في مُفارقةٍ لافتة، تتزيَّنُ شوارعُ لُبنان، لا سيّما العاصمةُ بيروت وعدد من المناطق، بحُلَّةِ الأعياد، وتصدحُ في أرجائِه أصواتُ التحضيراتِ لموسمِ الميلادِ ورأسِ السنة، في وقتٍ تُخيِّمُ على البلاد أجواءٌ من التوتّرِ السياسيِّ وترقّبٌ لما ستؤولُ إليهِ الأوضاعُ على حدودِه الجنوبية. على الرُّغمِ من القلقِ السائد، لم تَغِب مظاهرُ العيد عن المشهدِ اللبنانيّ. بدأت الأسواقُ والمراكزُ التجاريةُ بالتحضيرِ للمناسبة، حيثُ تزيَّنت بالزينةِ الميلادية، وبدأت بعضُ المحالّ بعرضِ بضائعِها الخاصةِ بالعيد، فيما أعلنت عدّةُ جهاتٍ عن إقامةِ أسواقٍ ميلاديةٍ وفعالياتٍ احتفالية. في مقابل هذه المشاهد الجميلة والحيوية، يعيشُ لُبنانَ على وقعِ توتّرٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ مُتصاعد. وتشهدُ الساحةُ السياسيةُ حراكًا دبلوماسيًّا مكثّفًا، في محاولةٍ لنزعِ فتيلِ التوتّر. هذا الوضعُ يجعلُ اللبنانيين يعيشونَ حالةً من عدمِ اليقين، بين أملٍ بالتوصّلِ إلى حلولٍ دبلوماسية، ومخاوفَ من تصعيدٍ عسكريٍّ قد يجرّ البلادَ إلى حربٍ جديدة. في خِضمِّ هذا التجاذبِ بين التحضيرِ للعيد وترقّبِ المجهول، يبرزُ تصميمُ اللبنانيينَ على التمسّكِ بالحياةِ والاحتفالِ بها. فإضاءةُ شجرةِ الميلادِ في ساحاتِ المدنِ والقرى، وشراءُ الهدايا والتحضيرُ للقاءاتِ العائلية، كلُّها رسائلُ أملٍ وإصرارٍ على أنَّ إرادةَ الحياةِ لدى هذا الشعبِ أقوى من أيِّ تهديد، وأنَّ فرحةَ الاستمتاعِ بالحياةِ ستبقى حاضرةً رغمَ كلِّ الظروفِ الصعبة.
الخيانةُ ليستْ حدثًا طارئًا يمرّ في هوامشِ الأيّام، بل جُرحٌ أسودُ يبقى مفتوحًا في جسدِ الأُمّة. قد يصرّ البعضُ على أنّ الزمنَ دواءٌ للجراح، لكنَّ خيانةَ الوطنِ لا تُشفى، لأنّها تعيشُ في ذاكرةِ الجماعةِ وتُورَّث كتحذيرٍ أبديّ.ومشهدُ مقتلِ العميل «ياسر أبو شباب» في غزّة أمس ليسَ مجرّدَ نهايةِ رجلٍ فقدَ بوصَلَتَه؛ إنّه جرسُ إنذارٍ جديدٌ يُذكّرُ بأنَّ مَن يسقطُ في يدِ الاحتلال يُمحى اسمُه قبل أن يُدفَن جسدُه. من لحد إلى غزّة تاريخُ العملاءِ في منطقتِنا يكتبُ فصولَه المريرةَ بوقائعَ لا تتغيّر. في جنوبِ لبنان، وقفَ أنطوانُ لحد على رأسِ جيشٍ خدمَ الاحتلال، وظنَّ أنَّ البندقيّةَ التي يسلّمُها العدوُّ لِمَن يَرتضيها ستصنعُ لهُ مجدًا. عاشَ سنواتِه الأخيرةَ في منفى قاحلٍ، لا وداعٌ في مطار، ولا قبرٌ في ترابِ الوطن. نامَ على أسرّةٍ غريبةٍ لا تتذكّره، وماتَ بلا يدٍ تُصافحُه للمرّةِ الأخيرة.وفي غزّة، ظنَّ «أبو شباب» أنَّ دَورَه مختلف، وأنّ العدوَّ الذي يقتحمُ البيوتَ ويقتلعُ الأشجار قادرٌ على منحِ مَن يخدمُه حصانةً من الحساب. نَسِيَ أنَّ خيانةَ الدمِّ لا تُحمى بدبّابة، وأنَّ مَن يرفعُ السلاحَ في وجهِ أبناءِ شعبِه، يكتبُ نهايتَه بيديه. فجاءَه الموتُ من نفسِ اليدِ التي دلّلَته وهندستْ انحرافَه. ماتَ قربَ عدوِّه لا قربَ أهلِه، على سريرٍ مُنفِّرٍ لا يُشبِهُ تاريخَه ولا يُشبِهُ المكانَ الذي خرجَ منه طفلًا فلسطينيًّا كباقي الأطفال. في غزّة، ظنَّ «أبو شباب» أنَّ دَورَه مختلف، وأنّ العدوَّ الذي يقتحمُ البيوتَ ويقتلعُ الأشجار قادرٌ على منحِ مَن يخدمُه حصانةً من الحساب. نَسِيَ أنَّ خيانةَ الدمِّ لا تُحمى بدبّابة كيفَ يولدُ الخائن؟ الخيانةُ ليستْ قرارًا عابرًا يُتّخذُ في ليلةِ غفلة. إنّها سلسلةُ تنازلاتٍ تبدأ حين يتزعزعُ الإيمانُ بالوطن، حين يتحوّلُ الانتماءُ إلى زائدةٍ يمكنُ استئصالُها دونَ ألم. وأحيانًا يُخدَعُ المالُ صاحبَه، فيُصدّقُ أنّه أصبحَ أعلى من الناس. وأحيانًا يضغطُ الخوفُ، فيتخيّلُ الخائنُ أنَّ النجاةَ لا تأتي إلّا من بوّابةِ العدوّ. لكنْ في الحالتين، ينسى أنَّ الاحتلالَ لا يبني صداقات، بل يصنعُ أدوات. يدفعُ العميلَ إلى الصدارةِ مؤقّتًا، لا حبًّا به، بل لاستخدامِه جسرًا لتصفيةِ حساباتٍ مع شعبِه.ثمّ، حين تنتهي الوظيفةُ، يُترَكُ الجسرُ وحدَه، يتآكلُه السقوط، ويُصبِحُ مجرّدَ خشبةٍ مكسورةٍ على طرفِ الحكاية. موتٌ بلا وداع الاختلافُ شأنٌ وطنيٌّ صحيّ، تصنعُهُ الحرّيةُ وتضبطُهُ المسؤولية. أمّا الخيانةُ، فهي القطيعةُ الكاملةُ مع ضميرِ الوطن. فالذي يخونُ لا يعودُ مُعارِضًا سياسيًّا، بل يتحوّلُ إلى رصاصةٍ في يدِ الغريب. لا يُطلِقُ النارَ في الهواء، بل يُصيبُ القلوبَ مباشرةً. في لحظةٍ واحدةٍ، يتحوّلُ من ابنٍ للبلد إلى غريبٍ منبوذٍ، مهما رفعَ من شعاراتٍ أو ادّعى نوايا.وحين تتلوّنُ أصابعُهُ بدماءِ الأبرياء، يصبحُ الوطنُ بالنسبةِ إليه مجرّدَ رقعةٍ جغرافيّةٍ لا تستحقُّ البقاءَ ولا تستحقُّ الدفاع.مات «أبو شباب» في غزّة ولم يقتربْ من جثمانِه صديقٌ ولا جار. لم يُبكَ في المخيّمات، ولم يُرفَعْ له علم. تحوّل موتُه إلى راحةٍ جماعيّة، كأنَّ الأرضَ تخلّصتْ من ثقلٍ كان يختنقُ على صدرِها. الصورةُ مؤلمةٌ لكنها عادلة: لا أحدَ يستطيعُ أن يطلبَ من الناسِ احترامَ مَن أهانَهم بالسلاح، وأجازَ دمَهُ بيعًا وشراءً تحت حراسةِ المحتلّ.لقد خرجَ من الجغرافيا الفلسطينيّة قبل أن يُغادِرَها فعليًّا. تخلّى عنه الوطنُ منذ اللحظةِ التي رفعَ فيها بندقيّتَه على صدورِ أبنائه. وما حدثَ اليوم ليسَ إلّا إسدالَ السّتارةِ على فصلٍ كان يجبُ أن يُطوى منذ زمن. حصانةُ المجتمعِ معالجةُ الخيانةِ لا تكونُ بالانتقامِ وحده، بل بالبحثِ في جذورِها. فالأرضُ التي تُهمَلُ تُنتجُ تشقّقات، والتشقّقاتُ تسمحُ للعدوّ بالتسرّب. حمايةُ المجتمعِ من خطرِ العمالةِ تبدأ بحياةٍ عادلةٍ تحفظُ الكرامة، بإعلامٍ يرفعُ الوعي، بتعليمٍ يجعلُ الانتماءَ قيمةً غيرَ قابلةٍ للمساومة، وبوطنٍ لا يتركُ أبناءَه فريسةً للخوفِ والجوعِ والوحدة.فالهدفُ ليسَ فقط معاقبةَ الخائنين، بل منعُ ولادتِهم من جديد. روائح كريهة رغم سعيه الدؤوب لاسترضاء أطراف سياسية وقوى فاعلة في المدينة، عبر باقة من الخدمات والأموال المصروفة تحت مسمّيات متعدّدة، إلا أنّ روائح كريهة فاحت من العديد من المشاريع التي كانت تنفّذها “جمعية حسونة”. وُجّهت له، ولجمعيته، العديد من التهم والمساءلات، جعلت السكوت عنها صعباً، بل مستحيلاً، حتى وصل الأمر إلى إخضاع الجمعية للتحقيق من قبل منظمة اليونيسف، التي وضعتها لاحقًا على “اللائحة السوداء”، وأوقفت التعامل معها. وقد انعكس ذلك تراجعًا ملحوظًا في نشاطه وحضوره، وأدّى إلى تقوقعه في مكتب منزوٍ في قرية لبعا شرق صيدا، معتمدًا على مشاريع صغيرة لتسيير الوقت، تحيّناً لفرصة جديدة للانقضاض على المدينة عبر مجلسها البلدي القادم. قد يرى فضل الله حسونة في نفسه أنه قدّم لصيدا، وأنّ ما يقوم به هو “جزء من حقه المكتسب”، نظراً لدوره في صفوف “الحركة الوطنية” إبان الاجتياح الإسرائيلي. لكن الهدف من هذا المقال، وما سيليه، ليس النيل من الرجل أو جمعيته أو عمله، بل هو دقّ ناقوس الخطر لتنبيه المدينة إلى مسارات شاذة ومؤذية، لا بد من تصحيحها. فالسكوت عنها… يصبح مشاركة في الإضرار بصيدا وأهلها. وهي من المهام التي أخذت “البوست” على عاتقها التصدي لها لمصالح المدينة وأهلها، مهما كانت الأثمان. مَن يختارُ أن يكونَ ابنًا للعدوّ، يفقدُ حقّه في أن يكونَ ابنًا للوطن. ومَن يموتُ على سريرِ قاتلِ أهلِه، لا يستحقُّ أن يحظى بمأتمٍ يليقُ بالبشر. سيظلُّ اسمُه عبرةً: مثالًا على أنّ الخيانةَ لا تجلبُ الأمن، بل تتركُ صاحبَها جثّةً باردةً في حضنٍ غريب. ما أبشعَ أن يموتَ الإنسانُ على سريرِ قاتلِ أهلِه، وما أرحمَ أن يرحلَ واقفًا على أرضِه، محمولًا على أكتافِ الذين يشبهونه ويحبّونه.
عندما حطّت طائرةُ البابا لاوون الرابع عشر في بيروت، لم تكن مجرد زيارة بابوية رابعة لأرض الأرز، بل كانت بمثابة وقفةِ تضامنٍ مع “رسالة” تكاد أن تتلاشى منذ أن أطلق البابا يوحنا بولس الثاني عبارته التاريخية عام 1997، “لبنان أكثر من بلد، هو رسالة”، نظر الكرسيّ الرسوليّ إلى هذا البلد الصغير كنموذجٍ فريدٍ للتعايش المسيحي–الإسلامي. لكن زيارة البابا الأميركي الأول تأتي في وقتٍ لم يعد فيه السؤال هو كيفية الاحتفاء بالرسالة، بل كيفية إنقاذها من براثن انهيارٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ غير مسبوق.فهل لا يزال لبنان قادراً على حمل هذه الرسالة، أم أن الأزمات المتلاحقة قد أفرغتها من مضمونها؟ تطوّر الرؤية البابوية لم تكن نظرة الفاتيكان إلى لبنان ثابتة، بل تطوّرت بتطوّر ظروف البلد نفسه، وهو ما تعكسه الزيارات البابوية الأربع بوضوح. كل زيارة كانت مرآةً لزمانها، تحمل رسالة محددة تتناسب مع السياق التاريخي والسياسي. الزيارة الأولى الزيارة الأولى كانت في عام 1964، حين توقّف البابا بولس السادس في مطار بيروت لمدة 55 دقيقة فقط، في طريقه من الأراضي المقدسة إلى الهند. كانت زيارة عابرة، لكنها حملت اعترافاً رمزياً بأهمية لبنان كمركز للمسيحية المشرقية. في ذلك الوقت، كان لبنان يعيش عصره الذهبي، حيث كان يُلقَّب بـ”سويسرا الشرق”، وكانت بيروت تُعتبر باريس الشرق الأوسط. لم يكن البابا بحاجة لأن يبقى طويلاً، فالبلد كان مستقراً ومزدهراً، والوجود المسيحي فيه كان قوياً ومؤثراً. الزيارة الثانية أما الزيارة الثانية، التي قام بها البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997، فكانت نقطة تحوّل جوهرية في العلاقة بين الفاتيكان ولبنان. جاءت هذه الزيارة بعد سبع سنوات من انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية المدمّرة، وفي وقتٍ كان فيه لبنان يعيش تحت الهيمنة السورية. استمرت الزيارة 32 ساعة، لكنها حُفرت عميقاً في الذاكرة الجماعية اللبنانية. في هذه الزيارة أطلق البابا مقولته الشهيرة التي أصبحت شعاراً وطنياً: “لبنان ليس بلاد الغلبة، بل هو أكثر من بلد، إنّه رسالةُ حرّيّةٍ وعيشٍ مشتركٍ مسيحيّ–إسلاميّ”. كان البابا يؤسّس لرؤية جديدة: لبنان ليس مجرد دولة صغيرة في الشرق الأوسط، بل هو نموذج عالمي للحوار بين الأديان والتعددية. كانت الرسالة واضحة: على العالم أن يحافظ على هذا النموذج، لأن نجاحه يعني إمكانية التعايش في منطقةٍ مشتعلةٍ بالصراعات. الزيارة الثالثة الزيارة الثالثة جاءت في سبتمبر 2012، عندما أصرّ البابا بنديكتوس السادس عشر على زيارة لبنان رغم التحديات الأمنية الخطيرة. كانت المنطقة تشهد ما يُسمّى بـ”الربيع العربي”، وكانت الحرب السورية قد بدأت للتو، مما جعل الأوضاع الأمنية في لبنان هشّة. لكن البابا جاء تحت شعار “سلامي أُعطيكم”، ليؤكد على أهمية لبنان كحصنٍ للاعتدال في وجه موجات التطرف التي كانت تجتاح المنطقة. رحّب البابا بالربيع العربي ووصفه بـ”الأمر الإيجابي”، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى “حلول حيوية” للأزمة السورية. كانت زيارته رسالة تحصين: لبنان يجب أن يبقى واحةَ استقرارٍ وسط العواصف. لم يعد التحدي هو إعادة البناء بعد حرب، أو الصمود أمام موجة تطرف، بل أصبح التحدي هو البقاء نفسه. زيارة البابا الأميركي الأول للبنان هي زيارة تضامنٍ من أجل البقاء، محاولة لإنقاذ ما تبقّى من النموذج اللبناني قبل أن ينهار كلياً واليوم، في نوفمبر 2025، يأتي البابا لاوون الرابع عشر في سياقٍ مختلفٍ تماماً. لم يعد التحدي هو إعادة البناء بعد حرب، أو الصمود أمام موجة تطرف، بل أصبح التحدي هو البقاء نفسه. زيارة البابا الأميركي الأول للبنان هي زيارة تضامنٍ من أجل البقاء، محاولة لإنقاذ ما تبقّى من مؤسسات الدولة والنموذج اللبناني قبل أن ينهار كلياً. لبنان 1997 مقابل لبنان 2025 لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من مقارنة لبنان الذي استقبل يوحنا بولس الثاني بلبنان الذي يستقبل اليوم لاوون الرابع عشر. في عام 1997، كان لبنان يخرج من حرب أهلية مدمّرة استمرت 15 عاماً، ويعيش تحت وطأة الهيمنة السورية. كانت التحديات سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، لكن كان هناك أملٌ في إعادة الإعمار وبناء الدولة. كان رئيس الوزراء رفيق الحريري يقود مشروعاً طموحاً لإعادة بناء بيروت ووسطها التجاري، وكانت الأموال الخليجية والغربية تتدفق على البلد. كانت “الرسالة” آنذاك مشروعاً للمستقبل، حلماً يمكن تحقيقه. كان اللبنانيون يؤمنون بأن الأسوأ قد مضى، وأن المستقبل سيكون أفضل. أما في عام 2025، فقد تغيّر المشهد جذرياً. التحديات لم تعد سياسية فحسب، بل أصبحت وجودية. يواجه لبنان واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث منذ منتصف القرن التاسع عشر، بحسب توصيف البنك الدولي. لم يعد التحدي هو إعادة بناء الحجر، بل إعادة بناء الثقة المفقودة في كل شيء: في الدولة، في المصارف، في الطبقة السياسية، وفي المستقبل نفسه. في هذا السياق، لم تعد “الرسالة” مشروعاً للمستقبل، بل أصبحت ذاكرةً مهددةً بالانقراض، حلماً يكاد اللبنانيون أن ينسوه تحت وطأة البحث عن أبسط مقومات الحياة. موجات الهجرة الجماعية، خاصة بين الشباب والمسيحيين، تهدد التركيبة الديموغرافية للبلد، وتضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الوجود المسيحي في لبنان. الشباب اللبناني لم يعد يسأل “كيف نبني المستقبل؟”، بل أصبح يسأل “هل لنا مستقبل هنا أصلاً؟”. من الدبلوماسية الناعمة إلى دبلوماسية الإنقاذ أمام هذا الواقع المأساوي، يتجاوز دور الفاتيكان اليوم الدبلوماسية الناعمة التقليدية إلى ما يمكن تسميته “دبلوماسية الإنقاذ”. لم يأتِ البابا لاوون الرابع عشر ليلقي خطباً روحية فحسب، بل جاء ليقوم بأفعال رمزية ذات دلالات سياسية وإنسانية عميقة. في خطابه الأول بالقصر الرئاسي في بعبدا، قال البابا:“علينا ضمان ألّا يشعر الشباب بأنهم مُجبَرون على مغادرة وطنهم، وذلك بصناعة السلام في بلدهم”. هذه الكلمات ليست مجرد نصيحة روحية، بل هي رسالة سياسية واضحة موجّهة للطبقة السياسية اللبنانية والمجتمع الدولي، بأن الأزمة اللبنانية لم تعد مسألة داخلية، بل أصبحت مسألة إنسانية تتطلب تدخلاً عاجلاً. البابا يُدرك أن الهجرة الجماعية للشباب تعني موت “الرسالة” ببطء، وأن إيقاف هذا النزيف يتطلب أكثر من الوعظ، يتطلب إصلاحات جذرية وحلولاً اقتصادية وسياسية ملموسة. برنامج الزيارة نفسه يحمل رسائل رمزية قوية. زيارة البابا لموقع انفجار مرفأ بيروت، حيث سيؤدي صلاة صامتة، هي تذكير بأن الفاتيكان لم ينسَ هذه الكارثة، وأن المطالبة بالعدالة والمحاسبة ليست مجرد شعار محلي، بل هي مطلب إنساني عالمي. زيارة مستشفى راهبات الصليب في جلّ الديب، حيث سيلتقي الطاقم الطبي والمرضى، هي إشادة بالمؤسسات الكنسية التي لا تزال صامدة وتقدم خدمات أساسية للمجتمع في ظل غياب الدولة. لقاء الشباب في الصرح البطريركي الماروني في بكركي هو محاولة لإعادة الأمل إلى جيل فقد الثقة بكل شيء. يدرك الفاتيكان أن إنقاذ “الرسالة اللبنانية” يتطلب أكثر من الصلوات. إنه يتطلب ضغطاً دولياً لإجراء إصلاحات حقيقية، ومساعدة إنسانية عاجلة، ودعماً للمؤسسات التربوية والصحية التي لا تزال صامدة، والتي تشكّل العمود الفقري للوجود المسيحي والمجتمع المدني في لبنان. زيارة البابا هي محاولة لحشد هذه الجهود، واستخدام القوة المعنوية الهائلة للكرسي الرسولي كرافعة لإنقاذ بلدٍ يترنح على