كي يُقدم على خطوةٍ من هذا النوع، وليست المرة الأولى، حُكمًا كان رئيس بلدية صيدا مصطفى حجازي يظنّ أنه سيشارك في منتديات مجموعة العشرين الصناعية الدولية G20، لا في تجمّع فؤاد السنيورة في بناية السادات، وإلا لكان أعاد حساباته بدقّة، متجنّبًا افتعال مشكلة إضافية تُسجَّل في مسيرة “إنجازاته” في الشأن العام. حجازي، الذي يعلم الصيداويون جميعًا أنه لولا قرار الأيام الأخيرة قبيل الانتخابات من قبل النائب السابق بهية الحريري، لما كان متربّعًا على كرسي البلدية اليوم، وأنه وفريق عمله الأساسي محسوبون على جو “آل الحريري” في الصغيرة قبل الكبيرة، فما المستجدّ الذي يدفعه إلى خطوات غير محسوبة، كالمشاركة في مجموعة يترأسها السنيورة، المغضوب عليه حريريًا؟ بحسب أوساط سياسية مطّلعة، لوحظ منذ مدة قيام حجازي بمحاولات واضحة للتمايز عن “جو الحريري”، والتقرّب من بعض القوى السياسية الأخرى في المدينة، تحت عنوانٍ فضفاض مفاده أن البلدية وعاءٌ للجميع، وقد جاءت صورته مترأسا طاولة السنيورة، وإن كان يلهو بهاتفه المحمول كما عادته، لتزيد من الامتعاض “الحريري” تجاه على مستوى القيادة والقاعدة الشعبية على السواء. هذه المحاولات، وإن بدت خفيفة، إلا أنها في مدينة كصيدا، حيث يعرف الجميع بعضهم بعضًا، ولا تخفى بواطن الأمور خلف ظواهرها، سجّلت امتعاضًا واضحًا لدى مؤيدي الحريري، الذين اعتبروا أن في الأمر إنكارًا لواقع أن “إم نادر” هي من أجلست حجازي حيث هو اليوم، وأنها الأقدر على إزاحته من مكانه. يبدو أن مجريات الأمور آخذة في التفاعل بهذا الاتجاه، وقد تحمل الأيام المقبلة مفاجآت غير متوقعة للكثيرين.
ما إن تناهى إلى مسامع جهاتٍ حزبيةٍ معروفة تحضيرُ سكان حيّ البرغوث في صيدا لتوقيع عريضةٍ ترفض إعادة بناء “مجمع الزهراء”، وتقديمها إلى وزير الداخلية ونواب المدينة وقواها السياسية والاجتماعية قاطبةً، لمنع إعادة إعمار المجمع بالشكل الذي كان عليه، حتى رصدت مصادر أهلية متابعة إطلاقَ حملةِ تحشيدٍ طائفيةٍ وشعبويةٍ لشدّ العصب المذهبي، وجمع التبرعات بسرعة بهدف البدء بإطلاق ورشة إعمار المجمع دون انتظار أحد. وفي هذا الإطار، تداول ناشطون مقاطعَ صوتيةً لشخصياتٍ معروفةٍ ومجهولة، إضافةً إلى بياناتٍ وُزّعت على نطاقٍ واسع على مجموعات واتساب، تدعو إلى تحفيز تقديم التبرعات لبناء المجمع، وتهاجم وتخوّن وتشتم كلَّ من قد يعترض هذه الخطوة من أهالي صيدا الأصليين الرافضين لها. أسلوبٌ قديمٌ مكشوف، بات مدعاةً للسخرية أكثر ممّا يستدعي الاستفزاز، وهو اتهام كلّ معارضٍ بالعمالة والصهيونية والإمبريالية العالمية، وصولًا إلى حدّ القذف بالنجاسة. قد يسكت أغلب سياسيّي صيدا وقواها عن القيام بأيّ تحرّكٍ حيال هذا الأمر، لأسبابٍ عديدةٍ تتوزّع بين الخوف والانبطاح والسذاجة والغفلة، لكن الأكيد أنّ جلّهم، كما أكثرية الصيداويين، يعلمون جيّدًا في داخلهم أنّ “مجمع الزهراء” لم يكن يومًا دارَ عبادةٍ فحسب، فالكثير من أهل المدينة الذين لا يزالون أحياءً يروون الكثير من الأحداث التي جرت معهم في أقبِيته وبين غرفه المظلمة. لو كان هذا الأمر في قريةٍ مسيحيةٍ في أعالي جرود جبيل، لكان الكلام مختلفًا، لكن في صيدا، حيث لا أحد يجرؤ على قول الحقّ والحقيقة، ستسلك القضية منحًى مختلفًا، لكنه لن يختلف عمّا تشهده المدينة منذ سنين من تغييرٍ في الهوية والديموغرافيا، لا يُتطرّق إليه إلا في البيوت وعلى كراسي المقاهي.
علمت جريدة “البوست” من مصادر أهلية متابعة أن تحرّكًا جديًّا يتبلور في حيّ البرغوث، جنوب مدينة صيدا، ولا سيما في المنطقة الملاصقة لما يُعرف بـ”مجمع الزهراء”، الذي سوّاه العدوان الإسرائيلي الأخير بمعظمه بالأرض، وذلك لمنع إعادة تشييده من جديد، على خلفية الأضرار الكبيرة التي لحقت بالأهالي نتيجة وجوده في منطقة سكنية وجامعية ومدرسية مكتظّة، بما يجعل حياة آلاف المدنيين عرضةً لخطر دائم. وبحسب المعطيات، فإن سكان المنطقة يعتزمون التوجّه إلى محافظ الجنوب، وكذلك إلى القوى السياسية في المدينة، عبر عريضة جامعة موقّعة من الأهالي، للمطالبة بالضغط على الجهات المعنية، والعمل لدى قيادة حزب الله لمنع إعادة بناء المجمع في الموقع نفسه. ويستند الأهالي في تحرّكهم إلى قناعة راسخة بأن هذا المجمع لم يكن يومًا مجرّد مركز ديني للعبادة، بل شكّل، وفق توصيفهم، تجمّعًا حزبيًّا ذا طابع سياسي ومذهبي واضح، خلّف على مدى وجوده إشكالات متعدّدة مع محيطه، بسبب ما كان يرافقه من ممارسات أثارت اعتراضات واسعة في المنطقة. وفي ظل هذا الواقع، يضع الأهالي مطلبهم في إطار حقّهم الطبيعي في حماية بيوتهم وأولادهم ومحيطهم المدني من أيّ إعادة إنتاج لعناصر التهديد نفسها، رافضين أن تبقى الأحياء السكنية والمساحات التعليمية مكشوفةً على احتمالات الاستهداف والمخاطر الناتجة عن حسابات حزبية لا يدفع ثمنها إلا السكان. فهل تنجح هذه الضغوط في فرض أولوية سلامة المدنيين، ومنع عودة موقعٍ يراه الأهالي خطرًا مباشرًا على حياتهم واستقرارهم؟