لم يعد استهداف إسرائيل للمعابر على نهر الليطاني في جنوب لبنان مجرد تفصيل عسكري عابر، بل بات يحمل دلالة استراتيجية واضحة تتجاوز تدمير الحجر إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الميدانية للجنوب، وعزل بلداته ومناطقه عن بعضها بعضًا. فحين تُقصف الجسور وتُضرب الطرق الحيوية وتُقطع خطوط العبور بين النبطية ومرجعيون وصور وسائر القرى المتصلة بشبكة الليطاني، فإن الرسالة لا تتعلق فقط بمنع مرور آليات أو عناصر، بل بفرض واقع ميداني جديد يقوم على التفكيك والعزل والشلل.في المعنى العسكري المباشر، تريد إسرائيل من ضرب الجسور والمعابر خنق الحركة داخل الجنوب، وإبطاء أي قدرة على المناورة أو إعادة الانتشار أو الإمداد بين القرى والمحاور. فالجسر ليس مجرد ممر مدني، بل عقدة وصل في شبكة الحركة اليومية والعسكرية والإنسانية. وعندما يُضرب جسر فوق الليطاني أو تُقطع طريق حيوية مثل طريق الخردلي التي تربط النبطية بمرجعيون، تصبح المسافات أطول، والالتفاف أكثر صعوبة، والاستجابة الميدانية أبطأ، سواء بالنسبة إلى المقاتلين أو فرق الإسعاف أو المدنيين الفارين من القصف. لكن البعد الأخطر لا يكمن في الشق العسكري وحده، بل في الأثر الاجتماعي والإنساني، فحين تُقطع الجسور، تُفكك حياة الناس نفسها. صناعة جنوب جديدمن هنا، فإن استهداف المعابر على الليطاني لا يمكن فصله عن محاولة صناعة “جنوب مفكك” يسهل الضغط عليه عسكريًا ونفسيًا. إسرائيل لا تضرب فقط هدفًا موضعيًا، بل تسعى إلى تفكيك الترابط الجغرافي الذي يسمح للجنوب بأن يبقى متصلًا بنفسه. وهي، عبر قصف الجسور وقطع الطرق، تدفع الناس إلى الشعور بأن كل بلدة باتت وحدها، وأن الوصول إلى النجدة أو الإمداد أو حتى النزوح الآمن لم يعد مضمونًا. وهذا النوع من الاستهداف يضاعف أثر القصف نفسه، لأن الخوف لا ينتج فقط من الضربة، بل من الإحساس بأن لا طريق مفتوحًا بعدها. وزن الليطانيسياسيًا، يحمل الليطاني وزنًا خاصًا في أي حرب جنوبية، لأنه ليس مجرد نهر، بل خط ذو حمولة أمنية وسياسية قديمة في النزاع اللبناني الإسرائيلي، ومرجع حاضر في أي حديث عن الترتيبات الميدانية جنوبًا. وفي الأيام الأخيرة، ترافقت الضربات على البنية التحتية مع مؤشرات إلى أن إسرائيل تدرس عملية أوسع هدفها السيطرة على المنطقة الواقعة جنوب الليطاني وتفكيك ما تعتبره البنية العسكرية لحزب الله فيها، ما يجعل استهداف الجسور جزءًا من التمهيد الميداني لعزل هذا الحيز والتحكم به.كما أن استهداف الجسور والمعابر يندرج ضمن سياسة ضغط أشمل على الدولة اللبنانية نفسها. فحين يعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن لبنان سيدفع عبر البنية التحتية، فهذا يعني أن الرسالة ليست موجهة فقط إلى حزب الله، بل أيضًا إلى الدولة والمجتمع: إما تغيير الواقع الأمني القائم، وإما مواجهة كلفة جماعية متصاعدة. بهذا المعنى، يتحول الجسر من منشأة مدنية إلى أداة ابتزاز سياسي، ويصبح قطع الطرق وسيلة لإيصال رسالة بالقوة إلى الداخل اللبناني كله، لا إلى الجنوب وحده.قانونيًا، يثير هذا النمط من الضربات أسئلة خطيرة. فالقانون الدولي الإنساني يضع قيودًا شديدة على استهداف البنى التحتية المدنية، ولا يجيز ذلك إلا ضمن شروط ضيقة مرتبطة بالاستخدام العسكري المباشر والضرورة والتناسب. لا يعد قصف معابر الليطاني وجسوره مجرد عمل عسكري يهدف إلى تعطيل المرور، بل خطوة تحمل معنى أعمق: تفكيك الجنوب، تشتيت مجاله الحيوي، إضعاف ترابط مناطقه، ورفع الكلفة الإنسانية إلى أقصى حد. إنها حرب على الحركة بقدر ما هي حرب على الأهداف، وحرب على الجغرافيا بقدر ما هي حرب على البشر. وعندما تُقصف الجسور، لا ينقطع الطريق فقط، بل ينكسر معه الإحساس بالأمان والوصل والاستمرار، ويصبح الجنوب أكثر عرضة للعزل والإنهاك والاختناق.
تُبدي مصادر محلية متابعة استياءها من بعض المظاهر التي برزت في صيدا خلال الأيام الأخيرة، وتحديدا بعد موجات النزوح المتعاقبة التي شهدتها المدينة بسبب العدوان الإسرائيلي المتواصل، لا سيما تلك المرتبطة بالمجاهرة بالإفطار في نهار رمضان، وما يرافق ذلك من سلوكيات تعتبرها شرائح كثيرة من الأهالي غريبة عن خصوصية صيدا وتقاليدها المعروفة في هذا الشهر الفضيل. وتتوقف هذه المصادر عند ظواهر باتت تشكّل مصدر ضغط واستفزاز متكرر لعدد من أبناء المدينة، من بينها تدخين النرجيلة علنًا في وضح النهار وعلى مرأى من الصائمين من قبل النازحين تحديدا، من دون مراعاة لحرمة الشهر وحساسية الأجواء الدينية والاجتماعية التي تميّز صيدا. كذلك يسجّل كثيرون تذمرًا من فوضى الدراجات النارية التي باتت تجتاح شوارع المدينة، سواء من حيث أعدادها المتزايدة أو بسبب السلوك غير المنضبط لبعض سائقيها، بما يحوّل الشوارع إلى مساحات فوضى يومية تضغط على الناس وتضاعف شعورهم بالاختناق. في هذا السياق، شكا عدد من أهالي المدينة من رفع أصوات “الندبيات” و”اللطميات” من سيارات تجول في الشوارع بطريقة وصفوها بالمستفزة، ما يزيد من منسوب الاحتقان في بيئة تحتاج أصلًا إلى التهدئة وضبط الأعصاب. في ظل الظروف المتأزمة التي يمر بها لبنان، تبدو الحاجة ملحّة، وفق مصادر متابعة، إلى معالجات حكيمة وجذرية لهذه الممارسات، منعًا لتحولها إلى عناصر توتر متنقلة قد تنعكس سلبًا على الجميع، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى التعقل، واحترام الخصوصيات، وتفادي كل ما من شأنه إشعال حساسيات إضافية. وترى مصادر محلية أن خطورة هذه الظواهر لا تكمن فقط في بعدها السلوكي أو في مخالفتها لذوق المدينة وتقاليدها، بل في كونها، إذا تُركت من دون معالجة، قد تتحول إلى عناصر تفجير متنقلة في لحظة لبنانية شديدة الهشاشة، حيث يكفي قدر قليل من الاستفزاز وكثير من الإهمال لإشعال ما لا تُحمد عقباه. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة مسؤولة وحازمة، تضع حدًا للفوضى وتحفظ حرمة الشهر وخصوصية المدينة، بعيدًا من التهويل أو التحريض، ولكن أيضًا بعيدًا من التساهل الذي قد يفتح الباب أمام مزيد من التوترات غير المحسوبة. يبدو، كما يؤكد مصدر صيداوي مخضّرم “لفهم حقيقة ما نراه ونعيشه، لا بد من فّك الشيفرة التي تربط بين الشيّعة والنرجيلة والموتوسيكلات، علنّا نفهم…”