٦شهد الطريق الساحلي الرابط بين صيدا وبيروت، اليوم، توترًا أمنيًا لافتًا إثر استهدافات إسرائيلية طالت محيط الأوتوستراد الساحلي، في تطور يعيد هذا الشريان الحيوي إلى دائرة الخطر المباشر، بعدما تحوّل خلال الأسابيع الماضية إلى مساحة مكشوفة أمام المسيّرات والغارات الإسرائيلية. وبحسب المعلومات الأولية، فإنّ الاستهدافات طالت حتى الآن أكثر من 7 سيارات على الطريق الساحلي في محيط السعديات والجية وصولا إلى صيدا، وسط تحليق مكثف للطيران المسيّر، واستنفار أمني في المنطقة، فيما عملت القوى الأمنية وفرق الإسعاف على تطويق أماكن الاستهدافات ومعالجة تداعياتها الميدانية. ويأتي هذا التصعيد في سياق نمط إسرائيلي متكرر يقوم على ملاحقة السيارات والأهداف المتحركة على طرق مدنية مفتوحة، وهو ما يرفع منسوب الخطر على المارة والسكان، خصوصًا أنّ طريق صيدا–بيروت يُعدّ من أكثر الطرقات حيوية في لبنان، ويربط العاصمة بالجنوب مرورًا بمناطق مكتظة بالسكان وحركة السير. وتعكس هذه الاستهدافات اتساع رقعة الضربات الإسرائيلية خارج نطاق القرى الحدودية التقليدية، باتجاه طرق ومناطق أكثر التصاقًا بالحياة المدنية اليومية، بما يحوّل التنقل بين الجنوب وبيروت إلى مغامرة أمنية مفتوحة، ويضع المدنيين أمام واقع جديد عنوانه: لا طريق آمنًا تحت عين المسيّرات. saida strike 7
بعيدًا عن أحلام بعض “الواهمين”، عبر بيانات أو صور أو تصريحات، ومع التقدير للجهد المبذول والأمل بغدٍ أفضل، من حيث المبدأ، لا يحق لأي بلدية في لبنان أن تضع تعرفة للمولدات الخاصة تخالف التعرفة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، لأن تسعير الكهرباء والمولدات يدخل ضمن الاختصاص التنظيمي والإداري المركزي للدولة، ولا سيما وزارة الطاقة، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة الداخلية والبلديات. وقد درجت وزارة الطاقة شهريًا على إصدار «التسعيرة العادلة» للمولدات الخاصة وإبلاغها إلى الداخلية والاقتصاد لتنفيذها وضبط المخالفات. غير أن الواقع العملي شهد في بعض الأحيان تدخّل بعض البلديات عبر قرارات تنظيمية محلية تتعلق بكيفية تطبيق التسعيرة، أو مراقبة الالتزام بها، أو تنظيم الاشتراكات ضمن نطاقها البلدي، استنادًا إلى صلاحياتها في الشؤون الصحية والبيئية والمحلية بموجب قانون البلديات اللبناني. لكن هذه الصلاحيات لا تخوّلها مخالفة قرار تنظيمي مركزي نافذ صادر عن الوزارة المختصة. وبالتالي، إذا أصدرت البلدية قرارًا تنظيميًا يهدف إلى فرض الالتزام بتسعيرة الوزارة، أو تنظيم الجباية والعدادات والضجيج وساعات التشغيل، فهذا يدخل ضمن صلاحياتها المحلية. أما إذا حدّدت تعرفة أعلى أو أدنى بصورة تخالف التسعيرة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة، فذلك يكون عرضة للإبطال لتجاوز حدّ السلطة، لأن البلدية لا تملك اختصاصًا أصيلًا بتحديد تعرفة مخالفة للتسعيرة الوطنية الرسمية. لذا، كي لا تكون “المعارك الدونكشوتية” التي تُخاض مجرد “زوبعة في فنجان”، فإن محافظ الجنوب يملك اليد الطولى للتدخل وضبط فوضى التسعيرات حتى تلك الصادرة عن بلدية صيدا نفسها كما سائر البلديات الأخرى.
يقال إن التاريخ يعيد نفسه، لكن في صيدا يبدو أنه لم يغادر أصلاً. فكما أشعل نيرون روما بالنيران في القرن الأول الميلادي، يعيش بيننا اليوم نيرون جديد، يطلّ من بين ركام النفايات على شاطئ المدينة ومنتجع جبل “الزبالة”، يراقب بصمت كيف يتحول المشهد البيئي إلى كارثة يومية، وكيف يُترك المواطنون في مواجهة أزمة تكاد تشبه حريق روما، ولكن برائحة النفايات بدل دخان الحطب. أزمة النفايات في صيدا ليست مجرد خلل إداري أو تقصير بلدي، بل هي صورة مصغّرة عن مأساة أكبر: مأساة مدينة تُحب الحياة وتُحب البحر، لكنها تُحاصر نفسها بأكوام من القمامة التي تهدد صحتها وصورتها الحضارية. وكأن نيرون، الذي عزف على قيثارته بينما كانت روما تحترق، يعزف اليوم على أوتار الإهمال والفساد، تاركًا صيدا تغرق في أزماتها البيئية. لكن صيدا ليست مدينة عابرة، وليست مجرد جغرافيا على الخريطة. هي هوية، هي انتماء، هي ما يمكن أن نسمّيه “القومية الصيداوية”. هذا المفهوم ليس شعارًا سياسيًا، بل هو شعور داخلي يعيشه كل صيداوي أينما ذهب. فالصيداويون يخرجون من مدينتهم للعمل والعيش في بيروت أو الخليج أو أوروبا، لكن صيدا لا تخرج منهم. تبقى في القلب، في الذاكرة، في تفاصيل الحياة اليومية. skip render: ucaddon_material_block_quote القومية الصيداوية هي ذلك الرابط غير المرئي الذي يجمع أبناء المدينة، مهما تفرّقوا في أصقاع الأرض. هي الحب الذي يتجدد في كل زيارة، في كل عودة إلى السوق القديم، في كل صلاة في الجامع العمري الكبير، في مسجد الزعتري، في مسجد الشاكرية، وفي كل نزهة تحت قناطر البلد وعلى الكورنيش البحري. هي شعور بالفخر والاعتزاز، رغم الأزمات، رغم الإهمال، رغم النفايات التي طغت على رائحة زهر الليمون في الوسطاني والبستان الكبير. من يزور صيدا يلمس هذا الحب في عيون أهلها. حب لا ينطفئ، رغم كل شيء. حب يجعلهم يتحدثون عن مدينتهم وكأنها فرد من العائلة، لا مجرد مكان. حب يجعلهم يرفضون الاستسلام، ويبحثون دائمًا عن حلول، عن مبادرات، عن مشاريع تعيد لصيدا صورتها المشرقة. هذه الهوية هي ما يميز الصيداويين عن غيرهم. هي ما يجعلهم يخرجون من صيدا للعمل والعيش، لكنهم يعودون إليها في كل مناسبة، في كل عطلة، في كل فرصة. هي ما يجعلهم يقولون بفخر: “نحن من صيدا”، وكأنها وسام شرف على صدورهم. أيها الإخوة “الصيادنة”، أدعو نفسي وإياكم: لن ننتصر على نيرون إلا إذا بدأنا من داخلنا. نيرون لم يولد في القصور وحدها، بل وُلد أيضًا في ثقافة الاستهتار التي تجعلنا نرمي النفايات في الشوارع والبحر بلا وعي ولا مسؤولية. صيدا التي لا تخرج منا، تستحق أن نُخرج منها ثقافة الاهمال إن حبنا لصيدا لا يُقاس بالكلمات وحدها، بل بالفعل اليومي البسيط: أن نحمل نفاياتنا إلى أماكنها الصحيحة، أن نرفض أن تتحول مدينتنا إلى مكبّ، أن نعلّم أبناءنا أن النظافة ليست عادة، بل إيمان. فلنقتل نيرون الذي وُلد فينا، ولنخرج من هذه الثقافة التي تحاصرنا، ولنثبت لصيدا أننا نستحق أن نكون منها ولها. فصيدا التي لا تخرج منا تستحق أن نحميها، وأن نعيد إليها صورتها المشرقة: مدينة البحر والكرامة، مدينة الحب والانتماء، صيدا الوفية، صيدا الأبية.