بينَ مُتداوِلٍ يابانيٍّ وحاكمِ مصرفٍ لبنانيّ: معادلاتٌ تصنعُ الثروة… أو الانهيار. في الاقتصادِ كما في الفيزياء، الأرقامُ لا تكذب. لكنّها أحيانًا تروي قصّتَين متناقضتَين تمامًا: قصّةُ نجاحٍ فرديٍّ مبنيٍّ على الانضباط، وقصّةُ انهيارٍ وطنيٍّ مبنيٍّ على سياساتٍ قصيرةِ النظر لمثالان اليابانيّ واللبنانيّ يكشفان هذه الهوّة بشكلٍ صارخ: شابٌّ بدأ من غرفةِ نومه في طوكيو برأسمالٍ متواضع، وحاكمُ مصرفٍ مركزيّ جلسَ في مكتبٍ يُطلّ على البحر لعقود. النتيجة؟ الأوّل صنع ثروةً شخصيّة تجاوزت 153 مليون دولار، والثاني تركَ اقتصادًا يترنّح بخسائرَ تفوق 70 مليار دولار. صبرٌ في غرفةِ النوم في أواخرِ التسعينيّات، بدأ تاكاشي كوتيغاوا، المعروف بلقب BNF، التداولَ بمبلغٍ لم يتجاوز 13,600 دولار. لم يرثْ ثروةً، ولم يدخلْ إلى السوق بخطّةٍ سريّة. ما امتلكه كان مزيجًا من الانضباط والجرأة. اعتمد على التداولِ اليوميّ في الأسهم عالية السيولة، مع إدارةٍ صارمةٍ للمخاطر. ذروةُ نجاحه جاءت عام 2005 في صفقة J-Com الشهيرة: خطأ إداريّ من بنك ميزوهو أدّى إلى عرض 610,000 سهمٍ بسعر ينٍّ واحدٍ للسهم. في ساعاتٍ قليلة، حوّل كوتيغاوا هذا الخطأ إلى ربحٍ قَدْرُه 17 مليون دولار. لكن ما يميّز قصّتَه أنّ الأرباح لم تكن وليدة صفقةٍ واحدة، بل ثمرةً تراكميّة لثمانيةِ أعوامٍ من الانضباط. تدريجيًّا، تضاعف رأسمالُه حتى بلغ نحو 153 مليون دولار، ليُصبح من أبرز المتداولين الأفراد في اليابان. مدينة تستحق أن تكون مركزًا معرفيًا متطورًا.. تحوّلت إلى حي فقير رقميًا هندساتٌ ماليّة في غرفةِ الأزمات رياض سلامة، حاكمُ مصرف لبنان منذ عام 1993 حتى 2023، كان وجهًا آخر للقصة. بدأ ولايتَه في بلدٍ يصفه الاقتصاديّون آنذاك بـ”سويسرا الشرق”، باحتياطاتٍ وقطاعٍ مصرفيّ قويّ. لكنّه على مدى العقود التالية ابتكر سياسة “الهندسات الماليّة” التي اعتمدت على اجتذاب الودائع بالدولار بفوائد مرتفعة، لتمويلِ العجزِ الماليّ المتزايد. النتيجةُ كانت أشبهَ بهرمٍ ماليّ ضخم: استدامة قصيرة الأجل، وانهيار حتميّ على المدى الطويل. بحلول 2019، ومع انسداد تدفّق الرساميل وتراجع الثقة، انهار النموذجُ بكامله. الرياضيات بلا مشاعر الليرة اللبنانيّة فقدت 98% من قيمتها. الناتجُ المحليّ تقلّص من 55 مليار دولار عام 2018 إلى نحو 20 مليارًا فقط. نسبةُ الفقر ارتفعت إلى ما يفوق 80% من السكّان. احتياطاتُ مصرف لبنان تبخّرت من أكثر من 40 مليار دولار إلى أقلّ من 10 مليارات. الياباني: +153 مليون دولار في 8 أعوام. اللبناني: –70 مليار دولار ودائع في أقلّ من عقد. الياباني: بنى ثروةً في غرفةِ نومه، تحت ضوء شاشة الكمبيوتر. اللبناني: فكّك اقتصادَ بلدٍ من مكتبٍ رسميّ، وتحت غطاء “السياسات العامّة”. المفارقة التاريخيّة ما بين قصّتَي كوتيغاوا وسلامة، يظهر بوضوح أنّ النجاحَ الاقتصاديّ لا يحتاج بالضرورة إلى مؤسّساتٍ عملاقة، بل إلى قواعد بسيطة: الانضباط، الشفافيّة، والمخاطرة المحسوبة. على النقيض، السياساتُ التي تغيب عنها الشفافيّة وتفتقد الرؤية طويلة المدى قادرة على تقويض مؤسّساتٍ ودُوَل. المفارقةُ الأشدّ سخريةً، أنّ كوتيغاوا خرج من غرفة نومه إلى الحرّيّة الماليّة، بينما خرج رياض سلامة مؤخرًا من السجن بكفالةٍ ماليّة. الأولى تُدرَّس في كتب الاستثمار، والثانية تُسجَّل في أرشيف الأزمات الماليّة الكبرى في القرن الحادي والعشرين. السؤالُ الذي يفرض نفسه: لو كان لدى لبنان "BNF" واحد بعقليّةٍ منضبطةٍ في مصرفه المركزيّ، هل كنّا اليوم نتحدّث عن قصّة نهوضٍ اقتصاديّ بدلاً من انهيارٍ تاريخيّ؟
في خطوةٍ تحمل الكثيرَ من الدلالات في الشكل والمضمون والتوقيت، وتهدف إلى إعادة الدفء للعلاقات الاقتصاديّة بين المملكة العربيّة السعوديّة ولبنان، تمَّ الإعلانُ عن إعادة تشكيل مجلس الأعمال السعودي–اللبناني، وهي خطوةٌ لاقت ترحيبًا واسعًا من الأوساط الاقتصاديّة في كلا البلدين، واعتبرها كثيرون دفعةً جديدةً لمسار التعاون المشترك. تأتي هذه الخطوة لتُعيد تفعيل إطارٍ حيويٍّ للعلاقات التجاريّة بين البلدين، خاصّةً وأنّ الجانب السعودي من المجلس لم يكن مُفعَّلًا منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، ممّا يُضفي على هذه المبادرة أهمّيّةً استثنائيّة ويعكس رغبةً جادّةً في طيّ صفحة الجمود التي سادت خلال السنوات الماضية. خلفيّة تاريخيّةتعود فكرةُ إنشاء مجلس أعمالٍ مشترك إلى عام 2001، حيث تمَّ التوقيعُ بالأحرف الأولى على مذكرةِ تفاهمٍ بهذا الخصوص. وقد تبلورت الفكرة بشكلٍ رسمي في عام 2012 مع تشكيل المجلس على هامش ملتقى اقتصادي في بيروت. وعلى الرغم من ذلك، واجه المجلسُ تحدّياتٍ كبيرة حالت دون تمكُّنه من لعب دوره بفعاليّة، أبرزها الأزمات السياسيّة المتعاقبة في لبنان، وجائحة كورونا، وما نتج عنها من فتورٍ في العلاقات مع دول الخليج. شهد عام 2017 محاولةً جادّةً لإعادة إحياء المجلس، حيث عُقد أوّل اجتماعٍ له في غرفة بيروت برئاسة رؤوف أبو زكي، وتمَّ تشكيل لجانٍ متخصّصة للتجارة والاستثمار. إلّا أنّ تلك الجهود لم تكتمل، وبقي الجانب السعودي من المجلس غير مُفعَّل لأكثر من عقد، ممّا جعل من إعادة تشكيله اليوم حدثًا مفصليًّا. قيادة جديدة لمرحلة واعدةاليوم تمَّ تأليفُ تشكيلةٍ جديدةٍ للمجلس، تضمُّ نخبةً من الشخصيّات الاقتصاديّة والدبلوماسيّة البارزة في المملكة، ما اعتُبر أنّه مؤشرٌ سيساهم في تنشيط الاستثمارات المشتركة وتعزيز جسور التعاون بين رجال الأعمال في البلدين، وذلك بالتكامل مع اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان. وقد تمَّ انتخاب القيادة الجديدة على النحو التالي: (رئيس المجلس) عبدالله بن إبراهيم الحبيب (مصرفي معروف) (نائب الرئيس) السفير السابق علي عواض عسيري (أحد أبرز الدبلوماسيّين السعوديين) (نائب الرئيس) مطلق بن حمد المرشد (صناعي معروف) تصحيح المسار وتفعيل التعاون في تصريحٍ لـصحيفة “البوست” عن الموضوع، علّق رئيس مجلس التنفيذيّين اللبنانيّين، ربيع الأمين، على هذه الخطوة قائلًا: “إنّها بدايةٌ ممتازةٌ لصياغة علاقات لبنانيّة–سعوديّة سليمة، وتحديدًا على الصعيد الاقتصادي وعلاقات القطاع الخاص، وهو ما افتقدناه خلال السنوات الماضية التي وصلت فيها العلاقات إلى حدّ الجمود”. وأوضح أنّ “إعادة تفعيل الجانب السعودي من المجلس بعد توقّفٍ دام أكثر من عشر سنوات هي خطوةٌ جوهريّة لإعادة مسار العلاقات إلى طبيعته”. ودعا الجانبَ اللبناني، ممثَّلًا باتحاد الغرف اللبنانيّة، إلى “ملاقاة هذه المبادرة الإيجابيّة عبر الإسراع في انتخاب مجلسٍ جديدٍ من جانبه لتكتمل الصورة”. وأكّد الأمين أنّ مجلس التنفيذيّين اللبنانيّين سيتعاون بشكلٍ كاملٍ مع الجميع لإرساء علاقاتٍ اقتصاديّةٍ سليمةٍ ومستدامة بين البلدين. وحول الآليّات المستقبليّة، أشار إلى أنّ “وضع آليّات واضحة لتفعيل العلاقات التجاريّة ومساعدة المستثمرين سيكون بلا شكّ على رأس جدول أعمال المجلس الجديد”. تفتح هذه الخطوة البابَ أمام مرحلةٍ جديدةٍ من الشراكة الواعدة، وتُنعش الآمال في أن يشهد المستقبلُ القريب تعاونًا اقتصاديًّا أوسع يخدم المصالحَ المشتركة للبلدين الشقيقين، ويُعيد إلى الأذهان الدور التاريخي الذي لعبته المملكة في دعم استقرار وازدهار لبنان منذ استقلاله.
يُشكّل قانون الإيجارات غير السكنية الجديد الإطار التشريعي الذي ينظّم عقود إيجار الأماكن ذات الاستخدام التجاري أو المهني في لبنان، من محال ومكاتب ومؤسسات. وقد جاء هذا القانون ليضع قواعد واضحة لتحديد بدلات الإيجار ورفعها تدريجيًا، مع اعتماد آلية قضائية وخبرات تخمينية للفصل في النزاعات. يقوم القانون على مبدأ “بدل المِثل”، أي القيمة الإيجارية السنوية العادلة للعقار، والتي يحددها خبير محلّف آخذًا في الاعتبار الموقع والمساحة والحالة العامة للعقار وظروف السوق. هذا المعيار بات المرجع الأساسي لتسعير الإيجارات بعد سنوات من الجدل حول البدلات القديمة. المسار التشريعي مرّ القانون بمراحل متسارعة حتى استقر بصيغته النهائية: 12 حزيران/يونيو 2025: دخول القانون رقم 11/2025 حيّز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية. 22 تموز/يوليو 2025: ردّ المجلس الدستوري الطعن المقدم، مكتفيًا بإبطال الفقرة “د” من المادة 10. 31 تموز/يوليو 2025: إقرار تعديلات نيابية أُعلنت رسميًا في 21 آب/أغسطس بموجب القانون رقم 24/2025. وبهذه المراحل، تكرّس الإطار التشريعي الجديد الذي ينهي تدريجيًا عقود الإيجار “القديمة” وفق قواعد ملزمة. أبرز التعديلات خفض معيار الاحتساب: حُدِّد بدل المثل بما يعادل نحو 5% من القيمة السوقية السنوية للعقار، بعدما كان أعلى في الصيغة الأولى. إلغاء التحرير السريع: أُسقط الخيار الذي يتيح للمالك تحرير المأجور فورًا مقابل تجميد البدل لعامين، واستُبدل بمسار تدريجي إلزامي. مرحلة انتقالية أطول: تمتد بين 5 و8 سنوات بحسب الفئات، مع زيادات مرحلية محددة بجدول واضح. تصنيف المستأجرين قسّم القانون المستأجرين إلى أربع فئات، تختلف مدد حمايتهم ومراحل زياداتهم: الفئة الوصف مدة التمديد مسار الزيادات (من بدل المثل)1 من دون دفع “خلو” 5 سنوات 30%، 40%، 50% ثم البدل الكامل2 دفعوا “خلو” قبل 2015 6 سنوات 30%، 40%، 50% ثم البدل الكامل3 دفعوا “خلو” بعد 2015 7 سنوات 30%، 40%، 50%، 60% ثم البدل الكامل4 إدارات عامة ومهن منظَّمة 8 سنوات 30%، 40%، 50%، 60% ثم البدل الكامل أحدث القانون انقسامًا بين المالكين والمستأجرين: المالكون اعتبروا أن القانون أنصفهم بعد عقود من بدلات زهيدة لا تغطي حتى تكاليف الصيانة والضرائب. ورأوا أن “بدل المثل” معيار عادل، والمرحلة الانتقالية ضمانة عملية للتوازن. المستأجرون أبدوا تخوفهم من أن تشكّل الزيادات عبئًا على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، خصوصًا في الأسواق الشعبية. وطالبوا بدعم حكومي ورسوم مخففة وتسهيلات لتجنب الإقفال. يسعى القانون إلى تحقيق توازن بين حق المالك في عائد عادل وحق المستأجر في استمرارية عمله. ويتحقق ذلك عبر: اعتماد بدل المثل وفق خبرة قضائية شفافة. احترام المهل الانتقالية (5–8 سنوات) وجدولة الزيادات دون قفزات مفاجئة. تشجيع الاتفاقات الرضائية لتجنب النزاعات القضائية. بهذا، يُفترض أن يمهّد القانون لانتقال تدريجي من بدلات تاريخية متدنية إلى أخرى أقرب إلى القيمة السوقية، بما يحفظ استمرارية المؤسسات ويعزز عدالة السوق العقارية في لبنان.