توقّف مصدرٌ سياسيّ صيداويّ مخضرم عند ظاهرةٍ باتت واضحة في المدينة خلال الأيام الأخيرة، تتمثّل في مسارعة الشخصيات السياسية والقوى الفاعلة إلى تفقد الأماكن التي استهدفتها آلة الحرب الإسرائيلية المجرمة، برفقة رهطٍ من أشخاص يبدو أنهم جُمِعوا على عجل لزوم اكتمال “الكادر” الفوتوغرافي. وبرأي المصدر، يعكس هذا المشهد المستوى الحقيقي الذي وصل إليه العمل السياسي والتعاطي مع الشأن العام في المدينة، حتى صارت الصورة والنشر الإعلامي لزامًا على كل من يحلم بمنصب أو كرسي. فتجد أشخاصًا لا علاقة لهم بالحادثة أصلًا يتسابقون فيما بينهم للتوجّه إلى مكان الاعتداء، والوقوف بوضعيات مختلفة أمام الكاميرات، والإدلاء بتصريحات لا تتعدّى كونها كلامًا فارغًا لا يصرف فعليًا بحق من طالتهم الاعتداءات.
كشفت مصادر أمنية عربية مطلعة ل”البوست” عن ما وصفته بـ”اختراق استخباراتي بالغ الخطورة”، تمثّل في قيام إسرائيل، على مدى سنوات، بزرع شرائح مجهرية داخل حشوات الأسنان لعدد من القادة والمسؤولين الإيرانيين، من بينهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي. وبحسب المصادر، فإن التحقيقات التي باشرتها الأجهزة الأمنية الإيرانية خلال الأيام الأخيرة أدت إلى اكتشاف كميات كبيرة من هذه الحشوات، التي يُشتبه بأنها تحتوي على شرائح دقيقة يمكن استخدامها لأغراض تتعلق بالتتبع أو جمع المعلومات. وأشارت المصادر إلى أن السيناريو الذي يجري التحقيق فيه داخل إيران يشبه، من حيث طبيعته، العملية المعقدة التي كُشف عنها قبل عامين في لبنان، حين تبيّن أن أجهزة “البايجر” التي كانت بحوزة عناصر وقادة في حزب الله قد زُرعت فيها آليات تفجير دقيقة قبل سنوات من استخدامها. ووفق المعطيات الأولية، فإن ما يجري كشفه الآن قد يشير إلى عملية استخباراتية طويلة الأمد، اعتمدت على اختراقات غير تقليدية استهدفت الدوائر القريبة من القيادة الإيرانية. ووصفت المصادر العملية بأنها “لعبة استخباراتية صامتة امتدت لسنوات”، قبل أن تبدأ ملامحها بالظهور تباعاً. ولا تزال السلطات الإيرانية، بحسب المصادر نفسها، تتكتم على تفاصيل التحقيقات الجارية، في حين يُتوقع أن تثير هذه المعطيات، في حال تأكدت صحتها، جدلاً واسعاً حول مستوى الاختراق الأمني الذي تعرضت له مؤسسات الدولة الإيرانية.
لم يعدِ الحديثُ عن اجتياحٍ برّيٍّ إسرائيليٍّ في جنوبِ لبنان مجرّد تسريباتٍ إعلاميةٍ أو تقديراتٍ نظرية. في تلّ أبيب، يسودُ بين عددٍ من المراسلين العسكريين الأجانب اعتقادٌ بأنّ الجيشَ الإسرائيليَّ بات مقتنعًا بقدرته على تنفيذ عمليةٍ سريعةٍ تفضي إلى السيطرةِ الكاملة على الشريطِ الحدوديِّ اللبناني وفقَ هذه القراءة، فإنّ الهدفَ لا يقتصرُ على توجيه ضربةٍ موضعية، بل قد يمتدّ إلى تدمير ما تبقّى من مراكزَ سكنيةٍ في قرى الحافةِ الأمامية، ومنعِ السكانِ من العودةِ إليها بشكلٍ نهائي، مع فرضِ انتشارٍ عسكريٍّ دائمٍ في تلك المنطقة. تعزّز هذه الفرضياتُ أوامرَ الإخلاءِ التي طالت 53 بلدةً جنوبية، في خطوةٍ تُقرأ كإجراءٍ احترازيٍّ يتجاوزُ الردَّ التقليديَّ إلى التحضيرِ لسيناريو أوسع. كما تشيرُ مصادرُ إسرائيليةٌ إلى أنّ المؤسسةَ العسكريةَ أبلغت الأميركيين قبل أشهرٍ بأنّها لم تعد ترَى جدوى من آلية «الميكانيزم»، معتبرةً أنّ الحكومةَ اللبنانيةَ والجيشَ اللبنانيَّ غيرُ قادرين على كبحِ جماحِ حزبِ الله أو دفعِه إلى ترتيباتٍ أمنيةٍ مباشرة. أهدافٌ معلنةٌ ومضمرة لا يقتصرُ الحديثُ عن الاجتياحِ البرّيِّ الإسرائيليِّ على مجردِ عمليةٍ عسكريةٍ تقليدية، بل يتجاوزُ ذلك إلى أبعادٍ استراتيجيةٍ وسياسيةٍ عميقة. فإسرائيل، التي تضعُ نصبَ عينيها «القضاءَ على حزبِ الله بشكلٍ كامل»، تسعى من خلال أيّ عمليةٍ بريةٍ إلى تحقيقِ أهدافٍ متعددة. قد تشملُ الأهدافُ إنشاءَ «منطقةٍ آمنة» داخل الأراضي اللبنانية، وهو طرحٌ تحوّل من إطارٍ اقتصاديٍّ سابقٍ إلى مقاربةٍ أمنيةٍ خطيرة، بالإضافة إلى تدميرِ البنى التحتية المتبقية للحزب. كما قد تسعى إسرائيل إلى فرضِ وقائعَ جديدةٍ على الأرض، قد تصل إلى حدّ اتفاقِ سلامٍ وتطبيع، أو على الأقل فرضِ وصايةٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ على جنوبِ لبنان. أيُّ اجتياحٍ برّيٍّ لن يكون مجرّد تقدُّمٍ عسكريٍّ عبر الحدود، بل إعادةُ رسمٍ قسريٍّ لخرائط الجنوب، واختبارًا وجوديًّا لدولةٍ تقف أصلًا على حافة الانهيار تشيرُ المؤشراتُ الميدانية، مثل وجودِ الفرقةِ 91 الإسرائيليةِ على الحدود وتكثيفِ عملياتِ التجنيد، إلى استعداداتٍ متقدمةٍ لعمليةٍ قد تكونُ محدودةً في نطاقها الجغرافي، تستهدفُ التقدمَ جنوبَ نهرِ الليطاني، وتحديدًا من شريطِ كفركلا/المطلة ومنطقةِ المحامص في إصبعِ الجليل. سيفتحُ أيُّ اجتياحٍ برّيٍّ إسرائيليٍّ لجنوبِ لبنان البابَ أمام تداعياتٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ خطيرة، ليس فقط على لبنان وإسرائيل، بل على المنطقة بأسرها. عسكريًا، قد تتحولُ المواجهةُ إلى حربٍ شاملة، مع احتمالاتٍ كبيرةٍ لتدخلِ قوى إقليميةٍ أخرى، ما يوسّعُ دائرةَ الصراع. وسيكونُ دورُ الجيشِ اللبنانيِّ حاسمًا في هذه المرحلة، إذ يواجهُ تحدّيًا كبيرًا في حمايةِ سيادةِ البلاد والحفاظِ على استقرارها. سياسيًا، يواجهُ لبنان منعطفًا تاريخيًا. ففي خطوةٍ غير مسبوقة، أعلن رئيسُ الحكومةِ اللبنانية نواف سلام في 2 مارس 2026 «الحظرَ الفوريَّ» لجميع أنشطةِ حزبِ الله العسكريةِ والأمنية، وألزمه بتسليمِ سلاحِه للدولة وحصرِ عملِه في المجالِ السياسي. هذا القرارُ، الذي جاء في ظلّ تصاعدِ التوترات، يعكسُ ضغوطًا دوليةً وإقليميةً كبيرةً على الحكومةِ اللبنانية، ويثيرُ تساؤلاتٍ حول مدى قدرةِ الدولةِ على فرضِ سيادتِها على السلاحِ غير الشرعي. كما أنّ هذا القرارَ قد يؤدي إلى انقساماتٍ داخليةٍ حادةٍ في لبنان، ويزيدُ من خطرِ اندلاعِ «فتنةٍ» داخليةٍ في ظلّ الظروفِ الراهنة. هلِ الاجتياحُ مرجّح؟ ولماذا؟ تتعددُ العواملُ التي تجعلُ من الاجتياحِ البرّيِّ الإسرائيليِّ لجنوبِ لبنان خيارًا مرجّحًا، بل و«حتميًا» في نظر البعض. ففشلُ الحلولِ الدبلوماسيةِ في إبعادِ حزبِ الله عن الحدودِ الإسرائيلية، والرغبةُ الإسرائيليةُ في استغلالِ «الزخم» بعد الاغتيالاتِ الكبرى (مثل اغتيالِ خامنئي)، والضغطُ الداخليُّ الإسرائيليُّ لإعادةِ سكانِ الشمال إلى منازلهم، كلُّها عواملُ تدفعُ باتجاهِ هذا السيناريو. كما أنّ التنسيقَ الأميركي – الإسرائيليَّ المفترضَ للقضاءِ على نفوذِ إيران في المنطقة قد يعطي إسرائيل الضوءَ الأخضرَ للمضيّ قدمًا في هذه العملية. يقفُ لبنان اليوم على مفترقِ طرقٍ تاريخيٍّ قد يغيّرُ وجهَه السياسيَّ والجغرافيَّ. فبين التهديداتِ الإسرائيليةِ المتصاعدة، والقرارِ الحكوميِّ الجريء بحظرِ نشاطِ حزبِ الله العسكري، والتداعياتِ الإقليميةِ والدولية، يبدو أنّ جنوبَ لبنان في عينِ العاصفة. إنّ فهمَ معاني وتداعياتِ أيِّ اجتياحٍ برّيٍّ إسرائيليٍّ، وتحليلَ مدى ترجيحِه، يتطلبُ نظرةً شاملةً للواقعِ العسكريِّ والسياسيِّ والإنسانيِّ المعقدِ في المنطقة. ويبقى السؤالُ الأهم: هل ستنجحُ الدبلوماسيةُ في نزعِ فتيلِ الأزمة، أم أنّ المنطقةَ على موعدٍ مع فصلٍ جديدٍ من الصراع؟