علمت جريدة «البوست» من مصادر محلية متابعة أنه، من تداعيات الكلام الذي أُثير مؤخرًا بحق ما يحصل من «أمور مريبة» داخل بلدية الهلالية (شرق صيدا)، أدّى ذلك إلى تطيير مشروع كان أحد تجار البناء المعروفين في تلك المحلة قد تكفّل به “كعطية” من جيبه الخاص لصالح البلدية، والمتمثل ببناء قصر بلدي جديد على قطعة أرض تحوم حولها علامات استفهام واجتهادات عديدة. فبحسب عارفين، تمكّنت شخصية صيداوية معروفة تشغل قطعة الأرض المتنازع عليها من النجاح في تعطيل “بلدوزر” المشروع بالطرق القانونية، من دون أن تتمكن من حسم الملف بشكل نهائي بعد، إلا أن “التنبيهات” التي وجّهتها وزارة الداخلية إلى تلك البلدية، والكلام الذي أُثير حول تجاوزات كثيرة في عملها، فتحا العيون على العلاقات المتداخلة بينها وبين أحد أصحاب المولدات المحظيين وتجار البناء، الأمر الذي أدّى إلى تأجيل المشروع برمته، لا إلغائه، بانتظار جلاء الصورة. ويبقى السؤال. ما الذي يدفع بتاجر بناء يصادف أنه صاحب مولد أيضا إلى تقديم “هبة بقيمة مليون دولار” لبناء قصر بلدي لبلدة، في وقت يعجز فيه “البنك الدولي” عن تخصيص مثل هذا المبلغ لمشروع كهذا، في زمن لا شيء مجانيًا فيه!
في صيدا فقط، ومنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير، قتلت الدراجان النارية من أهل المدينة أكثر مما قتلت المسيرات الإسرائيلية وآلة الموت الصهيونية. أيعقل ذلك؟ ألن نكتفي في احتساب عداد الموت، لنقم كلنا، كلن بحسب موقعه ومسؤولياته بتغير هذا الواقع المأساوي الذي يحصد الأرواح؟ لم تعد الدراجة النارية في شوارع مدينة صيدا مجرد وسيلة نقل واقتصادية وسط أزمة مالية خانقة، بل تحولت إلى كابوس يطارد السكان، وآفة أمنية وصحية تحصد أرواح شبابنا يومياً. من شوارعها الرئيسية إلى زواريبها الضيقة، باتت ساحة استعراض مفتوحة للتهور والفوضى، حيث أصبح الموت فيها أقرب إلى الراكب والمشاة من أي شيء آخر. إن ما نراه اليوم في صيدا ليس مجرد حوادث سير عابرة، بل هو استنزاف لطاقات الشباب وإزهاق لأرواحهم تحت عجلات التهور والإهمال. طاسات الموت، القيادة بعكس السير، تجاوز الإشارات المضيئة، والسرعة المفرطة وسط الأحياء السكنية، كلها مشاهد أضحت أسلوب حياة لعدد لا يستهان به من السائقين، وسط غياب شبه تام للرقابة الصارمة. لقمة العيش ليست رخصة للقتل نحن ندرك تماماً، وبكل منطق وإنسانية، أن الدراجة النارية هي شريان حياة ومصدر الرزق الأساسي لمئات العائلات الصيداوية، من عمال التوصيل (الديليفري) إلى العمال والموظفين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف البنزين للسيارات. احترام “لقمة العيش” واجب، ودعم كل حريص على رزقه اليومي مسؤولية أخلاقية، لكن لقمة العيش لا يجوز بأي شكل من الأشكال أن تتحول إلى “رخصة للقتل” أو الموت على الأسفلت. المعاناة المعيشية لا تبرر القيادة بطريقة انتحارية، ولا تبرر تعريض حياة المارين في الطريق للخطر. فالرزق الذي يأتي على حساب سلامتك أو سلامة الآخرين يفقد قيمته في لحظة واحدة تحول فيها الشاب إلى رقم في قائمة وفيات المعالجين أو غرفة العناية الفائقة. أين حزم الأجهزة الأمنية؟ أمام هذا الواقع المأساوي، لم يعد هناك مجال للمساومة أو غض الطرف. صيدا بحاجة إلى خطة حازمة فورية توازن بين حماية أمن المواطنين وحفظ حق العمال في كسب رزقهم: إلزامية دفاتر القيادة والتسجيل: يجب منع سير أي دراجة غير مجمركة أو غير مسجلة، وحظر قيادتها من قِبل أي شخص لا يحمل دفتر قيادة رسمي يثبت أهليته وقدرته على السير في الشارع العام. الصرامة في الخوذة والترخيص: إن فرض ارتداء الخوذة الواقية بشكل صارم واستكمال وسائل السلامة العامة (كالبريكات والإضاءة الليلية) ليس رفاهية، بل هو خط الدفاع الأول والأخير لحماية رأس السائق من الموت المحتم عند السقوط. قمع المخالفات الخطرة: على القوى الأمنية والشرطة البلدية ضرب يد من حديد على المخالفات الجسيمة، وفي مقدمتها القيادة بعكس السير، السير على الرصيف، والتجمعات الاستعراضية التي تهدد السلامة العامة. تنظيم أصحاب العمل: إجبار شركات ومحلات التوصيل على عدم تشغيل أي شاب لا يلتزم بشروط السلامة الكاملة، وتحميل صاحب العمل جزءاً من المسؤولية القانونية في حال المخالفة. الضبط الإداري والأمني وحده لا يكفي إن لم يترافق مع استشعار الأهل لحجم الكارثة. على كل أب وأم في صيدا أن يدركوا أن تسليم دراجة نارية لشاب في مقتبل العمر دون ضبط أو مراقبة هو بمثابة إرساله إلى معركة دون سلاح. إن حماية أرواح شباب صيدا هي مسؤولية مشتركة تبدأ من البيت، وتكتمل بوعي السائق، وتترسخ بقوة القانون وحزم الدولة. لقد شبعت صيدا حزناً ودموعاً على شباب بعمر الورد، وحان الوقت لتشديد الضوابط وفرض النظام، قبل أن تفجعنا الأيام بمزيد من الضحايا.
مع أعضاء من هذا النوع، حتى في مسعاه «العائلي» لا يهنأ رئيس بلدية صيدا بقليل من السلام، إن هو قرر السفر وإدارة ظهره، ولو مؤقتاً، للمجلس الذي يترأسه. ففي آخر فصول مسرحية «الملهاة الولادية» المتواصلة منذ أكثر من عام، علمت «البوست» أن بعض أعضاء المجلس قرروا استغلال فترة غياب الرئيس مصطفى حجازي لتمرير مشروع كبير تتطلع إليه المدينة وتحتاجه منذ سنوات، ألا وهو إصلاح الفظائع التي باتت عليها شوارع السوق التجارية. فقط في صيدا يمكن أن تسمع الآتي: أعضاء البلدية يتنافسون في ما بينهم على تحقيق إنجاز يفترض أنه للمدينة، لا حباً بصيدا وحدها، بل تنازعاً على نسبة الفضل، وحجزاً لمكان في الصور، واستثماراً مبكراً في موسم الانتخابات النيابية المقبلة. وبحسب المعلومات، بعدما حاول أحد أعضاء المجلس إقناع جمعية تجار المدينة باستعداده لتولّي إصلاح شارع السوق الرئيسي وتزفيته، سارع رئيس البلدية، من وراء البحار، إلى التدخل لمنع إنجاز الأمر في غيابه، موجهاً المعنيين إلى إرجاء المشروع واشغال “العضو الطاحش” بالمناسبات ريثما يعود. وهكذا، بدل أن يكون السؤال في بلدية صيدا: كيف ننجز المشروع بأسرع وقت؟ يبدو أن السؤال بات: من سينجزه، ومن سيلتقط الصورة، ولمن سيُسجَّل الإنجاز؟ أما شوارع المدينة، فبإمكانها أن تنتظر قليلاً… حتى يعود الجميع إلى أماكنهم أمام الكاميرات.