في لبنان، لا يموت الرجال حين يُغتالون. يموتون حين تُهزم أفكارهم. ولهذا، بعد أكثر من عقدين على اغتيال رفيق الحريري، يبدو السؤال اللبناني الكبير اليوم: هل سقط مشروع الحريري مع الانهيار، أم أنّ الانهيار نفسه هو الدليل على الحاجة إلى عودته؟ منذ اتفاق الطائف، لم يكن مشروع الرئيس الحريري مجرد خطة لإعادة إعمار وسط بيروت، ولا مجرد ورشة اقتصادية ضخمة. كان مشروعاً كاملاً لإعادة إنتاج الدولة اللبنانية بعد الحرب: دولة عربية، منفتحة، مؤسساتية، مرتبطة بالعالم، وقادرة على تحويل الجغرافيا اللبنانية الصغيرة إلى مركز مالي وتعليمي وخدماتي في الشرق الأوسط. لكن ما جرى بعد عام 2005 لم يكن فقط اغتيال رجل. كان اغتيال فكرة الدولة نفسها. التسوية التي أنقذت لبنان ولم تُطبّق حين دخل اتفاق الطائف حيّز التنفيذ، كان يفترض أن ينقل لبنان من منطق الميليشيا إلى منطق الدولة، ومن شرعية السلاح إلى شرعية المؤسسات. وقد تمسّك تيار “المستقبل” تاريخياً باعتبار الطائف مرجعية نهائية للنظام اللبناني، ورفض أي محاولة للانقلاب عليه. فهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري باكراً أنّ إعادة بناء الحجر بلا إعادة بناء الشرعية السياسية لن تكفي. لذلك بنى مشروعه على ثلاثة أعمدة: تثبيت العيش المشترك. حماية الاقتصاد الحر. إعادة وصل لبنان بالعالم العربي والمجتمع الدولي. لم يكن الرجل زعيماً شعبوياً. كان رجل دولة يفكر بمنطق الاستثمارات، الجامعات، البنى التحتية، والمطار والمرفأ والاتصالات. كان يريد لبنان منصة لا ساحة، دولة لا صندوق بريد للحروب الإقليمية. skip render: ucaddon_material_block_quote بعد اغتياله والانسحاب السوري عام 2005، دخل لبنان مرحلة اختلال عميق في التوازن الوطني. الدولة بقيت نظرياً تحت سقف الطائف، لكن السلطة الفعلية انتقلت تدريجياً إلى منطق الدويلة والسلاح وتعطيل المؤسسات. ومع الوقت، صار هناك اقتصاد بلا دولة، ومصارف بلا سيادة، وحكومات بلا قرار. ثم جاءت التسويات المتتالية التي أرهقت جمهور الاعتدال. جمهورٌ كان يريد دولة طبيعية، فيما الواقع كان يدفع أكثر فأكثر نحو منطق المحاور. حتى داخل البيئة الحريرية نفسها، بدأت الأسئلة المؤلمة: هل خسر رفيق الحريري لأن مشروعه كان أكبر من لبنان؟ أم لأن لبنان محكوم بجغرافيا شديدة التعقيد؟ لكن الحقيقة الأوضح اليوم أنّ الانهيار أثبت شيئاً واحداً: كل البدائل التي قُدّمت عن مشروع الدولة سقطت. سقطت شعارات “الاقتصاد المقاوم”، وسقطت نظريات العزلة عن العرب، وسقطت فكرة أنّ لبنان يستطيع العيش خارج النظام المالي العالمي. والنتيجة كانت بلداً مفلساً، معزولاً، مدمّراً، يهاجر شبابه ويقف أهله على أبواب المصارف والأفران والسفارات. لبنان بعد الانهيار: هل تأخّرنا كثيرًا عن مشروع الحريري؟ لماذا يعود اسم الحريري اليوم؟ لأن اللبنانيين، بعد الجوع والانهيار، عادوا لاكتشاف الفرق بين دولة فيها مشاكل… ولا دولة على الإطلاق. في السنوات الأخيرة، عاد خطاب تيار “المستقبل” ليركّز على مفاهيم الدولة والاعتدال وإعادة الإعمار والهوية العربية للبنان. وقد أكّد الرئيس سعد الحريري في أكثر من مناسبة أنّ “تيار المستقبل” سيبقى “تيار الدولة والمؤسسات والاعتدال وإعادة الإعمار”. ولعل المفارقة أنّ المنطقة نفسها تغيّرت. فبعد سنوات من الحروب والانقسامات، عاد الشرق الأوسط إلى لغة الاقتصاد والاستقرار والاستثمارات. الخليج يبني مشاريع ما بعد النفط، فالسعودية تتحول إلى قوة اقتصادية عالمية، والإمارات تتحول لمركز (hub) مشاريع الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، وسوريا تدخل مرحلة إعادة ترتيب كبرى، فيما لبنان لا يزال غارقاً في حروب الماضي. هنا تحديداً يعود سؤال الحريرية السياسية: هل يستطيع لبنان أن يعيش خارج منطق الدولة الحديثة؟ skip render: ucaddon_box_testimonial
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial بعد مرحلة اقتصرت فيها الروبوتات على دور الدعم والإسناد، باتت العقيدة العسكرية الإسرائيلية تتجه نحو بناء منظومة قتالية متكاملة، تعتمد بصورة متصاعدة على المركبات غير المأهولة والأنظمة ذاتية التشغيل، بهدف استراتيجي مزدوج: الحدّ من الخسائر البشرية، وتعزيز القدرة التشغيلية في بيئات القتال عالية الخطورة. غير أن هذا التحول لا يقتصر على استحداث تقنيات جديدة من الصفر، بل يمتد ليشمل إعادة توظيف المنظومات العسكرية التقليدية وتحويلها إلى أصول قتالية من الجيل القادم. ففي نموذج يكشف عمق هذه الرؤية، جرى تحويل ناقلات جند مدرعة من طراز M-113 إلى منصات روبوتية غير مأهولة متعددة المهام، في مقاربة تعكس توجهاً راسخاً نحو استثمار الأصول القائمة وإدماجها في بنية الحرب الحديثة. وقد كشفت الحرب الدائرة عن اختلالات جوهرية دفعت المؤسسة العسكرية إلى مراجعة شاملة لمفهوم العمليات الروبوتية، بعد أن ظلت هذه القدرات حكراً على الوحدات الخاصة والمهام النوعية. فقد أثبتت التجارب الميدانية في آنٍ واحد قيمة هذه التكنولوجيا وحدودها، مما رسّخ القناعة بضرورة تطوير أنظمة أكثر تطوراً وأعلى استقلالية، قادرة على تخفيف العبء والمخاطر عن كاهل المقاتلين في البيئات المركّبة. في هذا الإطار، أقدمت القيادة العسكرية على خطوات تنظيمية تعكس حجم الرهان على هذا المسار، فأنشأت أطراً مؤسسية متخصصة لتطوير المنظومات الروبوتية وتشغيلها، مستندةً إلى الدروس المستخلصة من المعارك الأخيرة. يعكس هذا التحول قناعة متجذّرة داخل المؤسسة الأمنية مفادها أن حصة متنامية من مهام المستقبل القتالي ستنتقل تدريجياً من العنصر البشري إلى الأنظمة التي تعمل ذاتياً أو عبر التحكم عن بُعد. وقد شهدت العمليات العسكرية الأخيرة نشراً واسع النطاق للمنصات الروبوتية عبر مختلف البيئات التشغيلية، جواً وبحراً وبراً وصولاً إلى شبكات الأنفاق، حيث أدّت مهام متنوعة تراوحت بين الإسناد اللوجستي والاستطلاع وفتح الطرق وإزالة العوائق في المناطق شديدة الخطورة. ومن أبرز ما يجري تطويره: أنظمة تتيح تحويل المدرعات التقليدية إلى منصات قتالية يُديرها المشغّل عن بُعد، مما يُمكّن من تنفيذ مهام بالغة الحساسية كنقل المتفجرات أو اختراق مناطق الاشتباك، دون تعريض الأرواح لخطر مباشر. كذلك شهدت ميادين القتال توظيف جرافات روبوتية ثقيلة تعمل في المناطق المزروعة بالعبوات الناسفة والألغام، مما يمنح القوات البرية هامشاً أوسع من الأمان لدى التقدم في البيئات المعقدة. ولا يمكن فصل هذا التحول عن الأثر العميق الذي تركته الحرب في أوكرانيا على التفكير العسكري العالمي. فقد أثبتت تلك الحرب بصورة قاطعة أن الأنظمة غير المأهولة تجاوزت دور الأداة المساندة لتصبح عنصراً محورياً في إدارة المعارك الحديثة؛ إذ أثبتت الطائرات المسيّرة والمنصات الروبوتية قدرتها على تنفيذ آلاف المهام الميدانية بكفاءة مبهرة، مما رسّخ لدى كبرى الجيوش اليقين بأن حروب الغد ستُبنى حول التكامل العضوي بين الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل. مع تسارع هذا المسار وتعمّقه، تجد الجيوش الحديثة نفسها على عتبة مرحلة جديدة كلياً من تطور فن الحرب؛ مرحلة لم يعد فيها السؤال عن إمكانية دخول الروبوتات إلى ميدان المعركة، بل عن حجم الدور الذي ستنهض به في تحديد مصائر الصراعات المقبلة، والحدود الفاصلة بين القرار البشري والخوارزمية في إدارة الحرب.
في الوقت الذي يئنّ فيه الصيداويون تحت ضغوط الحرب المندلعة، وآثار النزوح المميتة، والمتغيّرات والتحديات الجسام التي تعصف بمدينتهم، والزبالة التي تجتاح شوارعها وأزقّتها كما نفوس البعض. وفي زمنٍ تقف فيه آليات جيش العدو الصهيوني على تخوم صيدا متربّصة. وبين ترقّبٍ موتور لبيانٍ قد يصدر في أي وقت، يدعو فيه أبناء المدينة إلى النزوح، لم يجد رئيس البلدية ضيرًا في أن يترك كل هذا وراءه ويسافر إلى تركيا لبضعة أيام، مستفيدًا من دعوة مدفوعة التكاليف سلفًا. وكأنه يعيش في عالمٍ لا يشبه عالمنا. وكأنه رئيس بلدية «لا لا لاند»، لا رئيس بلدية صيدا. ليس كل ما تقدّم ما قد يؤشّر إلى حصول فالجٍ محتمل؛ فالجلطة الكبرى ستكون في الملهاة التراجيدية حين تعلم أنّ حجازي سيسافر ليشارك في ملتقى بعنوان: «صفر نفايات» Zero Waste Forum 2026. نعم، سيشارك «الريس» الأتراك، كما العالم، تجربته العظيمة في تحويل صيدا إلى صفر، وليس إلى صفر نفايات، وذلك في أقل من عام، بعدما غزت الأوساخ والقوارض شوارع المدينة وشواطئها، وانتشرت العشوائيات ومستوعبات الموت في الزوايا وعلى الطرقات، وفرّخت جبال النفايات كما تبيض الدجاج يوميًا. تحتار كيف سيدخل عليهم، وبماذا سيخبرهم. لو كانوا يعلمون، لما كانت آذانهم صاغية، بل كانت في أيديهم حبّات البندورة ترحيبًا.