في لحظة وطنية دقيقة، وعلى وقع تصاعد تداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان وما يرافقه من تهجير ودمار وضغوط اجتماعية واقتصادية، انعقدت في دار طائفة الموحدين الدروز في بيروت، الثلاثاء 2 حزيران 2026، القمة الروحية الإسلامية – المسيحية، بدعوة وضيافة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، وبمشاركة واسعة لرؤساء الطوائف والمرجعيات الروحية في لبنان. وشكّلت القمة محطة وطنية وروحية بارزة، تجاوزت حدود التضامن الرمزي، لتؤكد أن مواجهة الأخطار لا تكون إلا بوحدة اللبنانيين، والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية، وحماية السلم الأهلي من أي محاولة لإثارة الفتنة أو الانقسام. واستُهلّ اللقاء بصلاة مشتركة على نية لبنان والشهداء والجرحى والمصابين والمهجرين، عكست روحية القمة القائمة على الرحمة والتضامن والمحبة وصون كرامة الإنسان والوطن. religious summit 1
تتجه المنطقة إلى إغلاق فصلٍ من أعنف فصول العقد الأخير، مع اقتراب واشنطن وطهران من توقيع مذكرة تفاهم تُنهي حربًا امتدّت قرابة ثلاثة أشهر، وتفتح مضيق هرمز، وترفع الحصار عن إيران، وتُرجئ الملف النووي إلى جولة مفاوضات لاحقة. في قلب هذا الزخم الإقليمي، يَرِد لبنان في نص الاتفاق بوصفه إحدى الجبهات المشمولة بوقف القتال. غير أنّ القراءة المتأنية تكشف أنّ إدراج لبنان في متن التسوية لا يعني بالضرورة انتقاله من خانة الأزمة إلى خانة الحل، بل قد يضعه في موقع أكثر هشاشة، من ساحة حرب مفتوحة إلى بند تفاوضي تُدار شروطه من خارجه، وتُفرض عليه أكثر مما تُصنع بقراره. فجوات تبدأ المعضلة من الفجوة بين النص والضمانة. صحيح أنّ طهران تمسّكت، حتى اللحظة الأخيرة، بربط وقف النار في لبنان بأي اتفاق إقليمي، ونجحت في تضمينه في مذكرة التفاهم، لكنّ النص، في مضمونه العملي، يترك التنفيذ خاضعًا لقواعد أميركية – إسرائيلية مرنة، تُبقي لإسرائيل حق التحرّك متى رأت محاولة لإعادة التسلّح أو التحضير لهجوم. وبهذه الصيغة، تكون إيران قد ضمنت العنوان لا المضمون، ويكون الاتفاق قد حمل في داخله رخصة دائمة لخرقه. وهذا ما يفسّر استمرار الغارات على الجنوب والبقاع في الساعات التي سبقت الإعلان المرتقب، إذ بدا واضحًا أنّ الميدان يسعى إلى تثبيت قواعده قبل أن يجفّ حبر التسوية، وأنّ موازين القوة تُرسم بالنار قبل أن تُترجم على طاولة المفاوضات. skip render: ucaddon_material_block_quote إيران أولًا أما المعضلة الثانية، فتتصل بالحساب الإيراني نفسه. فمصالح طهران في هذا الاتفاق تبدو كبيرة وحساسة، من رفع الحصار، إلى الإفراج عن أصول مجمّدة بمليارات الدولارات، إلى كسب الوقت في الملف النووي. لذلك، من الصعب الافتراض أنّ إيران ستغامر بهذه المكاسب كلها من أجل خرق حدودي في الجنوب اللبناني. الأرجح أنّ طهران لن تضحّي باتفاقها، بل ستُبقي لبنان بندًا مفتوحًا في المفاوضات اللاحقة، ورقة قابلة للاستخدام، لا قضية تُسقط من أجلها التسوية. وهنا يبرز التحوّل الأعمق، إذ ينتقل الدعم الإيراني تدريجيًا من دعم ميداني نشط إلى دعم سياسي ودبلوماسي يحفظ الحليف، من دون أن يكلّف الراعي ثمن صفقته الكبرى. واقع جديد هذا التحوّل يضع حزب الله أمام واقع جديد. فالحزب، الذي قدّم نفسه طوال العقدين الماضيين بوصفه خط الدفاع المتقدّم عن المشروع الإقليمي، يجد نفسه اليوم أقرب إلى أصل تفاوضي داخل صفقة تُدار من فوق رأسه. وحين يربط وقف العدوان بالاتفاق الإيراني – الأميركي، ويعتبره الورقة الأقوى، فهو يقرّ ضمنًا بأن مفتاح الجبهة اللبنانية لم يعد في بيروت وحدها، ولا في الضاحية وحدها، بل على طاولة إقليمية أوسع. المفارقة هنا أنّ نجاح الاتفاق قد يقيّد يد الحزب أكثر مما يطلقها. فالردّ الذي كان يُقدَّم قبل التسوية باعتباره دفاعًا عن لبنان، قد يُصوَّر بعدها على أنه تفجير للسلام الإقليمي وإحراج مباشر للراعي الإيراني. لذلك، فإنّ أي خرق إسرائيلي محدود قد لا يُقابل برد يغيّر المعادلة، بل برد رمزي ومحسوب يحفظ مبدأ الردع من دون أن يهدّد التسوية الكبرى. وبذلك يدخل الحزب المرحلة المقبلة بهامش مناورة أضيق، وبغطاء إقليمي أقل صلابة. لبنان بعد الاتفاق الأميركي ـ الإيراني: لا حرب كبرى ولا قرار حرّ على هذه الخلفية، يتقدّم المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، محمّلًا بتناقض جوهري. بيروت تشترط تثبيت وقف النار أولًا، وتل أبيب تربط انسحابها بنزع سلاح حزب الله، وتسعى إلى نقل التفاوض من مسار أمني عنوانه وقف النار والانسحاب، إلى مسار سياسي عنوانه التطبيع والسلام الدائم. والاتفاق الإقليمي الشامل لا يحلّ هذا التناقض، بل يعيد تأطيره لمصلحة الطرف الأقوى. فهو يمنح إسرائيل هامش ضغط أكبر، ويضع لبنان أمام استحقاقات أشد صعوبة، في وقت تتآكل فيه المظلة الإقليمية التي كانت تمنح حزب الله، ومعه الدولة اللبنانية، قدرة أوسع على المناورة. يبقى العامل الأميركي هو الأكثر حسمًا في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة. فالرئيس الأميركي، الذي راهن على إنجاز إقليمي كبير وقدّمه بوصفه انتصارًا، يملك مصلحة مباشرة في تحويل هذا الانتصار إلى مشروع سلام أوسع، لا في ترك لبنان جرحًا مفتوحًا يهدد مذكرة التفاهم كلها. ومن هنا، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا هو التسوية المفروضة بالضغط. تستثمر واشنطن زخم اتفاقها مع طهران لفرض مسار لبناني – إسرائيلي متسارع، فتضغط على إسرائيل لكبح خروقاتها وضبط إيقاع انسحابها، وتضغط في المقابل على بيروت لتقديم تنازلات في ملفي الترتيبات الأمنية والسلاح، مقابل انسحاب تدريجي من الأراضي المحتلة. في هذا المسار، يتقدّم منطق التطبيع المتدرّج الذي تريده تل أبيب، ويُدفع لبنان إلى نقاش داخلي حاد حول مصير سلاح حزب الله واستراتيجية الأمن الوطني، لكن تحت سقف زمني لا يحدده الإيقاع اللبناني، بل تفرضه التسوية الإقليمية. لن يكون هذا الانتقال سهلًا ولا هادئًا، وقد يصطدم بمقاومة سياسية وشعبية، وربما بمناورات ميدانية محدودة، لكنه يبقى السيناريو الأكثر انسجامًا مع موازين القوى الجديدة: راعٍ أميركي يريد إغلاق الملف، حليف إيراني يريد حماية صفقته، خصم إسرائيلي يريد قطف الثمار، ودولة لبنانية تفاوض من موقع الضعف لا من موقع المبادرة. skip render: ucaddon_box_testimonial
يُقال إن لا أحدَ أكبرُ من بلده.يصحّ ذلك حين يكون الحديث عن “شخص”، عن كونه إنسانًا بصفاته المادية، الطبيعية…لكن حين يصبح الحديث عن “الفكرة” لا عن حاملها، فهناك حكمًا من هو أكبر من بلده. البوذية أكبر من النيبال التي وُلد فيها بوذا، والشيوعية أكبر من الاتحاد السوفياتي والصين، والرأسمالية أكبر من أميركا وأوروبا مجتمعتَين. حين تكبر الفكرة، تضيق عليها الجغرافيا. تصبح عابرةً للمكان والزمان، ولا يمكن أن يحدّها حيّز أو أن تحتجزها قضبان. هكذا يتمظهر الشيخ أحمد الأسير الحسيني اليوم، لا أكبر من لبنان، بل أكبر من “اللبنان” الذي نعيشه آنيًّا، والمنظومة التي تتحكّم فيه. فأن يجتمع الخصوم والحلفاء، ويتناغم الأضداد بحق “شخص”، فهو حكمًا أكبر من مجرّد ذاته. إنهم يخافون “الفكرة” ويكرهون “الشكل” قبل “المضمون”. #### قلّة من اللبنانيين يعرفون أحمد الأسير على حقيقته. يدفع الرجل في زنزانته ثمن “الصورة” التي تراكمت عنه في الإعلام والأذهان والمبالغات والأقاويل والشائعات…هنا يصحّ القول أن “الشيخ” ضحية صورته في زمن الطغيان البصري. صورة نمطية، أول من سيدفع ثمنها رئيس الجمهورية نفسه بمجاهرته أمام من التقاهم بأنّ “الأسير لن يخرج في عهدي”. منذ سنوات، التقى صحافي زميل محسوب على محور الممانعة قائدَ الجيش آنذاك جوزيف عون، وعاد ليخبرني بانطباعه الذي أثق به، أنّ “القائد”، حين فُتحت سيرة “الإرهاب”، تبيّن كم يكره الشيخ الأسير وكل من يدور في هذا الفلك. كان الوقت حينها “زمن فجر الجرود”. لا تُدار الدول بالنزوات الشخصية، والآراء الخاصة، وأهواء النفوس. اليوم، يخوض جوزيف عون حروبًا ومعارك داخلية وخارجية ليؤكّد ما طالب به الأسير منذ سنوات. تطابقٌ حدّ التماهي في العناوين الكبرى كما في التفاصيل، فكيف يا “ريّس” تسجن “حليف الفكرة” وتسترضي “خصومها”؟ #### منذ أيام تحرّر أحمد الأسير. لم يعد أسيرًا. تبقى مُخرجات الشكل. منذ أن طُرح موضوع “العفو العام”، صار الشيخ طليقًا. تحوّل، حتى في أذهان من لم يعرفه أو يصادفه، رمزًا للمظلومية، وتحديدًا عند “السُنّة” في لبنان. هنا تصبح الفكرة أقوى من الشخص، فتتخطّى أسوار “رومية”. منذ أن تغيّرت نظرة الكثيرين إليه، وتحوّل إلى عنوان لحقبة يريد أغلب اللبنانيين أن يتخطّوها قدمًا، صار خارج الزنزانة. كسر الأسير قيده، وأغلالًا كثيرة معه، وتحرّر معه كثيرون خارج السجن الأكبر. ما لم يدركه “غلمان السياسة” اللبنانية حتى الآن هو أنه لم يعد بالإمكان سجن الأسير، مهما يكن شكل القانون المنتظر وما ستؤول إليه النتائج. قبل أيام معدودات، كان التطرّق لسيرة الأسير أمرًا يتجنّبه أغلب أهل الحكم كما كثيرون من العوام. كُسر حاجز الخوف عند الكثيرين؛ على الشاشات، وفي الشوارع، والصالونات، وحتى مؤسسات” الدولة” نفسها. بعد أن كان صوت المتحدّث يخفت حين يصل إلى اسم أحمد الأسير، صار الصوت يعلو، وكذلك تراكم “كرة الثلج”، وإن بدت ضعيفة الآن. ما لم يفقهه “خائفو الأقليات” أنّ أهل السنّة، وإن لم ينتصروا اليوم، لا يمكن هزيمتهم غداً. لم يعد أحمد الأسير يمثّل نفسه، صار يمثّل امتحانًا لولادة بلد جديد بمعانٍ وأفكار ومعطيات جديدة. لبنان بأكمله أمام امتحان، والأسير عنوانه، حتى وإن لم يتوقّع الكثيرون ذلك. صار جسرًا إلزاميًّا للعبور إلى مرحلة جديدة من تاريخ البلد. هذا ما لم يفهمه السياسيون في لبنان حتى الآن. #### قد تستطيع الدولة أن تؤخّر توقيعًا، أو تُعطّل قانونًا، أو تُبقي باب الزنزانة مواربًا بين الوعد والخوف، لكنها لم تعد قادرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فالذي خرج مؤخراً لم تكن قصة رجل من خلف القضبان، بل معنىً من تحت الركام، معنى المظلومية حين تتحوّل إلى وعي، والصمت حين يصير صوتًا، والخوف حين ينكسر في صدور الناس قبل أن ينكسر على أبواب السجون. إنهم يحولونه “أسطورة” دون أن يعوا ذلك. لذا، لم يعد السؤال الآن هل يخرج أحمد الأسير أم لا؟ بات السؤال الأكبر، هل يملك لبنان الشجاعة ليخرج هو من سجنه القديم؟