لم يتقبّل محمد زيدان، الرئيس الفخري لـ«مؤسسة زيدان الخيرية»، أن توجّه إليه بلدية صيدا كتاب إنذار كسائر المواطنين، بسبب مخالفات اقترفتها مؤسسته، فسارع إلى إعلان الحرب عليها وعلى ورئيسها. فقد علمت صحيفة «البوست» من مصادر صيداوية مطّلعة أن بلدية صيدا، وبناءً على إشارة من وزارة الطاقة والمياه اللبنانية، وجّهت إنذارًا إلى زيدان، على خلفية مخالفات وتجاوزات سُجّلت بحق مؤسسته الخيرية، تتعلّق بالتعدّي على الأملاك النهرية العامة. فزيدان، الذي يملك ويشغّل منتزه الكنايات عند مصبّ نهر الأولي شمال صيدا، يبدو أن الوزارة المعنية قد سجّلت بحقّه عددًا من المخالفات، وأحالتها إلى بلدية صيدا لإجراء المقتضى. وفور تبلّغ زيدان الكتاب سارع إلى الاتصال برئيس البلدية مصطفى حجازي وتوبيخه على الموضوع بنبرة قاسية وكلام حاد. بحسب عارفين، أنكر حجازي بدايةً أن يكون على دراية بالأمر، ولما كاشفه زيدان بوجود توقيعه على الكتاب، قال إنه قد يكون قد وقّع بريده من دون أن ينتبه إلى مضمون الورقة. لا يزال كثير من الصيداويين يذكرون «الحملة الشعواء» التي قادها زيدان، مع بعض زبانيته، بحق رئيس البلدية السابق حازم بديع، بسبب معارضته مطالبَ كان يريدها زيدان. فهل يكون ما حصل مع حجازي في موضوع الكنايات بداية «اشتباك» قد يتفاقم بالنظر إلى ما يُعرف عن “أبو رامي”؟
نادرًا ما تأتي التحذيرات الأكثر جدّية بشأن السياسات الإسرائيلية من داخل إسرائيل نفسها. إلا أنّ ما طرحته الباحثة الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف في حديثها إلى صحيفة «هآرتس» يتجاوز حدود النقد الأكاديمي ليصل إلى مستوى الإنذار الاستراتيجي. فالمشهد الذي تصفه في قرى محافظة درعا السورية لا يبدو مجرد إجراءات أمنية مؤقتة، بل ملامح سياسة تعيد إنتاج النموذج ذاته الذي عرفه جنوب لبنان لعقود، ثم انتقل إلى غزة، ويبدو اليوم في طريقه إلى الترسخ داخل الجنوب السوري. تفاصيل يومية في قرية عابدين، كما تنقل الباحثة، لم تعد المسألة تقتصر على توغلات عسكرية أو نقاط مراقبة، بل أصبحت حياة السكان اليومية جزءًا من المنظومة الأمنية الإسرائيلية. حواجز مفاجئة، تفتيش للمركبات، تحقيقات مع المدنيين، مداهمات متكررة، وإجراءات تطاول حتى الأراضي الزراعية التي يعتمد عليها الأهالي في معيشتهم، بما في ذلك رش الحقول بمواد تؤدي إلى إتلاف الغطاء النباتي بحجة منع استخدامه غطاءً للمسلحين. بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يُعد ذلك إجراءً وقائيًا، أما بالنسبة إلى السكان، فهو استهداف مباشر لمصدر رزقهم ووسيلة بقائهم. هذه المفارقة تختصر جوهر الإشكالية. فما تعتبره إسرائيل «بيئة أمنية»، يراه المجتمع المحلي اعتداءً على شروط الحياة الأساسية. ومن هنا تنشأ الفجوة التي تتحول تدريجيًا إلى غضب، ثم إلى رفض، وربما إلى مقاومة. لهذا تؤكد تسوركوف أن السياسة الحالية لا تمنع نشوء التهديد، بل قد تكون العامل الأكثر مساهمة في صناعته، لأن المجتمعات التي تُحاصَر اقتصاديًا وتُعامَل بوصفها خطرًا دائمًا تصل، في لحظة معينة، إلى قناعة بأن كلفة المواجهة لم تعد أعلى من كلفة الخضوع. skip render: ucaddon_material_block_quote مسار مشابه هذه ليست معادلة جديدة بالنسبة إلى لبنان. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحتى الانسحاب عام 2000، أثبتت التجربة اللبنانية أن الاحتلال الطويل، مهما ارتدى من شعارات أمنية، لا يفضي إلى استقرار دائم، بل إلى نشوء قوى محلية ترى في مقاومته خيارًا سياسيًا واجتماعيًا. ومن هذه الزاوية، تبدو قرى الجنوب السوري اليوم وكأنها تدخل تدريجيًا في المسار ذاته الذي عرفته القرى اللبنانية قبل أربعة عقود، مع اختلاف السياقات والفاعلين. الأخطر أن السياسة الإسرائيلية تبدو وكأنها تعيد إنتاج منطق الدائرة المغلقة: تدخل عسكري بحجة إزالة التهديد، يفرض وقائع ميدانية جديدة، يولّد احتكاكًا دائمًا مع السكان، ينتج عنه رفض ومقاومة، فتُستخدم هذه المقاومة لاحقًا لتبرير استمرار الوجود العسكري أو توسيعه. وهكذا يتحول الأمن من هدف إلى ذريعة دائمة، ويتحول الاحتلال من حالة استثنائية إلى واقع مفتوح زمنيًا. معركة بالمفاهيم لا يقتصر الأمر على البعد العسكري، بل يمتد إلى اللغة السياسية نفسها. فإسرائيل تدير معاركها اليوم ليس بالسلاح وحده، بل بالمفاهيم أيضًا. في غزة، توسعت المناطق العسكرية تدريجيًا تحت مسميات أمنية مختلفة، بينما تشير تقديرات أممية إلى أن الجيش الإسرائيلي يفرض سيطرته على نسبة كبيرة من مساحة القطاع. وفي لبنان، برز خلال التفاهمات التي أعقبت الحرب الأخيرة نقاش واسع حول دلالة المصطلحات المستخدمة، ولا سيما الفارق بين مفهوم «الانسحاب» بوصفه التزامًا قانونيًا واضحًا، وبين تعبيرات أكثر مرونة مثل «إعادة الانتشار»، التي تمنح هامشًا أوسع لتفسيرات ميدانية متباينة. هنا تصبح اللغة جزءًا من إدارة الصراع، لا مجرد وسيلة لوصفه. وتفتح تصريحات الباحثة الإسرائيلية بابًا آخر يتعلق بالحسابات السياسية داخل إسرائيل. فهي ترى أن فرص التوصل إلى تفاهمات مع دمشق ليست معدومة، غير أن غياب ضغط أميركي حاسم في الملف السوري، مقارنة بما حدث في ملفات غزة ولبنان وإيران، يمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض. بذلك يصبح التمدد الميداني أقل كلفة سياسية من تقديم تنازلات في إطار اتفاق شامل. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بإمكان التوصل إلى اتفاق مع سوريا، بل بما إذا كانت إسرائيل تدرك أن الوقائع التي تصنعها اليوم قد تتحول غدًا إلى مصدر تهديد جديد. فالتاريخ القريب في لبنان يقدم مثالًا واضحًا على أن السيطرة العسكرية قد تمنح تفوقًا تكتيكيًا، لكنها لا تنتج بالضرورة استقرارًا استراتيجيًا، بل قد تؤسس لبيئات أكثر استعدادًا للمواجهة كلما طال أمد الاحتكاك مع السكان. إسرائيل والحدود المفتوحة… أمن اليوم وتهديد الغد نمط جديد من المنظور اللبناني، تبدو هذه التطورات أكثر من مجرد شأن سوري داخلي. فهي تكشف عن نمط إقليمي يقوم على إدارة الحدود بالقوة، وإعادة تعريف مفهوم الأمن بوصفه حقًا مفتوحًا للتدخل خارج السيادة الوطنية. وإذا استمر هذا النموذج في جنوب سوريا، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام ولادة واقع يشبه إلى حد بعيد ما عرفه جنوب لبنان في مراحل سابقة، حيث يصبح وجود مقاومة محلية نتيجة لتراكم السياسات الميدانية أكثر منه قرارًا يُتخذ في غرف السياسة. لهذا، فإن القضية لا تتعلق فقط بما إذا كانت مقاومة سورية ضد إسرائيل ستظهر أم لا، بل بما إذا كانت البيئة التي يجري بناؤها اليوم تجعل نشوءها احتمالًا متزايدًا. فحين تُختزل مقاربة الأمن في السيطرة العسكرية وحدها، ويُنظر إلى السكان باعتبارهم جزءًا من التهديد لا جزءًا من الحل، تصبح المقاومة، في كثير من الأحيان، نتيجة سياسية واجتماعية لمسار طويل من الاحتكاك، لا حدثًا مفاجئًا يولد من فراغ. skip render: ucaddon_box_testimonial
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial فحين تقبل حركة نشأت على فكرة المقاومة بالتخلي عن السلطة التنفيذية لصالح هيئة تكنوقراطية تعمل ضمن إطار دولي، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بغزة وحدها، بل بمستقبل العلاقة بين السلاح والسلطة في الشرق الأوسط. الخطوة التي أعلنتها الحركة، والقاضية بتسليم إدارة القطاع إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، مع الإبقاء على الجهاز الإداري والوظيفي باعتباره جهاز دولة لا جهاز تنظيم، تعكس انتقالاً من مفهوم «سلطة الحركة» إلى مفهوم «إدارة المؤسسات». وهي صيغة طالما طالبت بها أطراف فلسطينية وعربية ودولية باعتبارها المدخل الضروري لأي عملية إعادة إعمار أو استقرار سياسي وأمني. واللافت أن حماس لم تقدّم القرار باعتباره نتيجة هزيمة سياسية، بل حاولت تأطيره ضمن خطاب «المصلحة الوطنية» و«ترتيب البيت الفلسطيني»، في محاولة للفصل بين دورها كحركة سياسية وعسكرية وبين مسؤوليتها المباشرة عن إدارة الحياة اليومية لمليوني فلسطيني. وهذا الفصل، إذا استمر، قد يؤسس لنموذج جديد في تعامل الحركات المسلحة مع السلطة، يقوم على الاحتفاظ بالهوية السياسية مع التخلي عن عبء الحكم المباشر. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التطور لا تكمن في غزة وحدها، بل في الرسالة التي يبعث بها إلى ساحات أخرى تعيش إشكالية مشابهة، وفي مقدمتها لبنان. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، عاش لبنان تجربة مختلفة، ولكنها متقاطعة مع التجربة الفلسطينية. إذ تمكن حزب الله من بناء معادلة تجمع بين العمل العسكري والتمثيل السياسي، ثم تطورت هذه المعادلة تدريجياً إلى نفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة، من البرلمان والحكومة إلى الإدارة العامة، مع احتفاظ الحزب باستقلالية قراره العسكري والأمني. وخلال سنوات طويلة، اعتبر الحزب أن الجمع بين السلاح والسلطة يشكّل عنصر قوة، وأن المشاركة في مؤسسات الدولة توفر غطاءً سياسياً لخيار المقاومة. إلا أن التجربة اللبنانية، ولا سيما منذ الأزمة الاقتصادية عام 2019، ثم الحرب الأخيرة مع إسرائيل، أظهرت أن هذا التداخل جعل الحزب يتحمل، ولو جزئياً، كلفة انهيار الدولة وعجزها، كما جعله جزءاً من منظومة تُحمّلها قطاعات واسعة من اللبنانيين مسؤولية الانهيار السياسي والاقتصادي. من هنا، يطرح التحول الجاري في غزة سؤالاً يتجاوز المقارنة المباشرة: هل تتجه المنطقة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحركات المسلحة والدولة؟ وهل يصبح الفصل بين الوظيفة العسكرية وإدارة المؤسسات شرطاً دولياً لإعادة الإعمار ورفع العقوبات واستعادة الاستقرار؟ الفرق بين الحالتين يبقى جوهرياً. فحماس كانت تدير سلطة محلية في قطاع جغرافي معزول، بينما يشكّل حزب الله جزءاً من التركيبة السياسية اللبنانية، ويتمتع بامتدادات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. كما أن البيئة القانونية والسياسية مختلفة تماماً. ومع ذلك، فإن الضغوط الدولية التي رافقت الحرب على غزة، وربطت التمويل وإعادة الإعمار بوجود إدارة مدنية مستقلة نسبياً عن الفصائل، قد تتحول إلى نموذج يُطرح، بدرجات مختلفة، في ملفات إقليمية أخرى. في لبنان، تبدو المؤشرات أكثر تعقيداً. فالنقاش الداخلي لم يعد يدور فقط حول سلاح حزب الله، بل حول إعادة بناء الدولة نفسها، وحول حصرية القرار الأمني والعسكري، وتنفيذ الالتزامات الدولية، وتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية. وفي هذا السياق، تزداد الضغوط الغربية والعربية لربط أي دعم اقتصادي واسع بإصلاحات بنيوية تعيد للدولة دورها الكامل في إدارة الشأن العام. ولذلك، فإن أي قراءة للتحول في غزة لا ينبغي أن تقتصر على البعد الفلسطيني، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءاً من إعادة رسم أوسع لقواعد إدارة مناطق الصراع في الشرق الأوسط. فالمعادلة التي تتبلور تدريجياً تقوم على منح المؤسسات المدنية مساحة القيادة في الحكم والإدارة، مقابل تقليص دور الفاعلين المسلحين داخل مؤسسات السلطة، سواء عبر الدمج أو إعادة الهيكلة أو الفصل الوظيفي. ويبقى السؤال الأهم: هل يشكّل ما حدث في غزة بداية نهاية نموذج «الحركة التي تحكم وتقاتل في الوقت نفسه»، أم أنه مجرد استثناء فرضته ظروف الحرب والدمار؟ الإجابة لا تزال مفتوحة، لكن المؤكد أن الإقليم يدخل مرحلة تتزايد فيها الضغوط لإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للإدارة والقرار العام. وإذا كان قطاع غزة قد أصبح أول مختبر لهذا التحول، فإن لبنان قد يجد نفسه، عاجلاً أم آجلاً، أمام الأسئلة نفسها، وإن كانت بأدوات مختلفة وحسابات أكثر تعقيداً.