يبدو أن بلدية صيدا قرّرت أن تجعل من كل تفصيل يومي مناسبة جديدة لإحراج نفسها والمدينة معًا، في سلسلة من الممارسات التي بات من الصعب وصفها بالعثرات العابرة، بعدما تحوّلت إلى نمط متكرر من الرعونة وسوء الإدارة. آخر فصول هذه الملهاة، فاتورة غداء لوفد من «الضيوف» زار المدينة مؤخرًا، بعدما كانت البلدية قد تكفّلت بالدعوة، ثم قرّرت لاحقًا أن تتنصّل من الدفع بحجج واهية، تاركةً صاحب المطعم يلاحق مستحقاته، وصورة صيدا تتحمّل كلفة إحراج كان يمكن تفاديه ببساطة وبعدما طال انتظار الفاتورة، علمت «البوست» أن أحد رجال الأعمال الصيداويين المعروفين بالعمل في الشأن العام تدخّل ودفع المبلغ من ماله الخاص، نيابةً عن بلدية لم تجد حرجًا في أن يتكفّل مواطن بما كان يفترض أن يكون من أبسط التزاماتها الأكثر إثارة للاستغراب أن أكثر من 15 عضوًا من المجلس البلدي كانوا بين الحاضرين الـ63 الذين تناولوا الغداء، فيما البلدية نفسها هي الجهة الداعية، ومع ذلك لم يجد المجلس البلدي حرجاً في أن يدفع أحد بالنيابة عنه!
فقط في قرية نائية من قرى السويد قد يمرّ القول إن مركزًا ثقافيًا استضاف نشاطًا منفصلًا تمامًا عن هويته السياسية وعن موقع القائمين عليه. أما في لبنان، وفي صيدا تحديدًا، فمثل هذا التبرير يصعب ابتلاعه. حين يستضيف مركز معروف سعد الثقافي الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، يصبح من المشروع طرح الأسئلة السياسية مباشرة، لا التعامل مع الحدث بوصفه مناسبة رمزية عابرة أو نشاطًا منزوع الدلالة. فالمناسبة في ذاتها سياسية بامتياز، وحضورها في مركز يحمل هذا الاسم وهذا الإرث وهذا الموقع داخل المدينة يجعل السؤال بديهيًا: ماذا أراد أسامة سعد من هذه الخطوة؟ هل يمكن فعلًا الفصل بين المركز وموقعه السياسي، والقول إن إدارته تتحرك باستقلال كامل عن أي حسابات أو رسائل أوسع؟ هذا تفسير سيجد صعوبة كبيرة في إقناع كثيرين في صيدا وخارجها. السؤال البديهي يذهب مباشرة إلى العلاقة مع حزب الله و«الثنائي الشيعي»، هل هناك محاولة لإعادة فتح خطوط انقطعت، أو ترميم علاقة سياسية يمكن أن تصبح مفيدة انتخابيًا في مرحلة لاحقة؟ السؤال الأصعب، والأكثر كلفة، هل يراد من هذه الاستضافة إعادة تعويم حزب الله داخل المدينة، أو اختبار مدى قابلية المزاج الصيداوي للتعامل معه مجددًا بعد مرحلة شهدت توترًا واضحًا في المواقف والانطباعات؟ لا توجد، إجابات حاسمة عن هذه الأسئلة، لكن الخطوة نفسها فتحت الباب أمامها، وهذا وحده كافٍ ليؤكد أن ما جرى ليس تفصيلًا ثقافيًا محايدًا. أما المفارقة الأوضح، فكانت في حجم الحضور المحدود. فبدل أن يتحول الحدث إلى استعراض قوة أو حضور شعبي، بدا أقرب إلى مؤشر يحتاج أصحابه إلى التوقف عنده مليًا. وفي مدينة مثل صيدا، حيث تُقرأ الإشارات السياسية بسرعة، لا يعود المهم فقط من حضر المناسبة، بل من غاب عنها أيضًا، وما الذي يقوله هذا الغياب عن المزاج العام تجاه الذكرى وصاحبها وتجاه الجهة التي اختارت استضافتها. في السياسة، قد تكون الرسالة أحيانًا أكبر من الحدث نفسه. لكن حين تأتي الرسالة أضعف من أن تقنع الشارع، تتحول المبادرة من محاولة تعويم إلى مناسبة تكشف حجم المشكلة بدل أن تخفيها.
skip render: ucaddon_box_testimonial تقرير «مخاطر الأمن الغذائي العالمي 2026–2027» يرسم صورة مقلقة للمرحلة المقبلة، مستندًا إلى معطيات وتحذيرات صادرة عن برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومركز الأبحاث المشترك التابع للاتحاد الأوروبي. وهو يحذّر من اجتماع مجموعة أزمات في وقت واحد: الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، واضطراب طرق التجارة، والتقلبات المناخية، وتراجع تمويل المساعدات الإنسانية. الثمن لكن أخطر ما يقوله التقرير ليس أن العالم سيستيقظ ذات صباح ليجد أن الغذاء قد نفد. على العكس، تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الإمدادات العالمية من الحبوب، رغم احتمال تراجعها عن مستوياتها القياسية، ستبقى مرتفعة تاريخيًا. المشكلة الحقيقية هي أن الغذاء قد يكون موجودًا، لكن عددًا متزايدًا من الناس قد يصبح عاجزًا عن دفع ثمنه.(المصدر: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، 2026) تؤثر الحرب الروسية ـ الأوكرانية في أسواق القمح والذرة وزيت دوار الشمس والمنتجات المرتبطة بالأسمدة. أما حروب الشرق الأوسط فتحمل مخاطر إضافية: ارتفاع أسعار النفط، وزيادة كلفة الزراعة والنقل وتصنيع الغذاء، واحتمال اضطراب الملاحة في البحر الأحمر أو مضيق هرمز، بما يرفع كلفة الشحن والتأمين. كل زيادة في كلفة الطاقة أو النقل أو الأسمدة تجد طريقها، عاجلًا أم آجلًا، إلى فاتورة الغذاء التي يدفعها المواطن. الوضع اللبناني الصعب بالنسبة إلى لبنان، لا نتحدث عن خطر بعيد أو افتراضي. فالتقرير يضع لبنان صراحةً ضمن 13 دولة ومنطقة يُتوقّع أن يتفاقم فيها انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويضعه في الشرق الأوسط إلى جانب اليمن وفلسطين وسوريا.(المصدر: منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، تقرير «بؤر الجوع»، حزيران 2026) هنا تكمن أهمية قراءة التقرير لبنانيًا، لا باعتباره مجرد تقرير دولي عن الجوع في العالم. لبنان بلد يعتمد بصورة كبيرة على الخارج في تأمين احتياجاته الغذائية. وبالتالي، فإن الخطر لا يبدأ فقط عندما ينقص القمح أو الزيت أو المواد الغذائية من الأسواق، بل قبل ذلك بكثير: عندما ترتفع أسعار النفط، وعندما تصبح كلفة الشحن أعلى، وعندما تتعطل الممرات البحرية، وعندما ترتفع أسعار الأسمدة، وعندما تنتقل كل هذه الأكلاف إلى المستهلك. يشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تشهد، في حال استمرار الصراع وبقاء أسعار النفط فوق مئة دولار للبرميل، دخول نحو 5.2 ملايين شخص إضافي في دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، أي بزيادة تُقدَّر بنحو 14 في المئة في البلدان التي شملها التحليل.(المصدر: برنامج الأغذية العالمي، آذار 2026) أين لبنان؟ أمام كل ذلك، يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: أين السلطة اللبنانية مما يحصل؟ عندما تضع المؤسسات الدولية لبنان على خريطة الخطر الغذائي، لا يجوز أن نتعامل مع الأمر كتقرير آخر نقرأه ثم نضعه على الرف. أين خطة الطوارئ الغذائية إذا اتسعت الحرب أو تعطلت خطوط الإمداد؟ أين الخريطة الوطنية التي تقول للبنانيين ما حجم مخزون القمح والحبوب والزيوت والمواد الأساسية، وكم يكفي، وما مصادر استيراده، وما البدائل إذا تعطلت إحدى طرق الإمداد؟ أين السياسة الزراعية التي تحدد ماذا يحتاج لبنان إلى أن يزرع وينتج، ليس فقط وفق حساب الربح والخسارة في موسم واحد، وإنما وفق حاجاته الاستراتيجية؟ وأين الخطة لمواجهة ارتفاع الأسعار إذا اجتمعت، في وقت واحد، زيادة أسعار النفط والأسمدة والنقل والتأمين والمواد الغذائية؟ ثم هناك السؤال الأهم: ماذا تفعل الدولة إذا كان الغذاء موجودًا، لكن اللبناني لم يعد قادرًا على شرائه؟ هذه تحديدًا هي الفكرة المركزية في التحذيرات الدولية. فالخطر الأكبر ليس بالضرورة اختفاء الغذاء من الأسواق، وإنما ارتفاع الأسعار إلى مستويات تعجز معها الدول الهشّة والعائلات ذات الدخل المحدود عن تأمين احتياجاتها الأساسية. غرفة دائمة المطلوب اليوم ليس لجنة جديدة تجتمع عند وقوع الأزمة، ولا خطة توضع في الأدراج، ولا انتظار المساعدات الخارجية عندما تصبح المشكلة أمرًا واقعًا. المطلوب إنشاء غرفة وطنية دائمة للأمن الغذائي تجمع رئاسة الحكومة ووزارات الزراعة والاقتصاد والمالية والطاقة والشؤون الاجتماعية، إلى جانب الجمارك والمرافئ والقطاع الزراعي والمستوردين والقطاع الخاص. وظيفة هذه الغرفة يجب أن تكون عملية جدًا: أن نعرف بصورة مستمرة ماذا لدينا، ماذا نحتاج، ماذا نستورد، من أين نستورد، كم يكفي المخزون، وما البدائل إذا أُغلق طريق أو مرفأ أو ارتفعت الأسعار فجأة. ويجب أن تكون هناك لائحة واضحة بالسلع الغذائية الاستراتيجية التي لا يجوز تركها بالكامل لتقلبات الأسواق والأزمات الخارجية، مع تحديد الحد الأدنى المطلوب من المخزون لكل منها، وتنويع مصادر الاستيراد حتى لا يصبح لبنان رهينة سوق واحدة أو طريق واحد. وفي الوقت نفسه، يجب وضع خطة لزيادة الإنتاج المحلي حيث يكون ذلك ممكنًا ومجديًا. ليس المطلوب أن نقنع أنفسنا بأن لبنان يستطيع تحقيق اكتفاء ذاتي كامل. هذا غير واقعي. المطلوب أن نقلل نقاط الضعف التي تجعل أي حرب أو أزمة شحن أو ارتفاع عالمي للأسعار يتحول سريعًا إلى أزمة داخل كل منزل. هنا يصبح المزارع اللبناني جزءًا من الأمن الوطني. حماية الأراضي الزراعية، وتأمين المياه، وتخفيض كلفة الطاقة، وتسهيل التمويل، وتطوير التخزين والتبريد، ودعم التعاونيات الزراعية، وتحسين التسويق، ليست مجرد مطالب قطاعية. إنها جزء من قدرة لبنان على الصمود إذا تعرضت سلاسل الإمداد الخارجية لصدمة. كذلك، فإن مواجهة الأزمة لا تكون بالعودة إلى تجارب الدعم العشوائي للسلع، حيث تضيع الأموال ويستفيد القادر وغير القادر بالطريقة نفسها. المطلوب شبكة حماية اجتماعية تستهدف مباشرةً الأسر الأكثر حاجة، وتكون جاهزة للتوسع فور وقوع صدمة غذائية أو ارتفاع استثنائي في الأسعار. هناك أيضًا حاجة إلى نظام إنذار مبكر. فإذا كانت المؤسسات الدولية قادرة على رصد أسعار الحبوب والأسمدة والنفط والمناخ وحركة التجارة، والتحذير مما قد يحصل بعد أشهر، فمن غير المقبول أن تبقى الدولة اللبنانية تنتظر وقوع المشكلة كي تبدأ بمعالجتها. وتحذّر تقديرات مركز الأبحاث المشترك التابع للاتحاد الأوروبي من أن الوضع قد يزداد سوءًا خلال عام 2027، لأن تأثير الحروب ونقص الأسمدة والصدمات المناخية وتراجع التمويل الإنساني لا يظهر دائمًا بصورة فورية، بل قد تظهر نتائجه بعد أشهر. (المصدر: مركز الأبحاث المشترك التابع للاتحاد الأوروبي، أيلول 2026) هذا يعني أن لدينا وقتًا للتحرك، ولكن الوقت ليس مفتوحًا. المشكلة في لبنان أننا اعتدنا اختصار مفهوم الأمن القومي بالسياسة والعسكر والحدود، بينما العالم الذي نعيش فيه يقول شيئًا آخر. القمح أمن قومي. المياه أمن قومي. الزراعة أمن قومي. المرفأ أمن قومي. والطريق الذي تسلكه السفينة حتى تصل إلينا جزء من أمننا القومي. الدولة التي لا تعرف ماذا سيأكل شعبها إذا تعطلت سلاسل الإمداد، أو كيف سيشتري غذاءه إذا ارتفعت الأسعار، ليست دولة مستعدة للأزمات. التحذيرات الدولية لا تقول إن مجاعة ستقع في لبنان، ولا يجوز استخدامها لتخويف الناس بهذا الشكل. ما تقوله أكثر واقعية: العالم قد لا يواجه نقصًا شاملًا في الغذاء، لكنه يواجه خطر ارتفاع الأسعار، واضطراب سلاسل الإمداد، واتساع رقعة الجوع بين الفئات الأكثر ضعفًا.