فقط في قرية نائية من قرى السويد قد يمرّ القول إن مركزًا ثقافيًا استضاف نشاطًا منفصلًا تمامًا عن هويته السياسية وعن موقع القائمين عليه. أما في لبنان، وفي صيدا تحديدًا، فمثل هذا التبرير يصعب ابتلاعه. حين يستضيف مركز معروف سعد الثقافي الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، يصبح من المشروع طرح الأسئلة السياسية مباشرة، لا التعامل مع الحدث بوصفه مناسبة رمزية عابرة أو نشاطًا منزوع الدلالة. فالمناسبة في ذاتها سياسية بامتياز، وحضورها في مركز يحمل هذا الاسم وهذا الإرث وهذا الموقع داخل المدينة يجعل السؤال بديهيًا: ماذا أراد أسامة سعد من هذه الخطوة؟ هل يمكن فعلًا الفصل بين المركز وموقعه السياسي، والقول إن إدارته تتحرك باستقلال كامل عن أي حسابات أو رسائل أوسع؟ هذا تفسير سيجد صعوبة كبيرة في إقناع كثيرين في صيدا وخارجها. السؤال البديهي يذهب مباشرة إلى العلاقة مع حزب الله و«الثنائي الشيعي»، هل هناك محاولة لإعادة فتح خطوط انقطعت، أو ترميم علاقة سياسية يمكن أن تصبح مفيدة انتخابيًا في مرحلة لاحقة؟ السؤال الأصعب، والأكثر كلفة، هل يراد من هذه الاستضافة إعادة تعويم حزب الله داخل المدينة، أو اختبار مدى قابلية المزاج الصيداوي للتعامل معه مجددًا بعد مرحلة شهدت توترًا واضحًا في المواقف والانطباعات؟ لا توجد، إجابات حاسمة عن هذه الأسئلة، لكن الخطوة نفسها فتحت الباب أمامها، وهذا وحده كافٍ ليؤكد أن ما جرى ليس تفصيلًا ثقافيًا محايدًا. أما المفارقة الأوضح، فكانت في حجم الحضور المحدود. فبدل أن يتحول الحدث إلى استعراض قوة أو حضور شعبي، بدا أقرب إلى مؤشر يحتاج أصحابه إلى التوقف عنده مليًا. وفي مدينة مثل صيدا، حيث تُقرأ الإشارات السياسية بسرعة، لا يعود المهم فقط من حضر المناسبة، بل من غاب عنها أيضًا، وما الذي يقوله هذا الغياب عن المزاج العام تجاه الذكرى وصاحبها وتجاه الجهة التي اختارت استضافتها. في السياسة، قد تكون الرسالة أحيانًا أكبر من الحدث نفسه. لكن حين تأتي الرسالة أضعف من أن تقنع الشارع، تتحول المبادرة من محاولة تعويم إلى مناسبة تكشف حجم المشكلة بدل أن تخفيها.
بعد أن ابتعدت الكاميرات، وانطفأت الشاشات، وغابت الهواتف والميكروفونات، ظهر السؤال الذي لم يجد له أحد جوابًا حتى اليوم: من سيدفع فاتورة الغداء؟ فقد علمت «البوست» من مصادر محلية مطلعة أن فضيحة إدارية وأخلاقية جديدة تلاحق أداء بلدية صيدا، بعدما بقيت فاتورة غداء أكثر من 80 شخصًا معلّقة، رغم أن البلدية كانت قد تكفلت بتغطية تكاليفها خلال زيارة وفد حلّ ضيفًا على المدينة قبل نحو أسبوعين. المشهد كان مكتملًا يومها: استقبال، ابتسامات، صور، جولة في المدينة القديمة، أحاديث عن عبق التاريخ وحسن الضيافة… ثم عاد الجميع إلى منازلهم، الجميع تقريبًا، أما صاحب المطعم الصيداوي، فبقي أمام فاتورته ينتظر. وبحسب المعلومات، تجاوزت قيمة الحساب 3000 دولار أميركي، فيما لم يتقاضَ حتى الآن سوى نحو 1000 دولار فقط. القصة، في ظاهرها، فاتورة مطعم. لكنها في جوهرها تكشف مرة أخرى حجم الارتباك في إدارة أبسط التفاصيل داخل هذه البلدية. فملف لا يحتاج أكثر من قرار واضح وتسديد حساب تحوّل، بفعل المناكفات الداخلية وسوء التنسيق، إلى مشكلة جديدة تضاف إلى سجل بلدية تعاني أصلًا من أزمات أكبر بكثير.
علمت صحيفة «البوست» من مصادر اقتصادية مطّلعة أن وفدًا من الخبراء والباحثين الأكاديميين في الجامعة الأميركية في بيروت زار مدينة صيدا خلال الأيام الماضية، بطلب وتوجيه من وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، في خطوة تهدف إلى استكشاف واقع المدينة الاقتصادي وسبل تحريك عجلتها الإنتاجية. وبحسب المعلومات، عقد الوفد، بعيدًا عن الأضواء، سلسلة لقاءات مع عدد من الشخصيات والفاعليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في صيدا، في إطار إعداد تقييم ميداني ومسح شامل للواقع الاقتصادي والمعيشي في المدينة، يشمل عددًا من القطاعات الحيوية والإنتاجية. وتؤكد مصادر متقاطعة أن المهمة لا تقتصر على تشخيص المشكلات، بل تتعداها إلى البحث في سبل النهوض بالقطاعات الواعدة، وتقديم الاستشارات المتخصصة، وتحديد حاجاتها من الدعم المادي واللوجستي بما يساهم في إعادة تحريك الدورة الاقتصادية وخلق فرص حقيقية للنمو. وأبدى الوفد، بحسب المصادر، اهتمامًا لافتًا بالقطاع الصناعي، إلى جانب تربية الدواجن والقطاعات الزراعية، بوصفها من المجالات التي يمكن البناء عليها وتطويرها، ولا سيما إذا توافرت لها خطط عملية وتمويل مناسب وبيئة داعمة للاستثمار والإنتاج. ويبقى الرهان على أن تخرج هذه الحركة من إطار الدراسات والتوصيات إلى التنفيذ الفعلي، وألّا تنتهي بإضافة أوراق جديدة إلى عشرات الدراسات التي سبق أن أُعدّت عن صيدا ثم بقيت حبيسة الأدراج. فالمدينة، في ظل الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه، لم تعد تحتاج إلى مزيد من تشخيص أزماتها بقدر ما تحتاج إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، واستثمارات منتجة، وخطوات تُحدث فرقًا ملموسًا في دورة اقتصادية أنهكها الركود والتراجع.