تشتعلُ، يومًا بعد يوم، المواجهةُ المكتومة داخل وزارة الاتصالات بين الوزير شارل الحاج و”الثنائيّ الشيعيّ”، بعدما تحوّلت الوزارة وهيئة “أوجيرو” إلى ساحة نفوذٍ مفتوحة تُدار فيها المصالح الكبرى تحت الطاولة. قبل يومين فقط، فجّر الوزير خطوةً لافتةً حين أرسل فريقًا من “أوجيرو” لإجراء تحقيقٍ ميدانيٍّ داخل أحد مراكز الهيئة في بيروت، بعد وصول شكوى تتّهم موظّفًا محسوبًا بشكلٍ صارخ على “الثنائيّ” ـ ويعمل بالتوازي في إحدى شركاته الخاصّة ـ بأنّه يتلاعَب بفتح ساعات الموجات الدولية لصالح شركاتٍ معيّنة، ويتحكّم ببرمجة القدرة والسعات ويحجبها عن شركات أخرى بذريعة “الأعطال التقنيّة”.تُهمةٌ تعني ببساطة أنّ ملايين الدولارات تُسحَب من جيوب الدولة وتُضَخّ في حسابات المحظيّين… وأنّ خدمة الانترنت في لبنان خاضعة لإيقاع المزاج السياسي والأمني. وعلى الرغم من أن التحقيق لم يخرج، “كالعادة”، بنتائج حاسمة، إلّا أنّ مصادر مطّلعة أكدت لـ”البوست” أنّ الرائحة فاضحة بما يكفي، وأنّ ما حصل ليس سوى رأس جبلٍ يختبئ تحته صراعٌ شرس على التحكم بشرايين الإنترنت الدولية ومداخيلها. المصادر نفسها تشير إلى أنّ هذا الاشتباك ليس معزولًا، بل يأتي كجزء من الحرب الباردة بين وزير محسوب على جوّ “القوات اللبنانية” وبين “الثنائي”، خصوصًا بعد سلسلة الاتهامات التي تُلاحق الوزير في ملف شركة «ستارلينك» ودخوله إلى لبنان بطريقةٍ تصفها مصادر سياسية بأنها “مريبة” ومليئة بعلامات الاستفهام.وتضيف المصادر أنّ ملفّ ستارلينك سيفتح أبواب جهنّم سياسيًا وماليًا في المرحلة المقبلة، وأنّ “روائح فساد ثقيلة” ستتطاير منه تباعًا… وقد تكون هي السبب الحقيقي وراء الحملة التي تُشنّ على الوزير اليوم. الصراع إذًا خرج من الظلّ، والوزارة تسير بسرعة نحو معركة نفوذ تُحدّد مستقبل الإنترنت والمال والسياسة في البلد… والمعارك المقبلة قد تكون الأعنف.
علِمَت “البوست” من مصادرَ مُتابِعةٍ أنَّ اجتماعًا صاخبًا جَمَعَ اليومَ وفدًا من تُجّارِ صيدا برئاسةِ علي الشَّريف برئيسِ البلدية وعددٍ من أعضاءِ المجلس، بهدفِ البحثِ في مجموعةٍ من المواضيعِ المهمّةِ العالقةِ والمبهمةِ التي تخصُّ السوقَ التجاريَّ تحديدًا وتأثيرَها على الدورةِ الاقتصاديةِ في المدينةِ بشكلٍ عام. وقد شكا التُّجّارُ من أداءِ المجلسِ الحاليّ حيالَ عددٍ من المواضيعِ التي لا تزالُ عالقةً دون حلّ، عِلمًا أنّ معالجتَها لا تحتاجُ إلى قراراتٍ كونيةٍ مصيريةٍ. وعُلِمَ في هذا الإطارِ أنَّ التُّجّار يشكون من التفلتِ والفوضى الحاصلةِ بالنسبةِ للبسطاتِ خارجَ عددٍ كبيرٍ من المحالّ التجاريةِ في السوق، وانتشارِ “الكيوسكات”، ومعضلةِ بسطاتِ الخضارِ وسوقِ الخضارِ القديمِ في السوق، إضافةً إلى التأخّرِ في معالجةِ تزفيتِ الشوارعِ الرئيسيةِ في السوق، رغم الكلامِ عن استبدالِ البلاطِ الحاليّ بالزفتِ الذي لا يعرفُ أحدٌ متى موعدُ قدومِه. وطالب التُّجّارُ بجدولٍ زمنيٍّ محدّدٍ لإنجازِ الأشغالِ المطلوبةِ تجنّبًا لتعطيلِ النشاطِ التجاريّ في السوق، خاصةً في مواسمِ الأعيادِ ورمضان، في ظلِّ وضعٍ اقتصاديٍّ متردٍّ أصلًا، لكن للأسفِ بقيت بلا حلولٍ لافتقادِ العزيمةِ والجدّيةِ المطلوبةِ، وانتظارِ الحلِّ أن يُمنَحَ من الخارجِ لا أن يُنتَزَع.
في 26 تشرين الثاني الجاري، أعلنت المديريةُ العامةُ لأمنِ الدولة عن توقيفِ طبيبٍ نسائيٍّ في الجنوب، مكتفيةً بالإشارةِ إليه بالحرفينِ الأوّلين من اسمِه (ج. ف.)، بعد الاشتباهِ في تورّطِه مع عصابةٍ منظّمةٍ تبيعُ وتنقلُ أطفالًا حديثي الولادة بطرقٍ غير قانونية.البيانُ الرسميّ أوضح أنّ دوريّةً من مديريةِ الجنوب الإقليمية أوقفته، وأنّ التحقيق أظهر أنّه سهّل نشاطَ العصابة عبر تزويرِ وثائقِ الولادة وبياناتِ القيد لإخفاءِ هويّةِ الأطفال وتسجيلِهم على أسماء أخرى بشكلٍ مخالفٍ للقانون، وأنّه مطلوبٌ أصلًا بمذكرةِ توقيفٍ غيابية صادرةٍ عن قاضي التحقيق في جبل لبنان.بهذه السطور القليلة، انفجرت واحدةٌ من أبشعِ القضايا المرتبطةِ بالاتجارِ بالبشر في لبنان، وتحولت من خبرٍ أمنيٍّ إلى امتحانٍ شاملٍ للمنظومةِ القضائية والأمنية والأخلاقية في البلد. خطٌّ زمنيٌّ لفضيحتين التحقيقاتُ أعادت فتحَ ملفٍّ قديمٍ نسبيًّا، قضيةِ جمعيةِ قريةِ المحبّة والسلام التي تفجّرت قبل عامٍ تقريبًا على خلفيةِ شبهاتِ بيعِ أطفالٍ وتزويرِ أوراقِهم الرسمية،وقرارٌ ظنّي صدر عام 2024 عن قاضي التحقيق في جبل لبنان، زياد الدغيدي، اعتبر أنّ عددًا من المتهمين ـــ بينهم الطبيبُ نفسه ـــ متورطون في: تزويرِ وثائق الولادة وبيانات القيد، نسبِ أطفالٍ إلى نساءٍ لم يلدنهم أصلًا، تشكيلِ شبكةٍ هدفُها الاتجارُ بالأطفال وإجبارِ بعض الأمهات على التخلّي عن مواليدهنّ مقابل مبالغ مالية.وبحسب التقارير، كان اسمُ الطبيب (ج. أ. ف.) جزءًا من هذه الشبكة، وظهر توقيعُه على مستنداتٍ مزوّرة تخصّ أطفالًا سُجِّلوا على غيرِ أمهاتِهم البيولوجيات. هل ستذهب التحقيقاتُ إلى النهاية، فتُفتح كلّ ملفات «قريةِ المحبّةِ والسلام» وغيرها على مصاريعها؟ وكيف يمكن بناءُ آليةِ إنذارٍ مبكر من شاهدٍ إلى مطلوبٍ للعدالة المعطياتُ الأمنية والقضائية تفيد بأنّ الطبيبَ استُدعي عام 2023 إلى القضاء بصفةِ شاهدٍ في ملفٍّ مشابه، بعدما عُثر على مستنداتٍ تحمل توقيعَه. تُرك يومها بسندِ إقامة، لكنّ الملف تحوّل لاحقًا إلى تحقيقٍ جزائيٍّ أفضى إلى: ادّعاءٍ رسميٍّ عليه عام 2024 بتهم الاتجار بالأطفال، إصدارِ مذكرةِ توقيفٍ غيابية بحقّه.ورغم ذلك، لم تُنفَّذ المذكرة، بحسب ما تؤكّده المصادرُ نفسها، ليبقى الطبيبُ حرًّا يمارسُ عملَه الطبيّ.التوقيفُ الحالي للطبيب جرى داخل مستوصفٍ في صيدا، حيث كان يواصلُ عملَه كطبيبٍ نسائيّ، رغم القرارِ الظنيّ ومذكرةِ التوقيف بحقه منذ عام.فضيحةُ التوقيفِ المتأخر، إذ إنّ تركَ المتهمِ بجنايةِ الاتجار بالبشر يعملُ بحرّيةٍ في مستشفياتٍ ومستوصفات الجنوب لأكثرَ من سنة من دون تنفيذِ مذكرةِ التوقيف، هذا لا يقبله عقلٌ ولا منطق. كيف تعملُ الشبكة؟ نساءٌ ضعيفات، وأطفال يتحوّلون إلى ملفٍّ قانونيٍّ مزوَّر؛ صورةٌ قاسية لطريقةِ عملِ الشبكة التي تركز على نساءٍ يعانين من هشاشةٍ اجتماعية ونفسية لا حول لهنّ ولا قوة (لبنانيات، سوريات، فلسطينيات)، بالإضافة إلى حالاتِ حملٍ معقّدة، أو حملٍ ناتجٍ عن اغتصابٍ أو استغلالٍ جنسيّ.يتمّ تزويرُ إفاداتٍ ووثائقِ الولادة، واستبدالُ اسمِ الأمِّ الحقيقية بأخرى (شارية) للطفل، أحيانًا عبر جمعياتٍ أو عائلاتٍ ميسورة.بهذه الحالة، يتحوّل الطفلُ من كائنٍ حيٍّ له أمّ وبيئة وحقوق، إلى ملفٍّ ورقيٍّ جديد داخل دائرةِ النفوس: اسمٌ مختلف، أمٌّ مختلفة، عنوانٌ مختلف، وحياةٌ كاملةٌ مختلَقة.التحقيقُ نفسه يشير إلى شكاوى نساءٍ راجعن الطبيبَ لعلاج العقم أو صعوبة الحمل، ليتبيّن ـــ وفق روايتهنّ ـــ أنّه كان يحقنُ بعضَهنّ بإبرِ تلقيحٍ منتهيةِ الصلاحية، في استغلالٍ مضاعفٍ لضعفِهنّ الجسديّ والنفسيّ.هذه التفاصيلُ، إن تأكدت قضائيًا، لا تتعلق فقط بالاتجارِ بالبشر، بل أيضًا بحقوقِ المرضى وسلامتهم، وبأخلاقياتِ مهنةِ الطبّ في الحدّ الأدنى.يكشف نقيبُ الأطباء في لبنان أنّ ملفّ الطبيب في النقابة كان خاليًا من الدعاوى والشكاوى، ما يعني أنّ اسمَه لم يُشطَب من الجدول، ولم يُتَّخذ بحقّه إجراءٌ مهنيٌّ وقائيّ.هذا الفراغُ بين ما يعرفه القضاءُ وما تعرفه النقابة، سمح لطبيبٍ ملاحق ـــ بحسب هذه المعطيات ـــ أن يواصل العملَ مع مرضى لا يعلمون شيئًا عن ملفّه القضائي.النتيجة: طفلٌ جديد، أمٌّ جديدة، وثيقةٌ جديدة، وثغرةٌ رسميةٌ واحدةٌ تتكرر. صيدا كمرآةٍ للهشاشة اختيارُ الجنوب، وصيدا تحديدًا، كبيئةِ عملٍ للشبكة ليس صدفةً في القراءةِ الاجتماعية؛ فالمنطقة تستقبلُ لاجئين ونازحين بأعدادٍ كبيرة (سوريون، فلسطينيون)، يعيش كثيرٌ منهم في أوضاعٍ اقتصادية ونفسية هشّة، بالإضافة إلى النساء الأكثر ضعفًا بسبب الفقر، أو غياب الدعم العائلي، أو التعرّض للعنف الجنسي.هؤلاء يكنّ أكثرَ قابليةً للضغط أو الإقناع بالتخلّي عن أطفالهنّ مقابل مبالغ مالية أو وعودٍ بحياة «أفضل» للطفل.وبهذا المعنى، تبدو القضيةُ أيضًا مرآةً لانهيارٍ اجتماعيٍّ – اقتصاديٍّ حين تُصبح الأمُّ عرضةً للبيع قبل أن يُباع الطفلُ نفسه. تصبح الجريمةُ مركّبة: جريمةَ اتجارٍ بالبشر، وجريمةَ فشلِ دولةٍ في حمايةِ أضعفِ الفئات. ماذا بعد التوقيف؟ هل ستذهب التحقيقاتُ إلى النهاية، فتُفتح كلّ ملفات «قريةِ المحبّةِ والسلام» وغيرها على مصاريعها؟وكيف يمكن بناءُ آليةِ إنذارٍ مبكر تربطُ بين القضاء ونقابة الأطباء ووزارة الصحة، بحيث لا يستطيع أيّ طبيبٍ ملاحق بجنايةٍ خطيرة أن يواصل العملَ مع المرضى؟ توقيفُ الطبيب في صيدا خطوةٌ مهمّة، لكنها لا تكفي وحدها. هي نقطةٌ على خطٍّ طويلٍ يبدأ من غرف الولادة ولا ينتهي عند أبواب قصور العدل. إذا انتهت القضيةُ إلى كبشِ فداءٍ فرديٍّ يُودَع السجنَ فيما تبقى الثغراتُ كما هي، سنعود قريبًا لنسمع عن «طبيبٍ آخر» و«شبكةٍ أخرى» و«أطفالٍ آخرين». أمّا إذا استُخدمت هذه الفضيحة كنقطةِ تحوّلٍ لمراجعةٍ جديّة في القضاء والأمن والنقابات والقوانين الاجتماعية، فقد تتحول من جريمةٍ صادمةٍ إلى محفّزٍ لإصلاحٍ حقيقيّ.