في السجن بتهم لُفّقت له من منظومة ظالمة، فضحتها الأيام بالصوت والصور والدلائل، التي وصلت إلى الأمم المتحدة، لكنها بقيت عند أهل صيدا وكأنها أمر عادي، مدجّن ومقبول. منذ أيام، تجري في قاعة مجلس النواب اللبناني مناقشات لإقرار قانون عفو للمظلومين والأسرى في السجون اللبنانية، علّها تكون خطوة إنصاف بحق المئات، بل الآلاف، الذين جارت عليهم “حقبة الظلام الظالم”. وكما هي تركيبة البلد، كلٌّ يحاول تحقيق المكاسب لـ“ربعه”، ويبقى “أهل السنة” الحلقة الأضعف. فحين يصل الكلام إلى ما يُعرف بالموقوفين الإسلاميين، تطفو إلى السطح كلمات كبيرة مثل: “الإرهاب”، “قتلة الجيش”، “دم الجيش”، “أكلة الأكباد”، “ذبح الأعناق”، وغسيل للأدمغة على مدى سنين، بما يفضي إلى الخوف من طرح الموضوع بشفافية وواقعية وقوة، فينزوي المدافعون عنه تحت تنميط بات عبئًا بسبب الشعارات الممجوجة والاتهامات المعلّبة نفسها. وحده النائب عبد الرحمن البزري كان منخرطاً بشكل مباشر منذ أشهر في الأعداد والمتابعة للقانون المطروح اليوم. وقد أكد ل”البوست” أن “أي تعديل على القانون المقترح يستثنى فئة دون غيرها، سوف لن يمر…” لكن من المعيب بحق مدينة هي عاصمة الجنوب، وقواها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية الفاعلة، أن ينبري نائب كفيصل كرامة، كان حليفًا لسنين للنظام السوري البائد، ومرشحًا مقرّبًا من “الثنائي الشيعي”، ليقول كلاما محق يصمت عنه أهله . إذا كانت تهمة هؤلاء، كما يُسوَّق دومًا، أنهم قتلة جيش، فهناك من ذبح المؤسسة العسكرية، وقتل وطنًا بأكمله بالدمار والتهجير والتشريد والإفلاس، والإرجاع إلى حقب “العصور الحجرية”. من المعيب أن يقول وئام وهاب ما يخشى أهل صيدا قوله، وكلهم يعلمون، بينهم وبين أنفسهم، حقيقة الأمر: أن جرح المدينة الذي لم يندمل كان ظلمًا موصوفًا، وفخًا منصوبًا بحق المدينة نفسها، كما بحق العديد من أبنائها المسجونين والمبعدين والمقتولين. لكم فيما جرى ويجري في سوريا عبرة يا أولي الألباب. الظلم، وإن طال، فلا يُراكم إلا انفجارًا أكبر. حينها سيكون الجميع مسؤولًا عن خرق السفينة وإغراق الناس وقلب الطاولة على الجميع. فالجمر يغلي تحت الرماد، والتعامي عن تداعياته جريمة بحق الوطن واللبنانيين. حينها ستكونون كلكم شركاء في قتل الأبرياء وسجن المظلومين، لا من نطق بالحكم الجائر فحسب، بل صمتكم كان شريكًا متواطئًا… ويلٌ لأمة تنتفض من أجل صاحب مولّد، وتخنع صامتة على ظلم مشايخها وأبنائها المظلومين. التاريخ لن يرحم.
انسجامًا مع روح القانون اللبناني، ونزولًا عند طلب نقابة المحررين واتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، لم يمثُل رئيس تحرير جريدة «البوست»، الزميل نادر صباغ، أمام المباحث الجنائية في قصر العدل في بيروت اليوم، على اعتبار أنّ «أحكام المادتين 28 و29 من قانون المطبوعات تنصّ على أنّ جميع القضايا المتعلّقة بالمطبوعات تنظر بها محكمة المطبوعات فقط». وبما أنّ المطلوب الاستماع إليه صحافي، فهو يخضع لقرار مجلس نقابة محرّري الصحافة اللبنانية، التي أعلنت أكثر من مرة قرارًا مبدئيًا بالتقيّد بأحكام المادتين المشار إليهما أعلاه. وقد تبيّن أنّ الجهة المدّعية هي صاحب أحد المولّدات الخاصة في مدينة صيدا، المدعو محمد أبو سيدو، عبر النيابة العامة، بجرم القدح والذمّ، بعدما هاله ما نُشر عنه من مخالفات في موضوع التسعيرة التي يتقاضاها، موثّقةً بالمستندات والأدلّة، فسعى إلى محاولة إسكات الصوت الذي ينادي بحقوق الناس والمواطنين، ويطالب بتنفيذ القانون وفق الأصول المرعيّة الإجراء. وهو ما لم يكن له ما أراد… https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/04/al-post-trial.mp4
في بلدٍ تداخلت فيه الولاءات، حتى صارت السيادة وجهةَ نظر، يقبع خلف القضبان رجلٌ لم يرتكب جريمة، بل رفع صوته دفاعًا عن الدولة حين صمت الجميع.الشيخ أحمد الأسير، الذي أمضى 13 عامًا في السجن، لم يكن متمرّدًا على الوطن، بل مدافعًا عنه. طالب بأن يكون السلاح بيد الجيش لا بيد حزب الله، وأن تكون الدولة مرجع الطوائف لا خاضعةً لها، وأن تكون العدالة ميزان الجميع لا أداة أحد.فكان جزاؤه السجن، لا لأن القانون أدانه، بل لأن الآخرين خافوا من كلمته، والدولة عجزت عن حمايته البراءة جريمة لم يعد السؤال اليوم: هل الأسير بريء؟ فبراءته واضحة كالشمس، مدعومة بالأدلة الصوتية والمرئية، وبالشهادات التي تنسف كلّ التهم المعلّبة. لكن المفارقة أنّه كلّما ازدادت براءته وضوحًا، ازدادت «المنظومة» إصرارًا على إبقائه في السجن.كلّ دليلٍ جديد يُقابَل بتعتيمٍ إعلاميّ أو بتغاضٍ قضائيّ، وكأنّ السلطة تخشى الحقيقة أكثر ممّا تخشى الخطأ. فالاعتراف ببراءته يعني عمليًا إدانة شبكةٍ كاملة من التحالفات التي حكمت لبنان بالولاء والترهيب لعقود. لكن الأهمّ أنّ الدفاع عن هذا الأسير ليس دفاعًا عن شخص، بل عن الدولة اللبنانية ذاتها.فإحقاق العدالة في قضيته هو دفاع عمّا تبقّى من مؤسساتها الحقيقية، عن القضاء الحرّ، والجيش الوطني، والإدارات التي لم تخضع بعد. تحريره ليس انتصارًا لفرد، بل خطوة أولى لاستعادة الدولة من قبضة من صادرها. عبرا… الحقائق التي سُحِقَت أُريد لأحداث عبرا أن تكون بداية الحكاية ونهايتها، لكنّها في الحقيقة كانت غطاءً لتصفية صوتٍ وطنيّ أكثر منها محاكمةً لحدثٍ أمنيّ. فكلّ الأدلة اللاحقة أظهرت أنّ ما جرى كان سياسيًا بامتياز: حزبٌ أراد أن يُخضع كلّ من يعارضه، ودولةٌ وافقت بالصمت. الخطأ الحقيقي لم يكن في المحاكمة وحدها، بل فيما سبقها: في السماح لحزب الله بأن يتجاوز الدولة، ويقرّر متى تُستَخدم القوّة، ومتى يُعفى عنها.يومها بدأت معركة السيادة الحقيقية، بين دولةٍ تحاول أن تكون، وحزبٍ يرى في وجودها تهديدًا لسلطته. قضية الأسير تختصر مأساة لبنان كلّها، دولةٌ خضعت، وشعبٌ خاف، ومنظومةٌ استبدلت القانون بالولاء. لكنها تفتح أيضًا باب الأمل بأنّ العدالة يمكن أن تكون بداية الخلاص هل أخطأنا؟ على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تمدّد الحزب في مفاصل الدولة. من الوزارات إلى البلديات، من المرافئ إلى الجمارك، من القضاء إلى الإعلام، بنى شبكةً كاملة من الولاءات. تحت شعار «المقاومة»، أدخل رجاله إلى كلّ إدارة ومؤسسة، حتى تفاصيل الحياة اليومية خضعت لسلطته.حتى الجمعيات، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، صارت جزءًا من اقتصاده الموازي. بهذا التغلغل، تحوّلت الدولة إلى واجهةٍ إدارية لسلطةٍ حزبية فعلية. فهل أخطأنا وقتها؟هل أخطأنا حين سكتنا عن الاغتيالات؟هل أخطأنا حين قبلنا أن يدير الحزب المرفأ والحدود والمعابر؟هل أخطأنا حين تجاهلنا الفساد المُغلَّف بالقداسة؟والأهمّ، هل أخطأنا عندما تركنا قرار السِّلم والحرب له بدلًا من الدولة الوطنية؟ لقد خسرنا الدولة يوم خِفنا من مواجهته، وتركنا الأسير وحده يجابه سطوته.الأسير لم يطالب بإلغاء أحد، بل بدولةٍ تضمن للجميع حرية المعتقد والانتماء، ضمن إطارٍ واحد هو الدستور. رؤيته كانت وطنية خالصة: أن تتساوى الطوائف أمام الدولة، لا أن تتصارع تحت وصاية الأحزاب. لكنّه بذلك مسّ جوهر الصراع القائم. فالحزب الذي طوّع الجيش والقضاء والإدارة لمصلحته، لا يمكن أن يقبل بمعادلةٍ تُعيد الدولة إلى موقعها الطبيعي.لذلك لم يكن سجنه إجراءً قانونيًا صرفًا، بل قرارًا سياسيًا لحماية منطق القوّة على حساب منطق العدالة. إدارة الصورة وجوهر الحقيقة في هذا السياق، من المهمّ التمييز بين إدارة الصورة وجوهر الحقيقة.فالأولى تهدف إلى التحكّم في نظرة الناس إلى المؤسسات عبر تلميع المشهد بدل تصحيح الواقع، بينما الثانية تُعنى بمصارحة الرأي العام بالحقيقة مهما كانت قاسية. وهنا تبرز مقابلة العميد شامل روكز الأخيرة مثالًا واضحًا على ذلك. فقد حاول إعادة تلميع صورة الجيش والمغاوير، نافيًا أي تنسيقٍ أمنيّ بين مجموعته والحزب، رغم وجود فيديوهات ووثائق تُثبت العكس.تحدّث عن رفض ضرب المسجد «احترامًا للطوائف»، ليبدو حريصًا على الحسّ الوطني، بينما تشير التقارير إلى أنّه أقفل هاتفه واتّخذ قرار الحسم العسكري دون أن يسمع من أحد. كلّ هذه الأقوال تقع في خانة إدارة الصورة، أي تحسين الانطباع لا تصحيح الحدث.هي محاولة لتجميل الماضي بدل مواجهته، ولتثبيت الثقة بالمظهر بدل بنائها على الجوهر.لكن حماية المؤسسة لا تكون بالتبرير، بل بالشفافية، ولا باستبدال الحقيقة بروايةٍ منمّقة.فمن يخطئ داخل المؤسسة لا يُعبّر عن الدولة، بل عن نقيضها. فكيف تُبرّئ الدولة دون أن تُدين نفسها؟ العدالة والبراءة اليوم تواجه الدولة اللبنانية مأزقًا مزدوجًا: كيف تُبرّئه من دون أن تعترف بأنّ مؤسساتها ظلمته؟ وكيف تخرج من هذا الملف من دون أن تُدين نفسها وتُسقط ما تبقّى من هيبتها؟ هل من الممكن أن يكون الحلّ، لا في تجاهل القضية، بل في الاعتراف البنيوي؟ هل من الممكن أن تقول الدولة إنّ الخلل كان في بنيتها آنذاك؟ في عدالةٍ مُسَيَّسة، وقضاءٍ خاضع، وأمنٍ مُخترق؟ هل تستطيع أن تُعلن أنّ ما جرى لم يكن خطأً فرديًا، بل نتيجة منظومةٍ سمحت للحزب أن يُمسك بالدولة من عنقها، وهي اليوم تقاوم سلاحه؟ تحقيق العدالة في قضية الشيخ أحمد الأسير طال أكثر ممّا تحتمل العدالة نفسها.فالعدالة لا يمكن أن تبقى وعدًا مؤجّلًا. 13 سنة قضاها في السجن ليست ثمنًا يُعادِل الظلم.فالبراءة تُنصف الفرد، لكن العدالة تُنقذ الوطن، وهي وحدها القادرة على كسر الدائرة التي حوّلت الدولة إلى رهينة، وعلى محاسبة من أمر، ومن نفّذ، ومن تستّر.فالحرية من دون مساءلة تُكرّر الجريمة، والمسامحة من دون اعترافٍ تُعيد إنتاج الظلم. الاتّجاه الدولي الجديد لم تعد هذه القضية لبنانية فحسب. فالعالم من حولنا يتّجه اليوم نحو منطق الدولة لا الميليشيا، نحو مبدأ السلاح الواحد الشرعي، ورفض أي «مقاومة» خارج القانون.من العراق إلى اليمن، ومن السودان إلى غزّة، أصبحت الرسالة واضحة: لا استقرار بلا سيادة، ولا سيادة بلا احتكارٍ شرعيٍّ للقوّة. ما دعا إليه الأسير منذ سنوات هو اليوم التوجّه العام للقوى الإقليمية والدولية: سلامٌ داخلي يتيح الاختلاف، لكن تحت سقفٍ واحد هو الدولة، لا خارجها. قضية الأسير تختصر مأساة لبنان كلّها: دولةٌ خضعت، وشعبٌ خاف، ومنظومةٌ استبدلت القانون بالولاء. لكنها تفتح أيضًا باب الأمل بأنّ العدالة يمكن أن تكون بداية الخلاص.لقد احتكر «الحزب» لسنوات كلمة «المقاومة»، لكن الحقيقة أنّ العدالة وحدها هي المقاومة: مقاومة الفساد، ومقاومة الخوف، ومقاومة التبعية. من يطالب اليوم بإنصاف الأسير لا يطلب حكمًا قضائيًا فحسب، بل يطالب بعودة الدولة اللبنانية إلى نفسها: دولة لا تخاف من الحقيقة، ولا تساوم على السيادة، ولا تسجن أبناءها لأنهم أحبّوها أكثر ممّا يحتمل الطغاة.