تتجه منطقة الشرق الأوسط نحو تحولات جيوسياسية غير مسبوقة، تُرسَّخ من خلالها معادلات ميدانية وسياسية جديدة، تبدو نتائجها شديدة التباين بين جبهتين ظلّتا مترابطتين لسنوات تحت شعار «وحدة الساحات». فبينما يتجه قطاع غزة نحو ترتيبات جديدة تقوم على حصر السلاح، ونقل الإدارة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية مستقلة، ضمن تفاهمات وتدابير دولية وإقليمية، يجد لبنان نفسه محاصرًا في دوامة معقدة، صنعتها الاستراتيجيات التي اعتمدها «حزب الله»، وربط من خلالها مصير البلاد بصراعات الإقليم. وبدل أن يؤدي فتح الجبهة اللبنانية إلى فرض معادلة ردع أو تحسين موقع لبنان التفاوضي، تحوّل الجنوب إلى ساحة مستباحة للغارات والاعتداءات الإسرائيلية، من دون أفق واضح لحل سياسي، أو مظلة دولية فاعلة، أو قدرة للدولة على حماية أرضها وسكانها. من السلاح إلى التكنوقراط شهدت المحادثات الإقليمية والدولية تحوّلًا جوهريًا مع طرح ترتيبات لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، تتضمن إعادة تشكيل الواقع الأمني والإداري في القطاع، وانتقال المهام الحكومية والخدماتية من الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة «حماس»، إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة». وتتكوّن اللجنة، وفق التصورات المطروحة، من شخصيات فلسطينية مستقلة ومتخصصة، تتولى إدارة الشؤون الخدمية والمالية، والإشراف على إعادة الإعمار، والتنسيق مع الجهات المانحة والمؤسسات الدولية، بعيدًا عن البنية التنظيمية والعسكرية للفصائل. كما تتضمن الترتيبات المقترحة حصر السلاح وتخزينه بصورة تدريجية ومتسلسلة، تحت إشراف اللجنة الوطنية وبمراقبة جهات دولية وقوة استقرار، في مقابل انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من القطاع. وتتولى الإدارة التكنوقراطية تشغيل المرافق الأساسية، من مستشفيات ومدارس وشبكات مياه وكهرباء، بالتوازي مع بناء مؤسسات أمنية مدنية جديدة تتولى حفظ الأمن وإدارة الحياة اليومية، بعيدًا عن الهياكل الفصائلية التي حكمت القطاع طوال السنوات الماضية. وبذلك، يبدو قطاع غزة أمام تجربة انتقال شديدة التعقيد من سلطة الفصائل المسلحة إلى إدارة مدنية مدعومة دوليًا، هدفها وقف الحرب، وفتح باب إعادة الإعمار، وإعادة تنظيم الحياة السياسية والأمنية، رغم ما يحيط بهذا المسار من تحديات ميدانية وشكوك متبادلة بين الأطراف. skip render: ucaddon_material_block_quote لبنان في الدوامة في الوقت الذي يسلك فيه ملف غزة مسارًا نحو تسوية أمنية وسياسية مؤطرة دوليًا، دخل لبنان في مسار معاكس، تتصاعد فيه مظاهر التدهور العسكري والسياسي والاقتصادي. فقد أدّت خيارات «حزب الله»، وربطه الجبهة اللبنانية بصراعات الإقليم، إلى إدخال البلاد في واحدة من أخطر أزماتها منذ انتهاء الحرب الأهلية. وتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة مفتوحة أمام الاعتداءات والغارات الإسرائيلية التي طالت القرى والمناطق السكنية والمنشآت الحيوية، وأسفرت عن خسائر بشرية ودمار واسع في الممتلكات والبنية التحتية. والمفارقة أن لبنان وجد نفسه يدفع أثمان حرب لم تتخذ مؤسساته الدستورية قرار خوضها، فيما بقيت الدولة عاجزة عن فرض سيادتها، أو احتكار قرار الحرب والسلم، أو توفير الحماية الفعلية للسكان. ولم تُنتج سياسة «وحدة الساحات» تسوية تحفظ حقوق لبنان، ولم تؤدِّ إلى تعزيز موقعه الإقليمي، بل زادت عزلته، وعمّقت الانقسام الداخلي، ومنحت إسرائيل ذرائع متواصلة لتوسيع عملياتها العسكرية. انسداد سياسي لا تقتصر الأزمة اللبنانية على البعد الأمني، بل تمتد إلى انسداد سياسي ودبلوماسي متزايد. فالمبادرات الدولية تصطدم بانعدام التوافق الداخلي، والانقسام العميق حول مصير السلاح خارج الدولة، وهو ما يعطل قدرة المؤسسات الرسمية على اتخاذ قرارات حاسمة، ويمنع لبنان من التحدث بصوت واحد أمام المجتمع الدولي. وبدل أن تكون الدولة المرجعية الوحيدة في إدارة الصراع والتفاوض، باتت المؤسسات الرسمية رهينة توازنات داخلية وسلاح يفرض معادلاته خارج إطار الشرعية. وهكذا، أصبح لبنان عالقًا بين ضغط إسرائيلي متصاعد من الخارج، وعجز سياسي ومؤسساتي من الداخل، فيما تتقلص فرص التسوية كلما طال أمد الأزمة. سيناريوهات خطرة يواجه لبنان اليوم تحديات وجودية تتجاوز البعد العسكري، لتطال بنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فمع استمرار الاستباحة الإسرائيلية، يتواصل الضغط على القرى الجنوبية والمواقع الحيوية، في ظل غياب قدرة الدولة على فرض سيادتها أو ردع الاعتداءات. ويحول الانقسام السياسي دون قيام سلطة تنفيذية قادرة على النهوض بالبلاد، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1701، بما يعيد للدولة حضورها الكامل على أراضيها. أما المواطنون اللبنانيون، ولا سيما أبناء الجنوب، فيتحملون العبء الأكبر من هذا الانسداد، من نزوح وخسائر في المنازل والأرزاق، إلى تدهور الخدمات الأساسية، وتراجع فرص التعافي وإعادة الإعمار. دولتان لا ساحتان تكشف التحولات الراهنة مفارقة شديدة الدلالة: قطاع غزة، على الرغم من حجم المأساة والدمار، يتلمس طريقه نحو ترتيبات معقدة، لكنها مؤطرة دوليًا، تقوم على إدارة مدنية ومسار أمني وإعادة إعمار. في المقابل، يبقى لبنان عالقًا في دوامة مفتوحة أدخله فيها «حزب الله»، بعدما حوّل الجنوب إلى جبهة مرتبطة بحسابات إقليمية لا يملك اللبنانيون قرارها، ولا القدرة على التحكم بنتائجها. لقد بدأت غزة، ولو بشروط قاسية، البحث عن مخرج من حكم السلاح، فيما لا يزال لبنان أسير سلاح يمنع قيام الدولة، ويعطل المبادرات، ويفتح أرضه أمام الاعتداءات. skip render: ucaddon_box_testimonial
ليس أصعب على الأمم من أن تخلط بين القوة والضجيج، وبين القيادة والسيطرة، وبين الدولة والسلطة. ففي لحظات الاضطراب، ترتفع الأصوات، وتعلو الخطابات الحادّة، ويظنّ كثيرون أن مَن يملك القدرة على إثارة الغرائز يملك القدرة على صناعة التاريخ. لكن التاريخ نفسه يروي قصة مختلفة تمامًا. فالغريزة السياسية تستطيع أن تكسب معركة، لكنها لا تستطيع أن تبني وطنًا. منذ أن كتب ابن خلدون مقدمته الشهيرة، أدرك أن الدول لا تقوم على العصبية وحدها، بل إن العصبية نفسها تذبل عندما تتحول إلى غاية بدلًا من أن تكون وسيلة. أما مالك بن نبي، فقد رأى أن نهضة الأمم لا تبدأ بتغيير الحكومات فقط، بل بتغيير الأفكار التي تحكم المجتمع. بينما ذهب توماس هوبز إلى أن الدولة هي المخرج الوحيد من فوضى الصراع الدائم، لأنها تنقل الإنسان من منطق القوة إلى منطق القانون. وعلى الرغم من اختلاف الأزمنة والبيئات، فإن هؤلاء جميعًا التقوا عند حقيقة واحدة: لا مستقبل لمجتمع تحكمه الغرائز أكثر مما تحكمه المؤسسات. فالسياسة التي تُبنى على الخوف قد تنتصر في موسم انتخابي، لكنها لا تنتج استقرارًا. والسياسة التي تقوم على تعبئة الانقسامات قد تحشد الجماهير، لكنها تعجز عن بناء الاقتصاد، أو استعادة الثقة، أو صناعة الأمل. أما الاعتدال، فهو ليس منطقة رمادية بين طرفين، ولا هو ضعف في اتخاذ القرار، بل هو شجاعة العقل عندما يرفض أن تستعبده الانفعالات. إنه القدرة على رؤية الوطن بأكمله، لا رؤية جزء منه فقط. skip render: ucaddon_material_block_quote ولذلك، فإن الاعتدال غالبًا ما يدفع ثمنًا باهظًا في البدايات، لأن الجماهير، في لحظات الغضب، تنجذب إلى مَن يرفع سقف الشعارات، لا إلى مَن يضع أسس الحلول. لكن الزمن، وهو القاضي الأكثر عدلًا، يعيد ترتيب الأحكام. فعندما تهدأ العواصف، لا يسأل الناس مَن كان أكثر صراخًا، بل مَن كان أكثر قدرة على حماية الدولة. إن التجربة اللبنانية تقدّم مثالًا واضحًا على هذه الحقيقة. فكل مرحلة غلبت فيها لغة الغلبة على لغة الشراكة، دفعت البلاد ثمنًا من استقرارها واقتصادها ووحدتها. وكل مرحلة اقترب فيها اللبنانيون من فكرة الدولة والمؤسسات، تنفّست البلاد شيئًا من الأمل، مهما كانت التحديات. وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي مشروع سياسي: هل يجعل الدولة أكبر من الأحزاب؟ وهل يجعل المواطن أغلى من الاصطفافات؟ وهل يحوّل الاختلاف إلى تنافس في خدمة الوطن، لا إلى صراع على وجوده؟ إن الاعتدال لا ينتصر لأنه يملك جمهورًا أعلى صوتًا، بل لأنه ينسجم مع طبيعة الدولة نفسها. فالدولة لا تعيش بمنطق الغلبة الدائمة، وإنما بمنطق التوازن، والقانون، والعدالة، والمؤسسات. وكل محاولة لاستبدال هذه القواعد بغرائز السياسة قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تزرع أسباب أزمات جديدة. حين تتراجع الغرائز… تتقدّم الدولة ومن هنا، فإن المشاريع الوطنية التي تجعل الدولة غايتها لا تموت بسهولة. قد تتراجع، وقد تتعرض لحملات التشكيك، وقد تخسر مواقعها السياسية، لكنها تبقى كامنة في وجدان المجتمع، لأن الحاجة إليها تتجدد كلما أثبتت الأزمات أن البديل عنها هو المزيد من الانقسام. إن التاريخ يعلّمنا أن الاعتدال لا يسابق الزمن، بل يصاحبه. وقد يبدو بطيئًا مقارنة بالاندفاع، لكنه أكثر رسوخًا من العاصفة. فالعاصفة تقتلع الأشجار، لكنها لا تستطيع أن تمنع الربيع من العودة. وهكذا، فإن انتصار الاعتدال ليس وعدًا حتميًا، بل احتمال تقوّيه التجارب عندما يقترن بالرؤية، والعمل، والقدرة على مراجعة الذات وتجديد المشروع. فالأفكار التي تخدم الدولة وتضع الإنسان في مركز اهتمامها تملك من أسباب البقاء أكثر مما تملكه الأفكار التي تعيش على الانقسام. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يعد التفوق العسكري في الشرق الأوسط يُقاس بعدد الطائرات أو حاملات الطائرات فحسب، بل بقدرة الصواريخ منخفضة الكلفة على استنزاف أكثر منظومات الدفاع الجوي تطورًا في العالم. في هذا السياق، يبرز صاروخ «خيبر شكن» بوصفه أحد أهم الأسلحة التي تراهن عليها إيران في إعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمي. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، أصبح الصاروخ، الذي دخل الخدمة عام 2022، يشكّل العمود الفقري للقوة الصاروخية الإيرانية، ليس لأنه الأكثر تدميرًا، بل لأنه يجمع بين كلفة إنتاج منخفضة نسبيًّا، وسرعة في الإطلاق، وقدرة متزايدة على المناورة، وهو ما يمنحه فرصة أكبر لتحدّي أنظمة الدفاع الأميركية والإسرائيلية. المواجهات الأخيرة ويكشف التقرير أن إيران استخدمت «خيبر شكن» خلال المواجهات الأخيرة ضد قواعد أميركية في الشرق الأوسط، ضمن هجمات مركّبة جمعت بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والصواريخ الأقل تطورًا، في محاولة لإغراق منظومات الدفاع الجوي بعدة تهديدات متزامنة، بدلًا من الاعتماد على سلاح واحد. ويرى مسؤولون أميركيون أن هذه المقاربة تعكس تطورًا واضحًا في العقيدة العملياتية الإيرانية، إذ لم تعد طهران تعتمد على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ فحسب، بل باتت تراهن أيضًا على تنويع مسارات الهجوم والسرعات وأنماط الطيران لإرباك الرادارات وأنظمة الاعتراض. ويتميّز الصاروخ، الذي يعمل بالوقود الصلب، بإمكانية نقله وإطلاقه بسرعة من منصات متحركة، بخلاف الصواريخ القديمة التي كانت تحتاج إلى وقت أطول للتجهيز والتزوّد بالوقود، وهو ما يجعل اكتشاف منصاته واستهدافها أكثر صعوبة. كما أن بعض النسخ المتطورة من الصاروخ مزوّدة بقدرات على تعديل مسارها في المرحلة النهائية من الطيران، وهي ميزة تهدف إلى تقليل فرص اعتراضها، خصوصًا في مواجهة أنظمة الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات. لكن، رغم هذه التطورات، يؤكد مسؤولون أميركيون أن معظم صواريخ «خيبر شكن» التي أطلقتها إيران خلال الحرب الأخيرة جرى اعتراضها، وإن تمكّن عدد محدود منها من اختراق الدفاعات والو skip render: ucaddon_material_block_quote اقتصاد الحرب لا تكمن أهمية «خيبر شكن» في خصائصه الفنية فقط، بل أيضًا في معادلة الكلفة. فبينما تُقدّر كلفة الصاروخ الإيراني بأنها منخفضة نسبيًّا، تتراوح كلفة الصواريخ الاعتراضية الغربية المستخدمة لإسقاطه بين مليوني دولار و15 مليون دولار، بحسب نوع المنظومة. وهذه الفجوة الاقتصادية تمنح إيران أفضلية في ما يُعرف بـ«حرب الاستنزاف»، حيث يصبح استهلاك مخزون الدفاعات الجوية أكثر كلفة من إنتاج الوسائل الهجومية نفسها، وهي معادلة باتت تشكّل هاجسًا متزايدًا لدى الجيوش الغربية. التعلّم من المعركة ويرى خبراء الصواريخ أن الاستخدام المتكرر لهذا السلاح وفّر لإيران كمًّا كبيرًا من البيانات العملياتية، ما سمح لها بتعديل تكتيكاتها وتحسين فرص اختراق الدفاعات مع كل جولة قتال. ويقول خبراء إن الحروب الحديثة لم تعد مجرد اختبار للأسلحة، بل أصبحت مختبرًا مفتوحًا لتطويرها، إذ تمنح كل مواجهة معلومات عملية يصعب الحصول عليها في ميادين التجارب التقليدية. فلسفة الاستخدام لا يمثّل «خيبر شكن» تحوّلًا ثوريًّا في تكنولوجيا الصواريخ الباليستية بقدر ما يعكس تحوّلًا في فلسفة استخدامها. فإيران تراهن على الدمج بين الكلفة المنخفضة، والإنتاج الكمي، والمرونة التشغيلية، والتكتيكات المتغيرة، لإحداث ضغط مستمر على منظومات دفاعية تُعدّ من الأكثر تطورًا في العالم. وبغضّ النظر عن النتائج الميدانية لكل هجوم، فإن الرسالة التي تحملها هذه المواجهات تتجاوز الصاروخ نفسه: سباق التسلح في الشرق الأوسط لم يعد يدور حول امتلاك السلاح الأكثر قوة، بل حول امتلاك السلاح الأكثر قدرة على استنزاف الخصم، عسكريًّا واقتصاديًّا، وإجباره على إنفاق موارد باهظة لمواجهة تهديد منخفض الكلفة.