كشفت مصادر دبلوماسية مطّلعة في بيروت لصحيفة “البوست” عن مخاوف جدّية من دخول الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مرحلة أكثر خطورة خلال الأيام المقبلة، مؤكدةً أن لا مؤشرات فعلية حتى الآن إلى أفق قريب للحل، خلافًا لما قد توحي به بعض القراءات المتفائلة. وبحسب المصادر، فإن الحديث المتداول عن مفاوضات بين الجانبين لا يكفي للرهان على تهدئة وشيكة، إذ إن المسار الميداني والسياسي المفتوح يوحي بمزيد من التأزّم والتصعيد، لا بتراجع حدّة المواجهة أو احتوائها في المدى المنظور. ولفتت المصادر إلى أن الساحة اللبنانية لن تكون بمنأى عن هذا المسار، مرجّحةً أن تشهد بدورها مزيدًا من التصعيد لا الانحسار، بصرف النظر عمّا قد تفضي إليه المفاوضات الأميركية – الإيرانية، إن حصلت، أو عن طبيعة النتائج التي يمكن أن تخرج بها.
السؤال لم يعد نظريًّا، بل صار ميدانيًّا، يتغذّى من وقائع الاشتباك المفتوح بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومن انخراط حزب الله في هذا الاشتباك كذراعٍ إقليميٍّ متقدّم. لكن هذا السجال، رغم راهنيته، ليس جديدًا. هو في جوهره إعادة إنتاجٍ لثنائيةٍ قديمة: هل تُستجلَب الحروب من أفعال الفاعلين المحليين، أم أنّ هذه الأفعال نفسها تُستدعى ضمن هندسةٍ أوسع للمنطقة؟ بن غوريون وتشكيل الشرق الأوسط لفهم العمق البنيوي لهذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى واحدةٍ من أكثر الوثائق دلالةً في تاريخ التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. ففي أعقاب كشف وثائق منتصف التسعينيات حول مرحلة ما قبل العدوان الثلاثي على مصر، برز موقف ديفيد بن غوريون، ليس فقط كقائدٍ سياسي، بل كمنظّرٍ لمشروعٍ يتجاوز حدود الدولة الناشئة. بحسب المؤرّخ الإسرائيلي المعارض للصهيونية آفي شلايم، فإن اعتراض بن غوريون على الخطة البريطانية–الفرنسية لم يكن نابعًا من رفض الحرب، بل من طبيعة تموضع إسرائيل فيها. لم يشأ أن تظهر إسرائيل كأداةٍ في مشروعٍ أوروبي، بل كفاعلٍ مركزيٍّ يعيد رسم المنطقة. أمّا “خياله” الذي تحدّث عنه، فكان يتضمّن ملامح جذريةً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، يمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية، مع ضرورة قراءتها لا كخطةٍ تنفيذيةٍ حرفية، بل كنافذةٍ على العقل الاستراتيجي المبكر: إسقاط نظام جمال عبد الناصر في مصر، ليس فقط لأنه خصم، بل لأنه يمثّل نموذج الدولة العربية المركزية القادرة على إنتاج توازنٍ إقليمي. إعادة تركيب الجغرافيا السياسية لدول الجوار عبر تفكيكها إلى كياناتٍ أصغر، على أسسٍ طائفيةٍ أو إثنية، بما يجعلها أقلّ قدرةً على تشكيل تهديدٍ استراتيجي. توسيع المجال الحيوي لإسرائيل، ليس فقط عبر السيطرة المباشرة، بل عبر خلق بيئةٍ إقليميةٍ مفككة، تتيح لها حرية الحركة والتفوّق الدائم. تحويل إسرائيل إلى مركزٍ إقليميٍّ مهيمن، اقتصاديًّا وعسكريًّا، في شرق أوسط معاد تشكيله. لبنان لا يواجه فقط حربًا على حدوده، بل سؤالًا وجوديًّا عن معنى الدولة ووظيفة الجنوب في الإقليم من “الخيال” إلى الوقائع إذا كان هذا التصوّر قد وُصف يومًا بـ”الخيال”، فإن السؤال اليوم هو: إلى أيّ مدى أصبح هذا الخيال إطارًا تفسيريًّا لما يجري؟ في جنوب لبنان، لا يمكن فصل التوسّع الإسرائيلي الحالي عن سياقين متداخلين: السياق التكتيكي المباشر، المرتبط بمواجهة حزب الله، حيث تُقدَّم العمليات العسكرية بوصفها استجابةً لتهديداتٍ صاروخيةٍ وبنيوية. والسياق الاستراتيجي الأوسع، المرتبط بإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بعد دخول إيران في مواجهةٍ مفتوحة، وما يستتبع ذلك من محاولة كسر أذرعها الإقليمية أو إعادة ضبطها. هنا، يصبح جنوب لبنان ليس مجرّد جبهة، بل مختبرًا: هل يمكن دفع هذا الفضاء إلى حالةٍ من التفكّك الأمني والسياسي، بما يعيد إنتاجه كمنطقةٍ عازلةٍ دائمة، أو ككيانٍ منزوع الفاعلية؟ نقاش لبناني مأزوم في الداخل اللبناني، ينقسم الخطاب إلى اتجاهين متقابلين ظاهريًّا، لكنهما قد يلتقيان ضمنيًّا: الأول يرى أن سلوك منظمة التحرير الفلسطينية سابقًا، ثم حزب الله لاحقًا، هو الذي “استجلب” التدخّل الإسرائيلي، عبر تحويل الجنوب إلى منصّة صراعٍ إقليمي. والثاني يعتبر أن هذا التفسير يُسقط البعد البنيوي للمشروع الإسرائيلي، ويختزل الصراع في ردود فعل، متجاهلًا أنّ فكرة التوسّع أو الهيمنة كانت حاضرةً قبل نشوء هذه التنظيمات. غير أنّ الإشكالية الأعمق تكمن في أنّ كلا الطرحين، رغم تناقضهما، قد يكونان جزءًا من الحقيقة. فالمشاريع التوسّعية تحتاج إلى ذرائع، كما أنّ الذرائع لا تعمل إلا ضمن بيئةٍ قابلةٍ للاستثمار. ما بعد الحرب؟ ما يجري اليوم، في ظلّ تداخل الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، قد لا يكون مجرّد جولةٍ عسكرية، بل لحظةً مفصليةً في إعادة ترتيب الإقليم. إذا كانت رؤية بن غوريون قد انطلقت من فكرة تفكيك “الدول القوية” إلى كياناتٍ أصغر، فإن الواقع الحالي يُظهر شيئًا أكثر تعقيدًا: دولًا ضعيفةً أصلًا، لكنها متخمة بالفاعلين المسلّحين، ما يجعل تفكيكها لا يحتاج إلى قرارٍ خارجي بقدر ما يحتاج إلى دفعٍ داخلي. ما نشهده قد لا يكون جولةً عسكريةً عابرة، بل لحظةً مفصليةً في إعادة ترتيب الإقليم كله في هذا السياق، يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحًا: هل الجنوب اليوم ساحةُ دفاع، أم بداية تحوّلٍ في وظيفته الجيوسياسية؟ وهل ما نشهده هو ردّ فعلٍ على تهديد، أم خطوةٌ ضمن مسارٍ أوسع لإعادة تعريف الحدود، ليس فقط الجغرافية، بل السياسية أيضًا؟ الجواب، على الأرجح، لا يكمن في أحد الخيارين، بل في المساحة الرمادية بينهما، حيث تتحوّل "الضرورات الأمنية" إلى أدوات، وتتحوّل "الفرص الاستراتيجية" إلى وقائع على الأرض.
في العادة، عندما يُسأل عن مركز الثقل في إيران، تتجه الأنظار نحو مجتبى خامنئي بوصفه المرشد الأعلى، أو إلى قادة الحرس الثوري الإيراني، حيث تُصاغ الاستراتيجيات وتُرسم خرائط النفوذ. لكن، في هذه الحرب تحديدًا، تنقلب الصورة الثقل الحقيقي لا يسكن القمة، بل يتحرك على عجلات. ليس في القصور المحصّنة، بل في شاحنة مكشوفة، يقودها جنود يعرفون أن احتمالات نجاتهم ضئيلة. هنا، في هذا المستوى الأدنى، تتحدد قيمة الترسانة كلها.عشر دقائق بين الحياة والموت: الجنود المجهولون الذين يُبقون إيران في الحرب الخروج من الظلكل شيء يبدأ من مكان لا يُفترض أن يُرى. قاذفة صواريخ تُسحب بصمت من مخبئها، وشاحنة ثقيلة تشق طريقها بحذر، كأنها تحمل سرًا أكبر من قدرتها على إخفائه.الوجهة ليست مجرد موقع إطلاق، بل مساحة مكشوفة بالكامل، حيث يمكن لأي خطأ صغير أن يتحول إلى إشارة رصد قاتلة. الطريق نفسه جزء من المعركة، وكل متر يُقطع هو اقتراب من الخطر. قبل الوصول، يدخل الطاقم في سباق مع الزمن. فريق صغير، بين خمسة وعشرة جنود، يعمل كخلية واحدة. يتم فحص الصاروخ، وتحميله، وإدخال بيانات الهدف، وتحليل الطقس، وقراءة تضاريس الأرض، وكل ذلك تحت ضغط لا يُحتمل.في هذه المرحلة، لا يوجد شيء اسمه “تفصيل صغير”. كل رقم، كل زاوية، كل معطى قد يحدد إن كان الصاروخ سيصيب هدفه، أو يتحول إلى عبء على من أطلقه. في إيران، قد لا يكون مركز الثقل في القمة، بل في جنديٍّ يقود شاحنة صواريخ، ويعرف أن كل ما يفصله عن الموت… عشر دقائق فقط تحت السماء المكشوفةعند الوصول، يبدأ أخطر فصل في القصة. تُثبَّت المنصة، ويُرفع الصاروخ عموديًا، وتتحول الحركة إلى سلسلة قرارات دقيقة. الزمن هنا عدو مباشر، وكل ثانية إضافية تزيد احتمال الرصد. عشر دقائق فقط. هذا هو الحد الأقصى. وإذا انكشف الموقع؟ يمتد الوقت، لكن بثمن أعلى: خطر شبه مؤكد. في هذه اللحظة، لا يعود الطاقم ينفذ مهمة عسكرية فقط، بل يخوض مواجهة مفتوحة مع الزمن والتكنولوجيا معًا. ثم تأتي اللحظة الحاسمة: ضغطة زر واحدة. ينطلق الصاروخ، ويترك خلفه بصمة حرارية ضخمة، كأنها توقيع واضح في الفضاء. في غضون ثوانٍ، تلتقطها الأقمار الصناعية، وتتحول إلى إحداثيات دقيقة تُرسل فورًا إلى الطائرات التي تنتظر هذه اللحظة.ما كان هجومًا قبل لحظات، يتحول الآن إلى نقطة ضعف. من مطلق نار إلى هدف حيبمجرد الإطلاق، يتغير كل شيء.الطاقم الذي نفّذ المهمة يصبح هدفًا مباشرًا. الطائرات في السماء، أميركية أو إسرائيلية، تبدأ بالمطاردة. هنا، لا مجال للبطء، ولا مساحة للخطأ.الهروب ليس خيارًا تكتيكيًا، بل مسألة بقاء.العودة إلى القاعدة، والاختباء تحت جسر، والدخول إلى نفق، كلها خيارات مؤقتة في سباق مع ضربة قد تصل خلال دقائق. كم يعيش هؤلاء؟التقديرات العسكرية لا تحمل الكثير من الأمل.فرص البقاء لهؤلاء الجنود لا تُقاس بالزمن الطويل، بل بلحظات قصيرة: أيام إن كانوا محظوظين، ساعات في كثير من الأحيان، وربما دقائق فقط في أسوأ السيناريوهات.كل مهمة قد تكون الأخيرة، وكل إطلاق قد يكون النهاية. لهذا السبب، لا تركز القوى المعادية فقط على اعتراض الصواريخ، بل على تدمير منصات الإطلاق نفسها.لأن هذه الشاحنات ليست مجرد وسيلة، بل شرط أساسي. معظم الصواريخ البالستية الإيرانية لا يمكن إطلاقها من دونها. إنها العمود الفقري لمنظومة كاملة.وبدونها، تتحول الصواريخ إلى مخزون بلا وظيفة، إلى قوة كامنة لا تجد طريقها إلى السماء. المفارقة التي تكشفها هذه الحرب قاسية بقدر ما هي واضحة. نظام يبدو شديد المركزية، يعتمد، في لحظاته الحاسمة، على أكثر عناصره هشاشة. ليس القادة فقط من يصنعون المعركة، بل أولئك الذين يقفون في العراء، تحت أعين الأقمار الصناعية. جندي يقود شاحنة، يحمل صاروخًا، ويعرف أن كل ما بينه وبين النهاية… عشر دقائق فقط. القوة ليست دائمًا في من يصدر الأمر، بل في من يرفع الصاروخ تحت السماء المكشوفة في عالم يُقاس فيه النفوذ بحجم الترسانات، تذكّر هذه الحرب بحقيقة أبسط وأكثر إزعاجًا: القوة الحقيقية… قد تكون في شخص واحد، يضغط زرًا، ثم يهرب من ظلّه.