يوماً بعد يومٍ يسري على بلدية صيدا تكريسُ المثل القائل إن «دود الخلّ منّو وفيه»، وإن اتخذت ترجمةُ ذلك أشكالاً مختلفة، بين صدامٍ مباشرٍ أو نفاقٍ دفينٍ أو تزلّفٍ رخيصٍ أو «هوبرات» مكشوفة. يكثر الحديث في المدينة هذه الفترة، سرّاً وعلانيةً، عن اصطفافاتٍ ولقاءاتٍ و«نراجيل» بنكهاتٍ رمضانيةٍ تُكرّس فكرة تفجير المجلس البلدي من الداخل عبر «الانقلاب» على رئيسه الحالي، من دون أن يتمّ الاتفاق بشكلٍ نهائي حول كيفية حصول ذلك والآلية القانونية الكفيلة بتحقيقه. وعلمت «البوست» أنّ مساعيَ حثيثةً يقوم بها أعضاءٌ، معروفون لمصطفى حجازي كما لدى أغلب الصيداويين، في صالونات قوى سياسيةٍ واجتماعيةٍ صيداويةٍ فاعلةٍ لتمرير هذا الموضوع، إلا أنّ العقبة الأساسية تبقى موضوع الانتخابات النيابية وترشّح البعض من عدمه وتوقيتها وتداعيات هذا الأمر على حسابات الناخبين والصناديق. وبحسب مصدرٍ محليٍّ متابعٍ، فإن حجازي ليس بغافلٍ عمّا يُحاك من حوله أو من وراء ظهره، وهو وإن بدا ضعيفاً في الأداء والممارسة، فإنه كما يؤكّد عارفون لن يُسلّم الكرسي على طبقٍ من فضّةٍ لأحد، وإن عانى الأمرَّين منذ جلوسه عليها، لكنها تبقى «الكرسي» التي لم يكن يوماً يتوقّع التربّع عليها، لولا ظروف الغفلة.
توقّفت مصادر محليّة مخضرمة عند الحركة «الزئبقيّة» التي يقوم بها أحد «الطامحين المستجدّين» لمنصبٍ لم يُعرف بعد بلدياً هو أم نيابيًّا في صيدا، مستغربةً قدرته على التنقّل بين مختلف القوى والأطراف السياسيّة، رغم تناقضاتها الصارخة. فتراه في قاعة التحشيد الحريريّة لذكرى 14 شباط، ثمّ يجالِس أسامة سعد في «عشاء التنظيم» في اليوم التالي، أو يتقبّل التعازي في مجلس عزاء لحزب الله في حارة صيدا. واعتبرت المصادر أنّ هذه الحركة، وإن بدت في ظاهرها محاولةً لتكريس صفة الانفتاح على جميع أقطاب المدينة على طريقة «أبو ملحم»، إلّا أنّها في جوهرها لا تبني تموضعًا سياسيًا واضحًا يحتاجه الناس اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، لا سيّما مع اشتداد الاصطفافات قبيل المعارك الانتخابيّة المفصليّة. وترى أوساط متابعة أنّ «المرشّح الزئبقي» يراهن على ضبابيّة المشهد الصيداوي وتعب الناخبين من الاستقطاب الحادّ، محاولًا الظهور بصورة «مرشّح الجميع» القادر على مخاطبة البيئات المتباعدة من دون أن يصطدم بأيٍّ منها. غير أنّ هذا الأسلوب، وإن وفّر حضورًا سريعًا على الساحة، يطرح في المقابل تساؤلات جدّية حول القدرة على اتخاذ مواقف حاسمة عند لحظة القرار، وحول طبيعة الخيارات الفعليّة التي سيلتزم بها إذا ما وصل إلى موقع المسؤولية. وبين من يرى في هذه المقاربة ذكاءً انتخابيًا يسبق الاصطفافات، ومن يعتبرها افتقارًا إلى الهوية السياسيّة الواضحة، يبقى السؤال: هل ينجح المرشّح الزئبقي في تحويل حضوره المتنقّل إلى رصيدٍ انتخابي فعلي، أم أنّ الضباب الذي يتلطى به سيتبدّد مع أول اختبار جدّي؟
تترقّب أوساطٌ صيداويةٌ متابعةٌ القرارَ الإداريَّ الذي من المرتقب أن يتّخذه محافظُ الجنوب منصور ضو بحقّ أحدِ أعضاءِ المجلسِ البلدي، ممّن صدرت بموجبهم مذكّرةُ جلب، على اعتبار أنّ القانون يفرض موافقةَ المحافظ على تنفيذ ذلك. وكانت معلوماتٌ قد تردّدت عن صدور مذكّرةِ التوقيف بحقّ العضو منذ أيّام، لكنّ تواجدَ المحافظ خارج البلاد بداعي السفر حال دون استكمال الإجراءات، علمًا أنّ محاولاتٍ كثيرةً جرت خلف الأضواء لاحتواء الموضوع. غير أنّ الجوّ العام يوحي بأنّ التوقيف سيحصل، وقد يُصار إلى اعتماده «كبشَ فداء» لإقفال الملف. وعلمت «البوست» أنّ أعضاءَ المجلس البلدي منقسمون فيما بينهم حيال ردّةِ الفعل الواجب اتّخاذها في حال حصول التوقيف؛ فمنهم من يدعو إلى التصعيد، ومنهم من يفضّل ترك الموضوع للقضاء والتحقيقات، وهو موقف «الرئيس الحالي» الذي اعتبر أنّه «نفض» يده من الموضوع، لأسبابٍ لا تزال مبهمة. فهل نكون أمام سابقة توقيف عضو مجلس بلدي، أمر لم تعهده صيدا من قبل؟