أثار وزير سابق من منطقة جزّين موجة استياء واسعة خلال مشاركته في مراسم عزاء أُقيمت في المنطقة، بعدما خرج عن أجواء المناسبة وأدلى بتصريحات سياسية ذات طابع طائفي حاد، تضمّنت إساءات، إضافة إلى مواقف عدائية من المقاومة. وبحسب ما أفاد به عدد من الحاضرين جريدة “البوست”، فقد جاء حديث الوزير السابق في سياق مزايدة سياسية، متجاوزًا حدود اللياقة في مناسبة اجتماعية وإنسانية، ولا سيما في ظل وجود ممثل عن أحد الأحزاب الكبرى، حيث طاول الكلام أمين عام هذا الحزب بشكل مباشر، ما أدّى إلى تصاعد حدّة التوتر داخل مجلس العزاء نفسه. وقد سُجّل امتعاض واضح لدى أصحاب العزاء وعدد من المشاركين، الذين اعتبروا أن الزجّ بخطاب تحريضي وطائفي في مناسبة كهذه يُشكّل إساءة لأهل الفقيد، ويمسّ بالنسيج الاجتماعي في المنطقة، وأكد عدد من الحاضرين أن مجالس العزاء يجب أن تبقى مساحة جامعة، بعيدة عن التحريض والانقسامات السياسية والطائفية، داعين إلى تحمّل المسؤولية الوطنية والأخلاقية، ولا سيما من قبل شخصيات سبق أن تولّت مناصب رسمية، وتطمح إلي دور مرتقب في الانتخابات المقبلة، إن وجدت إلى ذلك سبيلا…
وكأنّ هذه البلدية كان ينقصها نزاعٌ جديد يُضاف إلى سلسلة الأزمات التي تتخبّط فيها منذ ولادتها «المشوّهة» حتى اليوم. فقبل أن تهدأ زوبعة نفايات جزّين، التي انتهت إلى حلولٍ انتخابية ترقيعية ومضلِّلة شعبياً، أطلت مشكلة جديدة مرشّحة لمزيد من التعقيد في الأيام المقبلة، وفق المعطيات الراهنة. يبدو أنّ زيارة ليلى الصلح حمادة إلى صيدا لم تُقفل تداعياتها بعد، بل هي، كما لفتت مصادر مطلعة لجريدة “البوست”، مرشّحة لأن تفتح بابًا إضافيًا من التوتّر بين أطراف تخوض سجالاتها تارةً بالمواجهة المباشرة، وطورًا عبر الوسطاء. السؤال الذي خلّفته الزيارة، والتي وُصفت “بالفاشلة”، لم يكن سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل رمزيًا–بلديًا بامتياز: هل الأوتوستراد الممتد من نهر الأوّلي شمالاً حتى “مدرسة الراهبات” جنوباً هو «أوتوستراد رفيق الحريري»، أم أنّه «شارع رياض الصلح»؟ إشكالية طُرحت بقوّة على الطاولة خلال زيارة “خالة الوليد بن طلال”، التي اعتبرت أنّ شارع رياض الصلح هو الامتداد الأكبر من الأوّلي حتى الراهبات، في حين رأى طرف آخر أنّ الأوتوستراد البحري يُعرف، عرفًا وواقعًا، باسم أوتوستراد رفيق الحريري. فجأة، وجد رئيس بلدية صيدا مصطفى حجازي نفسه في ورطة لا ناقة له فيها ولا جمل. فالصلح تؤكّد أنّ الشارع البحري بأكمله، بما فيه الجزء الذي يدخل إلى وسط المدينة، يحمل اسم شارع رياض الصلح، فيما يتعامل معظم أبناء المدينة مع الكورنيش البحري على أنّه شارع رفيق الحريري. فإن صح ما تدعيه الصلح، فستكون صيدا بلا شارع يحمل اسم رفيق الحريري، مع ما يعنيه ذلك… بين اسمين، وتاريخين، ورمزيتين، تندلع «حرب شوارع» من نوعٍ آخر، حرب التسميات. أمّا الغلبة، فلن تُحسم بقرارٍ بلدي بسيط، بل بميزان السياسة والذاكرة والنفوذ، في أيامٍ لا تبدو مؤشّراتها هادئة…
لم يكن العشاء الذي استضافه أحد مطاعم المدينة، قبل أيام، حدثًا اجتماعيًا عابرًا. المناسبة التي دعا إليها أحد «الطامحين المستجدّين» إلى موقع سياسي، وجمعت عددًا محدودًا من شخصيات سياسية واقتصادية وأمنية من داخل المدينة وخارجها، أُريد لها أن تكون عرضًا أنيقًا للنفوذ والعلاقات، على شرف شخصية اقتصادية–مالية بات يجري التعامل معها، من قبل البعض، كمدخل للتقرّب من جهة سياسية وازنة في لبنان. غير أنّ ما جرى خلف الطاولات سرعان ما نقل المناسبة من لقاء علاقات عامة إلى واقعة تحمل أبعادًا قانونية وتجارية واضحة. خلال العشاء، وبحسب معلومات جريدة «البوست»، جرى توزيع سيجار على الحاضرين، قُدِّم على أنّه من نوع فاخر محدّد، تُقدَّر قيمة الحبة الواحدة منه بأكثر من 135 دولارًا أميركيًا. إلا أنّ المعلومات التي توافرت لاحقًا، كما يروي مطّلعون، كشفت أنّ السيكار الموزّع لم يكن أصليًا، بل مزوّرًا ومغشوشًا، في تعدٍّ صريح على علامة تجارية عالمية. وهنا، يتجاوز الأمر حدود «النكتة» الخاصة أو زلّة الاستعراض، ليطرح مسارًا أكثر جدّية قد يقود إلى ملف ذي طابع قانوني. تفتح هذه الواقعة الباب أمام أسئلة لا يمكن القفز فوقها: من أدخل السيكار المزوّر إلى لبنان؟ وهل جرى ذلك عبر التهريب أم تحت غطاء استيراد نظامي؟ من الجهة التي اشترت ووزّعت هذه البضاعة؟ وهل كانت على علم بأنها مزوّرة أم وقعت في فخّ الاحتيال؟ كيف تُتداول بضاعة مغشوشة بهذه القيمة في مناسبات عامة من دون أي رقابة؟ وأين دور الجمارك ووزارة الاقتصاد وأجهزة حماية المستهلك؟ ما الأثر القانوني على الجهة التي استخدمت منتجًا مزوّرًا في مناسبة عامة؟ وهل يندرج ذلك تحت جرائم التزوير والاحتيال التجاري أم يُتعامل معه كمخالفة إدارية عابرة؟ ما جرى ليس تفصيلًا هامشيًا، ولا «نكتة صالونات» أو مطاعم. نحن أمام واقعة تختصر الكثير عن ثقافة الاستعراض السياسي حين تُبنى على واجهة براقة ومضمون هشّ. عشاء أُريد له أن يكون بطاقة عبور إلى النفوذ، قد ينقلب إلى ملف يطرق أبواب القضاء. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يُؤتمن على أصوات الناس ومصالحهم وحياتهم من لا يُوثق بما يحمله بين أصابعه؟