في 26 تشرين الثاني الجاري، أعلنت المديريةُ العامةُ لأمنِ الدولة عن توقيفِ طبيبٍ نسائيٍّ في الجنوب، مكتفيةً بالإشارةِ إليه بالحرفينِ الأوّلين من اسمِه (ج. ف.)، بعد الاشتباهِ في تورّطِه مع عصابةٍ منظّمةٍ تبيعُ وتنقلُ أطفالًا حديثي الولادة بطرقٍ غير قانونية.البيانُ الرسميّ أوضح أنّ دوريّةً من مديريةِ الجنوب الإقليمية أوقفته، وأنّ التحقيق أظهر أنّه سهّل نشاطَ العصابة عبر تزويرِ وثائقِ الولادة وبياناتِ القيد لإخفاءِ هويّةِ الأطفال وتسجيلِهم على أسماء أخرى بشكلٍ مخالفٍ للقانون، وأنّه مطلوبٌ أصلًا بمذكرةِ توقيفٍ غيابية صادرةٍ عن قاضي التحقيق في جبل لبنان.بهذه السطور القليلة، انفجرت واحدةٌ من أبشعِ القضايا المرتبطةِ بالاتجارِ بالبشر في لبنان، وتحولت من خبرٍ أمنيٍّ إلى امتحانٍ شاملٍ للمنظومةِ القضائية والأمنية والأخلاقية في البلد. خطٌّ زمنيٌّ لفضيحتين التحقيقاتُ أعادت فتحَ ملفٍّ قديمٍ نسبيًّا، قضيةِ جمعيةِ قريةِ المحبّة والسلام التي تفجّرت قبل عامٍ تقريبًا على خلفيةِ شبهاتِ بيعِ أطفالٍ وتزويرِ أوراقِهم الرسمية،وقرارٌ ظنّي صدر عام 2024 عن قاضي التحقيق في جبل لبنان، زياد الدغيدي، اعتبر أنّ عددًا من المتهمين ـــ بينهم الطبيبُ نفسه ـــ متورطون في: تزويرِ وثائق الولادة وبيانات القيد، نسبِ أطفالٍ إلى نساءٍ لم يلدنهم أصلًا، تشكيلِ شبكةٍ هدفُها الاتجارُ بالأطفال وإجبارِ بعض الأمهات على التخلّي عن مواليدهنّ مقابل مبالغ مالية.وبحسب التقارير، كان اسمُ الطبيب (ج. أ. ف.) جزءًا من هذه الشبكة، وظهر توقيعُه على مستنداتٍ مزوّرة تخصّ أطفالًا سُجِّلوا على غيرِ أمهاتِهم البيولوجيات. هل ستذهب التحقيقاتُ إلى النهاية، فتُفتح كلّ ملفات «قريةِ المحبّةِ والسلام» وغيرها على مصاريعها؟ وكيف يمكن بناءُ آليةِ إنذارٍ مبكر من شاهدٍ إلى مطلوبٍ للعدالة المعطياتُ الأمنية والقضائية تفيد بأنّ الطبيبَ استُدعي عام 2023 إلى القضاء بصفةِ شاهدٍ في ملفٍّ مشابه، بعدما عُثر على مستنداتٍ تحمل توقيعَه. تُرك يومها بسندِ إقامة، لكنّ الملف تحوّل لاحقًا إلى تحقيقٍ جزائيٍّ أفضى إلى: ادّعاءٍ رسميٍّ عليه عام 2024 بتهم الاتجار بالأطفال، إصدارِ مذكرةِ توقيفٍ غيابية بحقّه.ورغم ذلك، لم تُنفَّذ المذكرة، بحسب ما تؤكّده المصادرُ نفسها، ليبقى الطبيبُ حرًّا يمارسُ عملَه الطبيّ.التوقيفُ الحالي للطبيب جرى داخل مستوصفٍ في صيدا، حيث كان يواصلُ عملَه كطبيبٍ نسائيّ، رغم القرارِ الظنيّ ومذكرةِ التوقيف بحقه منذ عام.فضيحةُ التوقيفِ المتأخر، إذ إنّ تركَ المتهمِ بجنايةِ الاتجار بالبشر يعملُ بحرّيةٍ في مستشفياتٍ ومستوصفات الجنوب لأكثرَ من سنة من دون تنفيذِ مذكرةِ التوقيف، هذا لا يقبله عقلٌ ولا منطق. كيف تعملُ الشبكة؟ نساءٌ ضعيفات، وأطفال يتحوّلون إلى ملفٍّ قانونيٍّ مزوَّر؛ صورةٌ قاسية لطريقةِ عملِ الشبكة التي تركز على نساءٍ يعانين من هشاشةٍ اجتماعية ونفسية لا حول لهنّ ولا قوة (لبنانيات، سوريات، فلسطينيات)، بالإضافة إلى حالاتِ حملٍ معقّدة، أو حملٍ ناتجٍ عن اغتصابٍ أو استغلالٍ جنسيّ.يتمّ تزويرُ إفاداتٍ ووثائقِ الولادة، واستبدالُ اسمِ الأمِّ الحقيقية بأخرى (شارية) للطفل، أحيانًا عبر جمعياتٍ أو عائلاتٍ ميسورة.بهذه الحالة، يتحوّل الطفلُ من كائنٍ حيٍّ له أمّ وبيئة وحقوق، إلى ملفٍّ ورقيٍّ جديد داخل دائرةِ النفوس: اسمٌ مختلف، أمٌّ مختلفة، عنوانٌ مختلف، وحياةٌ كاملةٌ مختلَقة.التحقيقُ نفسه يشير إلى شكاوى نساءٍ راجعن الطبيبَ لعلاج العقم أو صعوبة الحمل، ليتبيّن ـــ وفق روايتهنّ ـــ أنّه كان يحقنُ بعضَهنّ بإبرِ تلقيحٍ منتهيةِ الصلاحية، في استغلالٍ مضاعفٍ لضعفِهنّ الجسديّ والنفسيّ.هذه التفاصيلُ، إن تأكدت قضائيًا، لا تتعلق فقط بالاتجارِ بالبشر، بل أيضًا بحقوقِ المرضى وسلامتهم، وبأخلاقياتِ مهنةِ الطبّ في الحدّ الأدنى.يكشف نقيبُ الأطباء في لبنان أنّ ملفّ الطبيب في النقابة كان خاليًا من الدعاوى والشكاوى، ما يعني أنّ اسمَه لم يُشطَب من الجدول، ولم يُتَّخذ بحقّه إجراءٌ مهنيٌّ وقائيّ.هذا الفراغُ بين ما يعرفه القضاءُ وما تعرفه النقابة، سمح لطبيبٍ ملاحق ـــ بحسب هذه المعطيات ـــ أن يواصل العملَ مع مرضى لا يعلمون شيئًا عن ملفّه القضائي.النتيجة: طفلٌ جديد، أمٌّ جديدة، وثيقةٌ جديدة، وثغرةٌ رسميةٌ واحدةٌ تتكرر. صيدا كمرآةٍ للهشاشة اختيارُ الجنوب، وصيدا تحديدًا، كبيئةِ عملٍ للشبكة ليس صدفةً في القراءةِ الاجتماعية؛ فالمنطقة تستقبلُ لاجئين ونازحين بأعدادٍ كبيرة (سوريون، فلسطينيون)، يعيش كثيرٌ منهم في أوضاعٍ اقتصادية ونفسية هشّة، بالإضافة إلى النساء الأكثر ضعفًا بسبب الفقر، أو غياب الدعم العائلي، أو التعرّض للعنف الجنسي.هؤلاء يكنّ أكثرَ قابليةً للضغط أو الإقناع بالتخلّي عن أطفالهنّ مقابل مبالغ مالية أو وعودٍ بحياة «أفضل» للطفل.وبهذا المعنى، تبدو القضيةُ أيضًا مرآةً لانهيارٍ اجتماعيٍّ – اقتصاديٍّ حين تُصبح الأمُّ عرضةً للبيع قبل أن يُباع الطفلُ نفسه. تصبح الجريمةُ مركّبة: جريمةَ اتجارٍ بالبشر، وجريمةَ فشلِ دولةٍ في حمايةِ أضعفِ الفئات. ماذا بعد التوقيف؟ هل ستذهب التحقيقاتُ إلى النهاية، فتُفتح كلّ ملفات «قريةِ المحبّةِ والسلام» وغيرها على مصاريعها؟وكيف يمكن بناءُ آليةِ إنذارٍ مبكر تربطُ بين القضاء ونقابة الأطباء ووزارة الصحة، بحيث لا يستطيع أيّ طبيبٍ ملاحق بجنايةٍ خطيرة أن يواصل العملَ مع المرضى؟ توقيفُ الطبيب في صيدا خطوةٌ مهمّة، لكنها لا تكفي وحدها. هي نقطةٌ على خطٍّ طويلٍ يبدأ من غرف الولادة ولا ينتهي عند أبواب قصور العدل. إذا انتهت القضيةُ إلى كبشِ فداءٍ فرديٍّ يُودَع السجنَ فيما تبقى الثغراتُ كما هي، سنعود قريبًا لنسمع عن «طبيبٍ آخر» و«شبكةٍ أخرى» و«أطفالٍ آخرين». أمّا إذا استُخدمت هذه الفضيحة كنقطةِ تحوّلٍ لمراجعةٍ جديّة في القضاء والأمن والنقابات والقوانين الاجتماعية، فقد تتحول من جريمةٍ صادمةٍ إلى محفّزٍ لإصلاحٍ حقيقيّ.
من المرتقَبِ أن يسمعَ الصيداويّون في الأيامِ المقبلة عن لقاءٍ سيجمعُ بين قطبينِ سياسيَّينِ أساسيَّين في المدينة، بعد فترةٍ من الجفاء غيرِ المُعلَن بينهما، دون أسبابٍ معروفة. الزيارةُ التي ستندرجُ ـــ بحسب العاملين عليها ـــ ضمن إطارِ ردّ الزيارةِ والمجامَلاتِ الاجتماعيّة في صيدا، إلّا إنّه لا يمكنُ فصلُها عن سياقِ الاستحقاقِ الانتخابيّ النيابيّ المُقبل على المدينة، وخريطةِ التحالفات التي تعملُ القوى السياسية على تركيبِها بانتظارِ التأكّدِ من الانطِلاقِ الفعليّ لهذا الأمر، في ظلّ ترقّباتٍ مفتوحةٍ على كلِّ الاحتمالات.
يرتبطُ مصيرُ آلافِ العائلاتِ في البقاع والجنوب والشمال بقرارٍ سياسيّ يُتّخذ في الرياض. فحين تُعلن السعودية نيّتها تعزيز العلاقات التجارية مع لبنان بعد تشديد الرقابة على تهريب الكبتاغون، لا يكون الخبر مجرّد تفاصيل دبلوماسية، بل إشارة إلى تحوّلٍ أوسع في علاقة لبنان مع الخليج، بكل ما تحمله من فرصٍ وضغوطٍ في آنٍ واحد تدهور العلاقات شكّلت السعوديةُ ودولُ الخليج تاريخيًا الرئة الاقتصادية والمالية للبنان. فقد تجاوزت قيمةُ الصادرات اللبنانية إلى السعودية 200 مليون دولار سنوياً بين 2016 و2020، نصفُها زراعي (خضار وفواكه) ونصفُها صناعي (غذاء وصناعات خفيفة ودواء).وفي أوسع مراحل التبادل، لامست العلاقات التجارية المباشرة بين البلدين 800 مليون دولار سنوياً في الاتجاهين، قبل أن تتراجع تحت وطأة الأزمات السياسية. أما التحويلات المالية من اللبنانيين العاملين في الخليج، فقد شكّلت وما تزال الشريان الأكثر حيوية للاقتصاد. ففي عام 2023 بلغت تحويلات اللبنانيين من الخارج 6.4 – 6.7 مليارات دولار، يأتي نحو 48% منها من دول مجلس التعاون، ما يجعل الخليج المصدر الأول للعملة الصعبة في البلد. بمعنى آخر، العلاقة مع الخليج ليست “ترفًا سياسيًا”، بل جزءٌ بنيويٌ من دورة حياة الاقتصاد اللبناني. ضربة الكبتاغون في نيسان 2021، أعلنت السعودية وقف استيراد الفاكهة والخضار اللبنانية بعد ضبط شحنة رمان تضم أكثر من 5.3 ملايين حبة كبتاغون في مرفأ جدة.لم يكن القرار زراعياً فقط، بل ردًّا أمنيًا وسياسيًا مباشرًا على استغلال الأراضي اللبنانية في شبكات تهريب تهدّد أمن المملكة. الارتدادات كانت قاسية، انهيار أسعار المنتجات الزراعية في الداخل، تلف مواسم كاملة، إفلاس شركات تصدير وخسارة عقود بملايين الدولارات، تراجع مداخيل الخزينة من العملة الصعبة. ثم جاءت أزمة تصريحات وزير الإعلام السابق جورج قرداحي حول حرب اليمن لتصبّ الزيت على النار وتُعيد التذكير بالخلفية السياسية الدائمة: “نفوذ حزب الله وتأثيره في قرار الدولة”. مدينة تستحق أن تكون مركزًا معرفيًا متطورًا.. تحوّلت إلى حي فقير رقميًا بداية المؤشرات المفتاح هو الشرط الأمني، معلومات متقاطعة تشير إلى أن الرياض لمست تحسّنًا نسبيًا في أداء الأجهزة اللبنانية لناحية ضبط مسارات التهريب، وزيادة التعاون المعلوماتي مع أجهزة خليجية. مسؤول سعودي رفيع قال مؤخرًا إن المملكة ستعزّز العلاقات التجارية مع بيروت بعد “إثبات جدّية أكبر في مكافحة التهريب”. التطوّر لا يقتصر على السعودية. في أيار 2025، رفعت الإمارات تحذير السفر إلى لبنان وسمحت لمواطنيها بالعودة إليه، في خطوة تُقرأ كجزء من انفتاح خليجي أوسع. الخليج إذن لا يريد ترك لبنان ينهار بالكامل، لكنه لا يريد أيضًا العودة إلى “القديم كما كان” من دون ثمن سياسي وأمني واضح. المزارع… القلب الحقيقي للمعادلة يعرف المزارع في البقاع والجنوب والشمال تمامًا ما يعنيه فتح السوق السعودي:الفرق بين موسم ناجح وموسم كارثي. عودة التصدير تعني: ارتفاع أسعار المحاصيل مقارنة بالسوق المحلي المنهار، تصريف الإنتاج بدل رميه أو بيعه بخسارة، دخول الدولار مباشرة إلى جيوب المزارعين والمصدّرين. إنها جرعة حياة لواحد من آخر القطاعات الإنتاجية المتبقية في لبنان. العمود الفقري غير المرئي… التحويلات حتى لو عاد التصدير، يبقى الأساس هو التحويلات. نحو نصف التحويلات التي بلغت 6.7 مليارات دولار في 2023 تأتي من الخليج، ما يعني أن أي توتر سياسي معه هو تهديد مباشر للأمن المالي والاجتماعي لعشرات آلاف العائلات من صيدا إلى طرابلس ومن زحلة إلى الجنوب. تحسّن العلاقات لا ينعكس فقط في صناديق العنب والحمضيات…بل في الرواتب المحوّلة شهريًا من الرياض والدوحة ودبي والكويت إلى البيوت اللبنانية. تهدئة أم إدارة أزمة؟ يدرك حزب الله أهمية الخليج للاقتصاد اللبناني، وأرسل في مراحل مختلفة إشارات تهدئة.لكن السؤال الذي لا يزال بلا جواب:هل يمكن للبنان بناء علاقة طبيعية مع الخليج من دون معالجة جذور النفوذ والسلاح والتموضع الإقليمي؟أم نحن أمام صيغة “تعايش هشّ” تُدار فيها الخلافات بدل حلّها؟ بين بندورة البقاع وقرار في الرياض… أين الحقيقة؟ قد يبدو الحديث عن تعزيز الرياض للتبادل التجاري مع لبنان عنوانًا اقتصاديًا تقنيًا، لكنه في جوهره اختبار سياسي لبلد مأزوم يقف على عتبة علاقة مصيرية مع بيئته العربية. القطاف الحقيقي ليس في عودة البرتقال والعنب والتفاح إلى رفوف المتاجر في الرياض وجدة والدمام، بل في قدرة لبنان على تحويل هذه الخطوة إلى مسار اقتصادي-سياسي لاستعادة الدولة. من دون ذلك، سيبقى موسم المزارع في البقاع وراتب الموظف في صيدا وطرابلس معلّقَيْن بين حبة رمان تُضبط في ميناء… وقرار سياسي يُتّخذ في عاصمة بعيدة.