في قلب بيروت، وتحديداً في القصر الجمهوري في بعبدا، ستشهد جلسة مجلس الوزراء المقررة اليوم الثلاثاء لحظة تاريخية قد تعيد تشكيل المشهد السياسي اللبناني والإقليمي برمته. للمرة الأولى منذ تأسيس حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي، ستناقش الحكومة اللبنانية رسمياً وعلنياً موضوع “حصرية السلاح بيد الدولة”، في خطوة تمثل تحدياً مباشراً لأقوى فصيل مسلح في البلاد أتي هذه الجلسة تحت ضغوط دولية وإقليمية غير مسبوقة، وتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل لبنان ودوره في المنطقة. فهل ستنجح الدولة اللبنانية في استعادة احتكار السلاح الذي فقدته منذ عقود؟ وما هي التداعيات المحتملة لهذه الخطوة على الاستقرار الداخلي والتوازنات الإقليمية؟بحسب المعطيات المتوفرة، فإن هذه الجلسة ليست مجرد اجتماع روتيني، بل هي نقطة تحول حقيقية في مسار الدولة اللبنانية. فبعد سنوات من التجاهل أو التأجيل، يبدو أن الظروف الداخلية والخارجية قد تضافرت لتضع ملف سلاح حزب الله كأولوية، مما يجعل من هذا الاستحقاق اختباراً حقيقياً لقدرة النظام السياسي اللبناني على اتخاذ قرارات مصيرية. عودة إلى الوراء لفهم الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى جذورها التاريخية التي تمتد إلى فترة الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990). خلال تلك الحقبة، تفككت الدولة عملياً، وبرزت ميليشيات مسلحة متعددة. في هذا السياق، وُلد حزب الله عام 1985 كحركة مقاومة شيعية ضد الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، مستفيداً من الدعم الإيراني والسوري.اتفاق الطائف، الذي وُقع عام 1989، نص بوضوح على ضرورة حل الميليشيات وتسليم أسلحتها للدولة، مع استثناء مهم: المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. هذا الاستثناء خلق منطقة رمادية استغلها حزب الله لتبرير احتفاظه بسلاحه حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.بعد حرب تموز 2006، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1701، الذي دعا إلى “نزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان، حتى لا تكون هناك أي أسلحة أو سلطة في لبنان عدا ما يخص الدولة اللبنانية”. لكن تطبيق هذا القرار واجه عقبات، أبرزها رفض حزب الله تسليم سلاحه وعجز الدولة عن فرض سلطتها. تحديات قانونية وسياسية من الناحية القانونية، اعتمد حزب الله على تفسير مختلف للنصوص، معتبراً سلاحه “مقاومة” وليس “ميليشيا”. أما سياسياً، فقد ارتبط ملف السلاح بالتوازنات الطائفية الحساسة، حيث يثير نزع سلاح حزب الله مخاوف لدى الطائفة الشيعية من فقدان “قوة الردع” التي تحميها.مع تشكيل الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام، تضمن البيان الوزاري نصاً واضحاً حول “بسط سلطة الدولة على كل أراضيها”، وهو ما يمثل التزاماً دستورياً جديداً شارك فيه نواب حزب الله أنفسهم. ضغوط دولية وتغيير في الاستراتيجية تمثل الضغوط الأمريكية العامل الخارجي الأكثر تأثيراً، حيث قدم المبعوث الأمريكي توماس براك ورقة تتضمن مطالب واضحة، أبرزها سحب سلاح حزب الله. من جهتها، تتعامل إسرائيل مع الملف من منظور أمني بحت، وتعتبر نزع السلاح شرطاً أساسياً لأي تطبيع.تلعب السعودية دوراً محورياً في الضغط الدبلوماسي لتقليل النفوذ الإيراني، عبر تقديم حوافز اقتصادية ودعم مؤسسات الدولة. في المقابل، تقف إيران، الداعم الرئيسي لحزب الله، رافضةً أي تنازلات بشأن سلاح الحزب، الذي تعتبره جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيتها الإقليمية. حزب الله ليس مجرد ميليشيا مسلحة، بل شبكة معقدة من المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. نزع السلاح يتطلب التعامل مع هذه الشبكة المعقدة دون زعزعة الاستقرار الاجتماعي تغيير في المعادلة الداخليةعلى الصعيد الداخلي، يشهد المشهد السياسي تغييرات مهمة:فقدان الثلث المعطل: لم يعد بإمكان حزب الله وحلفائه عرقلة قرارات الحكومة.الإجماع الرئاسي-الحكومي: هناك توافق نادر بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء حول ضرورة حصرية السلاح.الضغط الشعبي: تتزايد الأصوات المطالبة بحصرية السلاح في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.في مواجهة هذه الضغوط، يتبنى حزب الله استراتيجية تجمع بين الرفض القاطع والمناورة السياسية، مؤكداً أن سلاحه موجه لمواجهة إسرائيل فقط. سيناريوهات محتملةتسود أجواء من الترقب والتوتر، وتتنوع التوقعات حول مخرجات الجلسة بين عدة سيناريوهات:السيناريو الأول (الأكثر احتمالاً): الإقرار المبدئي مع الإحالة. يتضمن هذا السيناريو إقرار مبدأ حصرية السلاح وإحالة الملف إلى المجلس الأعلى للدفاع لوضع برنامج زمني للتنفيذ، مما يرضي الضغوط الدولية ويتجنب المواجهة المباشرة.السيناريو الثاني: القرار الحاسم بجدول زمني. وهو قرار يمثل استجابة كاملة للمطالب الدولية، لكنه يحمل مخاطر مواجهة مباشرة مع حزب الله وزعزعة الاستقرار الداخلي.السيناريو الثالث (الأسوأ): التأجيل أو الفشل. سيؤدي هذا السيناريو إلى فقدان الثقة الدولية وتعميق الأزمة السياسية والاقتصادية.تحديات التنفيذ وإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسيةحتى لو اتُخذ القرار، فإن تنفيذه يواجه تحديات عملية، أبرزها تفوق القدرة العسكرية لحزب الله على الجيش اللبناني، والتعقيدات الجغرافية، وتداخل الحزب مع مؤسسات الدولة.إن نزع سلاح حزب الله، إذا تحقق، سيكون له تأثير عميق على “محور المقاومة” الذي تقوده إيران، وسيضعف موقعها الاستراتيجي. بالنسبة لإسرائيل، سيمثل ذلك فرصة نادرة لتحقيق أمنها على الحدود الشمالية. أما عربياً، فسيعزز هذا التطور موقع السعودية ويقلل من النفوذ الإيراني. تغيير في المعادلةعلى الصعيد الداخلي، تشهد المعادلة السياسية اللبنانية تغييرات مهمة تصب في اتجاه الضغط على حزب الله. أبرز هذه التغييرات:أولاً، فقدان الثلث المعطل: فقد حزب الله وحلفاؤه “الثلث المعطل” داخل الحكومة، مما يعني أن القرارات الحكومية يمكن أن تمر دون موافقتهم الكاملة. هذا التغيير في التوازن السياسي يقلل من قدرة الحزب على عرقلة القرارات التي لا تناسبه.ثانياً، الإجماع الرئاسي-الحكومي: يشهد لبنان حالة نادرة من التوافق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام حول ضرورة حصرية السلاح. هذا التوافق يخلق زخماً سياسياً قوياً لدفع هذا الملف.ثالثاً، الضغط الشعبي: تتزايد الأصوات الشعبية المطالبة بحصرية السلاح، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة والحاجة للدعم الدولي. كثير من اللبنانيين يرون في نزع السلاح شرطاً ضرورياً لاستعادة الثقة الدولية والحصول على المساعدات. التهديد والفُرصة تُعدّ إسرائيل حزبَ الله التهديدَ الأمنيَّ الأكبر على حدودها الشمالية، وتتعامل مع ملف نزع السلاح من منظور أمنيٍّ بحت. الموقف الإسرائيلي واضحٌ ومباشر: نزع سلاح حزب الله هو شرطٌ أساسيٌّ لأيّ تطبيعٍ في العلاقات مع لبنان، ولأيّ دعمٍ دوليٍّ للبلاد. لا تبني إسرائيل سياساتها على انتظار التنازلات اللبنانية، بل “تستثمر بقاء السلاح كذريعةٍ للضغط والضربات”. وهذا يعني أنّ إسرائيل تستخدم ملف السلاح كأداةِ ضغطٍ مستمرة، مع التلويح بالعمل العسكريّ في حال عدم تحقيق تقدُّم. ويكمن التحدّي الإسرائيلي في عدم تقديم ضماناتٍ واضحةٍ بعدم الاعتداء على لبنان في حال نُزِع السلاح. هذا الغموض يُغذّي مخاوف اللبنانيين من أن يؤدّي نزعُ السلاح إلى ترك البلاد عرضةً للعدوان الإسرائيلي دون وسائل دفاعٍ كافية. المقاومة والمُناورة تقف إيران، الداعمُ الرئيسيّ لحزب الله، في الطرف المقابل من معادلة الضغوط. الموقف الإيراني واضح: رفضُ أيّ تنازلاتٍ بشأن سلاح حزب الله، اعتباراً لدوره في “محور المقاومة” ضدّ إسرائيل والنفوذ الأمريكي في المنطقة. تشير التحليلات إلى أنّ “إيران لم تُعطِ موافقتها لتسليم سلاح حزب الله”، وأنّها “تسعى للحفاظ على مصالحها في لبنان عبر الضغط على نبيه برّي”. هذا الموقف الإيراني يضع حزب الله في موقفٍ صعب، إذ يواجه ضغوطاً متزايدة من جهة، ومقاومةً من حليفه
لطالما كان ملفُّ سلاحِ حزبِ اللهِ اللبناني نقطةَ خلافٍ رئيسيّة في المشهدِ السياسيِّ اللبنانيِّ والإقليميِّ والدوليّ. فمنذ تأسيسه في أوائلِ الثمانينيّات، لعب الحزبُ دورًا محوريًّا في مقاومةِ الاحتلالِ الإسرائيلي، لكنَّ ترسانتَهُ العسكريّة أصبحت أيضًا مصدرًا للتوتّراتِ الداخليّةِ والخارجيّة مع تزايدِ الضغوطِ الإقليميّة والدوليّة لنزعِ سلاحِه، يبرزُ تساؤلٌ جوهريّ: ماذا لو لم يُسلِّم حزبُ الله سلاحَه؟ وما هي التوقّعاتُ والتداعياتُ المحتملةُ على الصعيدَين المحليِّ والدوليّ؟ السيناريوهاتُ المحتملةُ والتداعياتُ المترتبةُ على استمرارِ حزبِ الله في الاحتفاظِ بسلاحه كثيرةٌ ومتشعّبة، من ناحيةِ الأبعادِ السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة على لبنان والمنطقة. انقسامٌ سياسيٌّ وتوتّرات سيؤدّي احتفاظُ حزبِ اللهِ بسلاحه خارجَ إطارِ الدولةِ اللبنانيّة حتمًا إلى تعميقِ الانقساماتِ السياسيّة القائمة في لبنان. فالقوى السياسيّة المناهضةُ للحزب، والتي تُطالِبُ بحصرِ السلاحِ في يدِ الدولة، ستجدُ نفسَها في مواجهةٍ مستمرّة مع حزبِ اللهِ وحلفائِه، ممّا قد يُشِلُّ عملَ المؤسّساتِ الدستوريّة ويُعيقُ اتخاذَ القراراتِ المصيريّة. قد يتطوّرُ هذا الانقسامُ إلى أزماتٍ حكوميّةٍ متكرّرة، ويزيدُ من صعوبةِ عملِ الحكومةِ لمعالجةِ الأزماتِ الاقتصاديّةِ والاجتماعيّة التي يُعاني منها لبنان. على الصعيدِ الأمنيّ، يُمثّلُ سلاحُ حزبِ اللهِ تحدّيًا كبيرًا لسلطةِ الدولة وقدرتِها على بسطِ سيادتِها على كاملِ أراضيها. فوجودُ قوّةٍ عسكريّةٍ موازيةٍ للجيشِ اللبناني يُضعفُ هيبةَ الدولة، ويخلقُ حالةً من عدمِ الاستقرارِ الأمنيّ. وقد يُؤدّي أيُّ احتكاكٍ بين عناصرِ حزبِ اللهِ والقوى الأمنيّةِ اللبنانيّة، أو بين الحزبِ وخصومِه السياسيّين، إلى توتّراتٍ أمنيّة قد تتطوّر إلى اشتباكاتٍ مسلّحة، ممّا يُهدّدُ السِّلمَ الأهليَّ ويُعيدُ إلى الأذهانِ شبحَ الحربِ الأهليّة. من الناحيةِ الاقتصاديّة، فإنَّ عدمَ تسليمِ حزبِ اللهِ لسلاحه سيُفاقمُ الأزمةَ الاقتصاديّة في لبنان. فالمجتمعُ الدوليّ والمؤسّساتُ الماليّةُ الدوليّةُ تربطُ تقديمَ المساعداتِ للبنان بضرورةِ إجراءِ إصلاحاتٍ هيكليّة، من ضمنِها معالجةُ قضيّةِ السلاحِ غيرِ الشرعيّ. وبالتالي، فإنَّ استمرارَ الوضعِ الراهن سيُعيقُ حصولَ لبنان على الدعمِ الماليِّ الذي هو بأمسِّ الحاجةِ إليه، ممّا سيزيدُ من تدهورِ قيمةِ الليرةِ اللبنانيّة، ويرفعُ معدّلاتِ التضخّمِ والبطالة، ويُفاقمُ من معاناةِ المواطنين اللبنانيّين. يُمثّلُ سلاحُ حزبِ اللهِ تحدّيًا كبيرًا لسلطةِ الدولة وقدرتِها على بسطِ سيادتِها على كاملِ أراضيها. فوجودُ قوّةٍ عسكريّةٍ موازيةٍ للجيشِ اللبناني يُضعفُ هيبةَ الدولة، ويخلقُ حالةً من عدمِ الاستقرارِ الأمنيّ توتّراتٌ إقليميّةٌ وعزلةٌ دوليّة على الصعيدِ الدوليّ، فإنَّ عدمَ تسليمِ حزبِ اللهِ لسلاحه سيُؤدّي إلى استمرارِ التوتّراتِ الإقليميّة، خاصّةً مع إسرائيل. فالحزبُ يعتبرُ نفسَه جزءًا من “محورِ المقاومة” المدعومِ من إيران، وسلاحُه يُمثّلُ ورقةَ ضغطٍ في الصراعِ الإقليميّ. هذا الوضعُ قد يُؤدّي إلى تصعيدٍ عسكريٍّ في أيِّ لحظة، ممّا يُهدّدُ الأمنَ والاستقرارَ في المنطقةِ بأسرِها. وقد رأينا كيف أنَّ أيَّ تصعيدٍ بين حزبِ اللهِ وإسرائيل يُؤثّرُ بشكلٍ مباشرٍ على دولِ الجوار، ويزيدُ من احتماليّةِ نشوبِ صراعٍ أوسع. كما أنَّ استمرارَ حزبِ اللهِ في الاحتفاظِ بسلاحِه سيُعرّضُ لبنان لعزلةٍ دوليّةٍ متزايدة. فالمجتمعُ الدوليّ، وخاصّةً الدولُ الغربيّة، يعتبرُ سلاحَ حزبِ الله تهديدًا للأمنِ الإقليميِّ والدوليّ، ويُطالِبُ بضرورةِ نزعِه. وبالتالي، فإنَّ عدمَ استجابةِ لبنان لهذه المطالبِ قد يُؤدّي إلى فرضِ عقوباتٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ إضافيّة على البلاد، ممّا يزيدُ من معاناتِها، ويحدُّ من قدرتِها على التعاملِ مع الأزماتِ التي تُواجِهُها. هذا الأمرُ سيُؤثّرُ سلبًا على علاقاتِ لبنان مع الدولِ المانحةِ والمؤسّساتِ الدوليّة، ويُقلّلُ من فُرصِ حصولِه على المساعداتِ والاستثماراتِ اللازمةِ لإنعاشِ اقتصادِه. علاوةً على ذلك، فإنَّ عدمَ تسليمِ سلاحِ حزبِ الله يُعقّدُ جهودَ التسويةِ السياسيّة في المنطقة. فالحزبُ يُمثّلُ لاعبًا رئيسيًّا في المشهدِ السياسيِّ اللبنانيِّ والإقليميّ، وسلاحُه يمنحه نفوذًا كبيرًا. وأيُّ محاولةٍ للتوصّلِ إلى حلولٍ سياسيّةٍ للأزماتِ الإقليميّة، مثل الصراعِ الفلسطينيّ الإسرائيليّ أو الأزمةِ السوريّة، ستصطدمُ بواقعِ وجودِ سلاحِ حزبِ الله، ممّا يجعلُ التوصّلَ إلى تسوياتٍ شاملةٍ أمرًا صعبًا للغاية. هذا الوضعُ قد يُؤدّي إلى استمرارِ حالةِ الجمودِ السياسيّ في المنطقة، ويزيدُ من تعقيدِ الأزماتِ القائمة. يمكنُ القولُ إنَّ عدمَ تسليمِ حزبِ اللهِ اللبناني لسلاحِه يحملُ في طيّاتِه تداعياتٍ خطيرةً على المستويَين المحليِّ والدوليّ. فمحليًّا، سيُؤدّي إلى تعميقِ الانقساماتِ السياسيّة، وزيادةِ التوتّراتِ الأمنيّة، وتفاقمِ الأزمةِ الاقتصاديّة. ودوليًّا، سيُؤدّي إلى استمرارِ التوتّراتِ الإقليميّة، وعزلةِ لبنان الدوليّة، وتعقيدِ جهودِ التسويةِ السياسيّة في المنطقة. تتطلّبُ معالجةُ هذه القضيّة حوارًا وطنيًّا شاملًا، ودعمًا دوليًّا، وإرادةً سياسيّةً حقيقيّةً من جميعِ الأطرافِ لتقديمِ مصلحةِ لبنان وشعبِه على أيِّ اعتباراتٍ أُخرى، وصولًا إلى بناءِ دولةٍ قويّةٍ ومستقرّةٍ تتمتّعُ بالسيادةِ الكاملةِ على أراضيها وقرارِها.
من البديهي أن يكون السؤال الأبرز بعد الضربة الأميركية المباشرة التي طالت منشآت إيران النووية: هل ينخرط حزب الله اللبناني، كما غيره من “وكلاء” إيران وأذرعها، في المعركة المقبلة إلى جانب طهران؟في الظاهر، يبدو أنّ الحزب مستعدّ دائمًا لفتح جبهة الجنوب، لكنّ الحسابات الميدانية والسياسية تقول ما هو أعمق من ذلك بكثير جاهزية وحسابات معقّدة يُعدّ حزب الله أحد أقوى “أذرع” إيران في المنطقة، يمتلك ترسانة هائلة تتجاوز 150 ألف صاروخ، منها ما يتميّز بالدقّة العالية. كما يملك بنية تحتيّة عسكريّة عميقة، ووحدات مشاة نخبوية اكتسبت خبرة قتاليّة واسعة خلال مشاركته في الحرب السوريّة.قبل الحرب الأخيرة، كان يُقال إنّ الحزب قادر على إطلاق ألف صاروخ يوميًّا لمدة شهرين دون أن تُستنزف ترسانته، لكنّ الحرب الأخيرة غيّرت الكثير مما كان قائمًا قبلها، ما استدعى إعادة النظر في قدرة الحزب على الاستمراريّة بنفس الوتيرة. على الرغم من القوّة الظاهريّة، لا يتحرّك الحزب في مثل هذه المواجهات بقرار منفرد. فالتدخّل العسكريّ الشامل من لبنان مرتبط بأوامر من القيادة الإيرانيّة، وبسياق استراتيجيّ إقليميّ واسع يشمل العراق واليمن وسوريا. وهنا تكمن العقبات الرئيسيّة أمام قرار المواجهة العسكريّة: الضعف بعد الحرب: خرج حزب الله من الحرب الأخيرة مع إسرائيل أكثر ضعفًا على عدّة مستويات، عسكريًّا، وتنظيميًّا، وماليًّا، وقياديًّا. الوضع اللبنانيّ الهش: الانهيار الاقتصاديّ، الغضب الشعبيّ، والانقسام الطائفيّ تجعل الحرب مقامرة مكلفة على الصعيد الشعبيّ، بل قد تقود إلى تفجّر الأوضاع داخليًّا. الرّد الإسرائيليّ المحتمل: التهديدات الإسرائيليّة بالرّدّ “غير المسبوق” تشمل تدميرًا شاملًا للبنية التحتيّة في الجنوب وبيروت، مع عواقب كارثيّة على لبنان بأكمله. الخسائر السياسيّة: أيّ حرب قد تطيح بمكاسب الحزب داخل مؤسّسات الدولة، وتُضعف شرعيّته أمام جمهور غير الشيعة، ما يُهدّد موقعه السياسيّ الداخليّ. لا يمكن فصل التدخّل المحتمل لحزب الله عن السياق الإقليمي والدولي، فالمعادلات الحاليّة تتشابك بين التوازنات العسكريّة والسياسيّة، والمصالح الاستراتيجيّة لكلّ طرف: الرهان على الحرب بالوكالة: حزب الله يُمثّل العمود الفقريّ لمحور المقاومة في لبنان، لكنّه لا يمتلك القرار الأخير، إذ ترتبط تحرّكاته بشكل مباشر بإيران، التي تراهن على قدرة حزب الله على استنزاف العدوّ الإسرائيليّ دون الانجرار إلى حرب تقليديّة شاملة قد تُضعف مكانة محورها. هذا الرهان يظهر بوضوح في التدرّج التكتيكيّ للاشتباكات، وتجنّب المواجهات المفتوحة. تأثير الحرب في لبنان داخليًّا: أيّ تصعيد شامل سيضع لبنان أمام كارثة إنسانيّة واقتصاديّة، خصوصًا في ظلّ الانهيار الحالي. وهذا يضع الحزب أمام معضلة بين خيارات الردع والحفاظ على قواعده الشعبيّة، حيث قد يخسر الحرب الشعبيّة التي يعتمد عليها. المشهد الإقليميّ والدوليّ: الدعم الأميركيّ الإسرائيليّ المتزايد لإسرائيل، وتحركات القوى الكبرى مثل روسيا والصين في المنطقة، تُضيف طبقة من التعقيد. إنّ انخراط حزب الله في الحرب قد لا يغيّر كثيرًا ميزان القوى، لكنه قد يجرّ ردود فعل دوليّة غير محسوبة، ممّا قد يُعمّق الأزمات الإقليميّة. الوضع الداخلي اللبناني لا يسمح بحرب واسعة. الجيش اللبناني متحفّظ، القوى السياسيّة منقسمة، والرأي العام يعيش أزمة معيشيّة خانقة، والأغلبيّة العظمى من اللبنانيين ضدّ الدخول في مواجهة جديدة مع إسرائيل المواجهة الكاملة والتشويش المحسوب في ظلّ هذه المعطيات، يُحتمل أن يكون خيار حزب الله – وإن ظلّ مستبعدًا – هو فتح جبهات تكتيكيّة محدودة، بهدف تشتيت وتركيز الانتباه بعيدًا عن إيران، دون الانزلاق إلى حرب شاملة: فتح جبهة تشتيت تكتيكيّة: إطلاق رشقات صاروخيّة محدودة على مستوطنات إسرائيليّة بهدف تشتيت الدفاعات الجويّة، مع تجنّب التصعيد الكبير. تفعيل جبهة الجولان السوريّ: عبر مجموعات موالية أو تنسيق ميدانيّ غير مباشر، يمكن ضرب إسرائيل من جبهة الجولان، ما يسمح للحزب بالضغط دون تحمّل مسؤوليّة مباشرة. الدور الاستخباراتيّ الإقليميّ: يُساهم الحزب في إدارة العمليّات اللوجستيّة والتنسيق الاستخباراتي بين الحشد الشعبيّ في العراق، والحوثيين في اليمن، ضمن غرفة عمليّات “محور المقاومة”. الردّ الشامل إذا قرّرت طهران الرّد عسكريًّا بشكل مباشر وكبير ضدّ القواعد الأميركيّة أو إسرائيل، فإنّ حزب الله سيُدفع، على الأرجح، إلى خوض حرب شاملة، تتضمّن: قصفًا مكثّفًا على الجليل والمراكز الحسّاسة في إسرائيل. محاولات اختراق برّي محدودة على الحدود. هجمات سيبرانيّة تستهدف منشآت إسرائيليّة وخليجيّة. توقّعات مستقبليّة في السيناريو الهادئ: لن ينخرط حزب الله في أي أعمال عسكرية مساندة، أو سيبقى ملتزمًا بسياسة الرّد المحدود والتصعيد المتوازن، متجنّبًا الحرب الشاملة، مستفيدًا من الدبلوماسيّة الإقليميّة والضغوط الاقتصاديّة لتحقيق أهدافه. في السيناريو المتفجّر: قد نشهد تصعيدًا كبيرًا يفتح فيه حزب الله جبهات متعدّدة، ما يؤدّي إلى نزاع إقليميّ شامل، مع تداعيات كارثيّة على لبنان والمنطقة، قد تصل إلى تدخّل دوليّ مباشر. يبقى السؤال مفتوحًا على مصراعيه حول مدى قدرة حزب الله على موازنة مصالحه العسكريّة والإقليميّة مع ضغوط الواقع الداخليّ اللبنانيّ، وما إذا كانت الحسابات الاستراتيجيّة ستُغيّر قواعد اللعبة في الأيام القادمة. هذا التدخّل، إن حصل، قد يكون نهاية حزب الله وبداية مشهديّة جديدة في الساحة اللبنانيّة ستختلف كليًّا عمّا كانت عليه في اليوم الذي سبق. حزب الله يمتلك القوّة لإحداث تغيير في المعركة الإقليميّة، لكنّه يُدرك أن توقيت الحرب وسقفها ليسا في مصلحته الكاملة. لذلك، فإنّه أقرب إلى خيار عدم الردّ، أو الردّ المحدود والمدروس، إلّا إذا تحوّلت الحرب ضدّ إيران إلى تهديد وجوديّ، فحينها سيكون لبنان حتمًا على خط النار. المعركة المقبلة، إن اشتعلت، لن تبقى حدودها عند فوردو ونطنز، بل قد تتخطى شمال نهر الليطاني لتصل إلى بئر حسن، وربما ن أبعد من ذلك، لتكون لبنان ساحة تصعيد مفتوحة في حرب كبرى. النهاية المفتوحة