في الحروب التقليدية، يمكن قياس التقدّم بعدد الكيلومترات التي يسيطر عليها الجيش، أو بعدد المواقع التي يتمّ الاستيلاء عليها. أمّا في الصراعات الممتدّة والمعقّدة في الشرق الأوسط، فإنّ المسألة أكثر تعقيدًا بكثير. فالجيوش قد تنتصر على الأرض، لكنها تخسر السياسة، وقد تحقق تفوّقًا ناريًا ساحقًا، لكنها تعجز عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية النهائية. هذا هو التحدّي الذي تواجهه إسرائيل اليوم في لبنان. فبعد أشهر من العمليات العسكرية المكثّفة، وبعد العودة إلى مواقع ورموز ارتبطت تاريخيًا بالاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، تبدو الدولة العبرية وكأنها تحقق إنجازات ميدانية متلاحقة.لكن خلف هذه الصورة العسكرية الصلبة، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل تقترب إسرائيل فعلًا من تحقيق هدفها المعلن، المتمثل في إنهاء تهديد حزب الله، أم أنها تنزلق تدريجيًا إلى فخ استراتيجي جديد يشبه ذلك الذي وقعت فيه خلال احتلال جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000؟إنّ جوهر الأزمة لا يكمن في قدرة إسرائيل على التقدّم العسكري، بل في طبيعة الهدف نفسه. فحزب الله ليس جيشًا نظاميًا يمكن هزيمته عبر معركة فاصلة، ولا مجرد تنظيم مسلّح يمكن تفكيكه بعمليات أمنية محدودة. إنه ظاهرة سياسية واجتماعية وعسكرية متشابكة، تشكّلت خلال أربعة عقود من الصراع، وأصبحت جزءًا من بنية لبنان الداخلية ومن معادلات الإقليم بأسره. من الردع إلى الاحتلال الوقائي منذ هجوم السابع من أكتوبر، شهدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحوّلًا عميقًا. فقد انهارت الفرضيات التي حكمت التفكير الأمني الإسرائيلي لعقود، والقائمة على الردع والاحتواء وإدارة المخاطر.في المقابل، برزت عقيدة جديدة تقوم على ما يمكن تسميته “الاحتلال الوقائي”، أي منع التهديدات المستقبلية عبر السيطرة المباشرة على الأرض، وإنشاء مناطق عازلة، والاحتفاظ بحرية العمل العسكري المستمر داخل أراضي الدول المجاورة.في غزة، تجلّت هذه العقيدة بوضوح. وفي سوريا، تُترجَم عبر توسيع نطاق الضربات الجوية. أمّا في لبنان، فتأخذ شكل السيطرة على المرتفعات الاستراتيجية، وإنشاء أحزمة أمنية جديدة، وإبقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية لفترات مفتوحة.لكن المشكلة أنّ هذه العقيدة، رغم جاذبيتها الأمنية قصيرة الأمد، تحمل في داخلها بذور أزمة طويلة الأمد. فالتاريخ اللبناني تحديدًا لا يقدّم أي دليل على أنّ الاحتلال أنتج أمنًا دائمًا لإسرائيل. بل على العكس، كانت سنوات الاحتلال هي البيئة التي وُلد فيها حزب الله، وتحوّل خلالها من مجموعة صغيرة إلى أحد أكثر الفاعلين العسكريين نفوذًا في المنطقة. skip render: ucaddon_material_block_quote الضعف قوّة للوهلة الأولى، يبدو حزب الله الطرف الأضعف في المعادلة الحالية. فهو يواجه ضغوطًا عسكرية غير مسبوقة، ويعاني من خسائر بشرية ومادية كبيرة، كما أنّ البيئة الإقليمية التي دعمته لعقود تعرّضت لاهتزازات عميقة. غير أنّ الحركات المسلحة لا تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية. ففي كثير من الأحيان، تكون قدرتها الحقيقية كامنة في تحويل خسائرها إلى أدوات تعبئة سياسية. وهنا تحديدًا يظهر الفخ الذي تواجهه إسرائيل. فكلما توسّع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، وكلما ارتفعت أعداد الضحايا المدنيين واتسعت رقعة الدمار، ازدادت قدرة حزب الله على إعادة إنتاج خطابه التقليدي القائم على المقاومة والتحرير والدفاع عن السيادة الوطنية. وبمعنى آخر، فإنّ الحزب لا يحتاج بالضرورة إلى الانتصار عسكريًا حتى يحقق مكاسب سياسية. يكفيه أن يظهر بمظهر القوة التي ما زالت تقاتل الاحتلال، وأن يقنع جزءًا من اللبنانيين بأنّ استمرار سلاحه ما زال ضروريًا. هذه المعادلة هي نفسها التي واجهتها إسرائيل في جنوب لبنان خلال الثمانينيات والتسعينيات، عندما تحوّلت العمليات العسكرية اليومية إلى مصدر استنزاف دائم، وانتهى الأمر بانسحاب إسرائيلي كامل من دون تحقيق الأهداف التي أُعلن عنها عند بداية الحرب. معضلة إسرائيل الكبرى تكمن الأزمة الحقيقية في أنّ إسرائيل تجد نفسها محاصرة بين خيارين متناقضين. الخيار الأول هو مواصلة التوسّع العسكري والبقاء داخل الأراضي اللبنانية لفترة طويلة. وهذا الخيار يمنحها شعورًا فوريًا بالسيطرة، لكنه يهدد بإعادة إنتاج تجربة الاحتلال السابقة بكل ما حملته من استنزاف بشري ومالي وسياسي. أمّا الخيار الثاني، فهو الانسحاب أو تقليص الوجود العسكري من دون تحقيق تغيير جذري في وضع حزب الله. وهو خيار تخشى القيادة الإسرائيلية أن يُفسَّر داخليًا باعتباره فشلًا جديدًا وانتصارًا للحزب. وهكذا تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة قاسية: البقاء مكلف، والانسحاب مكلف، والتصعيد مكلف، والتراجع مكلف. إنها حالة نادرة في الصراعات الدولية، يصبح فيها النجاح التكتيكي مصدرًا للفشل الاستراتيجي. حزب الله لا ينتظر النصر… يكفيه أن تطول الحرب الفرصة اللبنانية الضائعة المفارقة أنّ لبنان نفسه يشهد اليوم تحوّلات سياسية ربما لم تتوفر منذ عقود. فالأزمة الاقتصادية العميقة، والانهيار المالي، وتراجع الثقة بالطبقة السياسية، وتصاعد الانتقادات الداخلية لدور السلاح خارج إطار الدولة، كلها عوامل فتحت نافذة تاريخية لإعادة طرح سؤال السيادة اللبنانية على أسس جديدة.وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، باتت شرائح واسعة من اللبنانيين تتحدث بصراحة عن ضرورة استعادة الدولة قرارها الأمني والعسكري. لكن استمرار الحرب يهدد بتبديد هذه الفرصة.فكلما توسّعت العمليات العسكرية الإسرائيلية، عاد النقاش اللبناني إلى نقطة الصفر. إذ تتراجع الأسئلة المتعلقة بمستقبل السلاح أمام الأسئلة المرتبطة بمواجهة الاحتلال والعدوان والدفاع عن الأرض.وبذلك، يتحوّل الضغط العسكري الإسرائيلي من عامل يضعف حزب الله إلى عامل يساعده على استعادة شرعيته الشعبية.لماذا لا يستطيع الجيش الإسرائيلي نزع سلاح حزب الله؟الفرضية الأساسية التي تقوم عليها بعض الأوساط الإسرائيلية تتمثل في أنّ الضغط العسكري المتواصل سيدفع الدولة اللبنانية، في النهاية، إلى نزع سلاح الحزب، غير أنّ هذه الفرضية تتجاهل حقيقة أساسية.فالدولة اللبنانية نفسها ليست قوة مستقلة عن التوازنات الداخلية. وهي لا تملك القدرة على فرض قرارات مصيرية بهذا الحجم عبر القوة وحدها.كما أنّ تجارب العالم تشير إلى أنّ نزع سلاح الحركات المسلحة الكبرى لا يتم بالقصف ولا بالاحتلال، بل عبر مسارات سياسية طويلة ومعقّدة، تتضمن تسويات داخلية وضمانات إقليمية ودولية وحوافز اقتصادية وأمنية.من أيرلندا الشمالية إلى كولومبيا إلى البلقان، لم يكن السلاح يختفي لأنه هُزم عسكريًا فقط، بل لأنه فقد مبررات وجوده السياسية والاجتماعية.وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام إسرائيل: كيف يمكنها المساهمة في خلق بيئة تجعل سلاح حزب الله أقل شرعية، لا أكثر شرعية؟ شقيف 1982 وشقيف 2026 حين رفع الجنود الإسرائيليون علمهم فوق قلعة الشقيف مجددًا، بدا المشهد بالنسبة إلى كثيرين انتصارًا رمزيًا. لكن في الذاكرة اللبنانية والفلسطينية، لا تمثل الشقيف مجرد موقع عسكري. إنها رمز لمرحلة كاملة من الصراع، وذكرى لمعركة أصبحت جزءًا من السردية التاريخية للمقاومة في لبنان.ولهذا، فإنّ العودة إلى الشقيف لا تعني فقط استعادة موقع جغرافي، بل تعني أيضًا استدعاء ذاكرة سياسية كاملة، بكل ما تحمله من دلالات وصور وروايات.وهنا يظهر التناقض الأبرز: فبينما أرادت إسرائيل أن تجعل من الشقيف رمزًا للقوة والردع، قد تتحوّل القلعة نفسها إلى تذكير دائم بالمأزق الذي واجهته قبل ربع قرن، وانتهى بانسحابها من لبنان. من يربح الزمن؟ في نهاية المطاف، لا يدور الصراع الحالي حول السيطرة على قرية أو تلة أو قلعة تاريخية، بل حول سؤال أكبر بكثير يتعلق بمستقبل لبنان
في لبنان، لا يموت الرجال حين يُغتالون. يموتون حين تُهزم أفكارهم. ولهذا، بعد أكثر من عقدين على اغتيال رفيق الحريري، يبدو السؤال اللبناني الكبير اليوم: هل سقط مشروع الحريري مع الانهيار، أم أنّ الانهيار نفسه هو الدليل على الحاجة إلى عودته؟ منذ اتفاق الطائف، لم يكن مشروع الرئيس الحريري مجرد خطة لإعادة إعمار وسط بيروت، ولا مجرد ورشة اقتصادية ضخمة. كان مشروعاً كاملاً لإعادة إنتاج الدولة اللبنانية بعد الحرب: دولة عربية، منفتحة، مؤسساتية، مرتبطة بالعالم، وقادرة على تحويل الجغرافيا اللبنانية الصغيرة إلى مركز مالي وتعليمي وخدماتي في الشرق الأوسط. لكن ما جرى بعد عام 2005 لم يكن فقط اغتيال رجل. كان اغتيال فكرة الدولة نفسها. التسوية التي أنقذت لبنان ولم تُطبّق حين دخل اتفاق الطائف حيّز التنفيذ، كان يفترض أن ينقل لبنان من منطق الميليشيا إلى منطق الدولة، ومن شرعية السلاح إلى شرعية المؤسسات. وقد تمسّك تيار “المستقبل” تاريخياً باعتبار الطائف مرجعية نهائية للنظام اللبناني، ورفض أي محاولة للانقلاب عليه. فهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري باكراً أنّ إعادة بناء الحجر بلا إعادة بناء الشرعية السياسية لن تكفي. لذلك بنى مشروعه على ثلاثة أعمدة: تثبيت العيش المشترك. حماية الاقتصاد الحر. إعادة وصل لبنان بالعالم العربي والمجتمع الدولي. لم يكن الرجل زعيماً شعبوياً. كان رجل دولة يفكر بمنطق الاستثمارات، الجامعات، البنى التحتية، والمطار والمرفأ والاتصالات. كان يريد لبنان منصة لا ساحة، دولة لا صندوق بريد للحروب الإقليمية. skip render: ucaddon_material_block_quote بعد اغتياله والانسحاب السوري عام 2005، دخل لبنان مرحلة اختلال عميق في التوازن الوطني. الدولة بقيت نظرياً تحت سقف الطائف، لكن السلطة الفعلية انتقلت تدريجياً إلى منطق الدويلة والسلاح وتعطيل المؤسسات. ومع الوقت، صار هناك اقتصاد بلا دولة، ومصارف بلا سيادة، وحكومات بلا قرار. ثم جاءت التسويات المتتالية التي أرهقت جمهور الاعتدال. جمهورٌ كان يريد دولة طبيعية، فيما الواقع كان يدفع أكثر فأكثر نحو منطق المحاور. حتى داخل البيئة الحريرية نفسها، بدأت الأسئلة المؤلمة: هل خسر رفيق الحريري لأن مشروعه كان أكبر من لبنان؟ أم لأن لبنان محكوم بجغرافيا شديدة التعقيد؟ لكن الحقيقة الأوضح اليوم أنّ الانهيار أثبت شيئاً واحداً: كل البدائل التي قُدّمت عن مشروع الدولة سقطت. سقطت شعارات “الاقتصاد المقاوم”، وسقطت نظريات العزلة عن العرب، وسقطت فكرة أنّ لبنان يستطيع العيش خارج النظام المالي العالمي. والنتيجة كانت بلداً مفلساً، معزولاً، مدمّراً، يهاجر شبابه ويقف أهله على أبواب المصارف والأفران والسفارات. لبنان بعد الانهيار: هل تأخّرنا كثيرًا عن مشروع الحريري؟ لماذا يعود اسم الحريري اليوم؟ لأن اللبنانيين، بعد الجوع والانهيار، عادوا لاكتشاف الفرق بين دولة فيها مشاكل… ولا دولة على الإطلاق. في السنوات الأخيرة، عاد خطاب تيار “المستقبل” ليركّز على مفاهيم الدولة والاعتدال وإعادة الإعمار والهوية العربية للبنان. وقد أكّد الرئيس سعد الحريري في أكثر من مناسبة أنّ “تيار المستقبل” سيبقى “تيار الدولة والمؤسسات والاعتدال وإعادة الإعمار”. ولعل المفارقة أنّ المنطقة نفسها تغيّرت. فبعد سنوات من الحروب والانقسامات، عاد الشرق الأوسط إلى لغة الاقتصاد والاستقرار والاستثمارات. الخليج يبني مشاريع ما بعد النفط، فالسعودية تتحول إلى قوة اقتصادية عالمية، والإمارات تتحول لمركز (hub) مشاريع الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، وسوريا تدخل مرحلة إعادة ترتيب كبرى، فيما لبنان لا يزال غارقاً في حروب الماضي. هنا تحديداً يعود سؤال الحريرية السياسية: هل يستطيع لبنان أن يعيش خارج منطق الدولة الحديثة؟ skip render: ucaddon_box_testimonial