علمت صحيفة “البوست” من مصادر متابعة أن قرار وقف معمل النفايات في صيدا عن استقبال النفايات ومعالجتها لم يعد مجرّد إجراء إداري عابر، بل جاء هذه المرة بقرار مباشر من مالكي الشركة السعوديين، وتحديدًا من رئيس مجلس إدارتها، في سابقة تعكس حجم التشدّد في التعاطي مع الأزمة. وبحسب المعلومات، فما إن تبلّغ المالكين بأن اجتماع وزير المال ياسين جابر لن يفضي إلى أي حل عملي لدفع المستحقات المتأخرة للمعمل منذ عامين، سرّع في صدور القرار من الرياض إلى الجهات المشرفة على الإدارة بوقف العمل، من دون المرور حتى بمدير عام المعمل أحمد السيد. وتشير المعطيات إلى أن أصحاب الشركة بلغوا مرحلة متقدمة من الضيق والاستياء من مسلسل التسويف، وفقدوا الثقة بالوعود المتكررة والأعذار المستهلكة، ما يوحي بأن الأزمة الحالية ليست كسابقاتها، بل تبدو أكثر تعقيدًا وحدّةً وطابعًا شخصيًا.
تحدّت إسرائيل كل رهانات التهدئة، ووسّعت اليوم الأربعاء 8 نيسان 2026 غاراتها على لبنان، ولا سيما بيروت، في أعنف تصعيد منذ بدء الحرب الحالية. الضربات طالت أيضًا البقاع والجنوب، وأوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى، فيما أكدت تل أبيب أن الهدنة الأميركية-الإيرانية لا تشمل الساحة اللبنانية.
في لبنان، لا تنتهي الحروب عند الحدود، بل تبدأ من اللغة التي نصف بها أنفسنا. هناك من يطالب الجيش اللبناني اليوم بأن يتصدّى لإسرائيل، وكأنّ المؤسسة العسكرية كائنٌ منفصلٌ عن الدولة، أو ميليشيا فائضة عن الشرعية، تُستدعى عند الحاجة وتُصرَف عند التسوية. هذا ليس حماسًا وطنيًا، بل تبسيطٌ خطير يُشبه مطالبة رجلٍ أعزل بخوض معركة مدافع فقط لأن صوته عالٍ. الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن الجيش لا يتحرّك بالشعارات، بل بالأوامر. ولكي يقاتل، يجب أن تُعلن الدولة الحرب. وإعلان الحرب في هذا التوقيت ليس مجرّد قرار سيادي، بل قفزة في قلب حريق إقليمي مشتعل، حيث الاصطفاف يعني، عمليًا، التموضع إلى جانب محور إقليمي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، مع ما يستتبع ذلك من تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لكل أنواع الاستهداف. السؤال هنا ليس عسكريًا فقط، بل وجودي: هل قرّر اللبنانيون فعلًا أن يصبحوا وقودًا في حرب الآخرين؟ عقيدة الجيش والخلل البنيوي ثمّة ما هو أعمق من قرار الحرب: عقيدة الجيش نفسها. هذه العقيدة لم تولد في فراغ، بل صيغت تحت ضغط واقع سياسي فرض ثلاثية “الجيش والشعب وحزب الله”، وهي صيغة لم تكن يومًا متوازنة بقدر ما كانت تعبيرًا عن خللٍ بنيوي في احتكار القوة.قد يكون المستوى السياسي قد أعلن نهاية هذه الثلاثية نظريًا، لكن في العمق، لا تزال آثارها تتسرّب إلى بنية القرار العسكري، حيث الجنوب لم يكن يومًا مساحة سيادية مكتملة، بل منطقة ذات قواعد اشتباك خاصة، تُرسَم خارج السياق الرسمي. التاريخ القريب ليس بريئًا. حادثة استشهاد النقيب الطيّار سامر حنّا ليست تفصيلًا يُروى في الهوامش، بل علامة فارقة على حدود المسموح والممنوع. حين تُستهدَف مروحية للجيش في سماء وطنها، فالمشكلة لا تكون في الطيران، بل في مَن يحتكر السماء. ومنذ ذلك اليوم، لم تتغيّر المعادلة جذريًا، بل استمر الجيش في التحرّك ضمن خطوط غير مرئية، لكنها صارمة كالجدران. لا يوجد جيشٌ في العالم يمكنه أن يخوض حربًا خارجية، فيما جبهته الداخلية مثقوبة المزايدة بلغة وطنية هنا يسقط وهم المزايدات. لا يوجد جيشٌ في العالم يمكنه أن يخوض حربًا خارجية، فيما جبهته الداخلية مثقوبة. المعركة ليست فقط على الحدود، بل في تعريف مَن يملك قرار السلاح. وكل حديث عن مواجهة إسرائيل دون معالجة هذا الخلل هو، ببساطة، إعادة إنتاج للهزيمة بلغة وطنية. في المقابل، فإن أي خطوة لتعزيز حضور الدولة تبقى ذات معنى. انتشار القوة الضاربة لشعبة المعلومات في بيروت ليس مجرد إجراء أمني، بل رسالة سياسية تقول إن الدولة قادرة – إذا أرادت – على استعادة مساحاتها. لكن هذه الخطوات تبقى ناقصة إذا لم تتحوّل إلى مسار متكامل يعيد رسم الخريطة السيادية، لا بالبيانات، بل بالفعل. السيادة تُبنى بالتراكم الطريق واضح، لكنه غير سهل: حصر السلاح ليس شعارًا بل عملية تراكمية، تبدأ من حيث تستطيع الدولة أن تفرض نفسها، لا من حيث تتمنّى. من بيروت الكبرى، حيث يمكن اختبار الجدية، إلى الأطراف حيث التعقيد أعلى والكلفة أكبر. هكذا فقط تُبنى السيادة: خطوةً خطوة، لا قفزةً في المجهول. أما “الثالوث” الذي حكم المرحلة السابقة، فقد أثبت أنه لم يكن معادلة قوة، بل وصفة لإدارة التناقض. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بلا زخرفة: هل يريد لبنان أن يكون دولة بجيش واحد، أم ساحة بثلاثة رؤوس، كلٌّ منها يجرّه إلى حرب مختلفة؟