ليست كل المعارك التي تخوضها الدول تدور على خطوط النار. بعضها يبدأ داخل النصوص القانونية، وينتهي بإعادة تعريف معنى الدولة نفسها. في لحظة تستعد فيها الولايات المتحدة للاحتفال بمرور مئتين وخمسين عامًا على إعلان استقلالها، يجد الكونغرس نفسه أمام مفارقة تاريخية لافتة. فبينما يحتفي الأميركيون بالثورة التي قامت ضد الوصاية الخارجية، يناقش المشرعون مادة قانونية يرى منتقدوها أنها قد تؤسس، لأول مرة، لاندماج مؤسسي دائم بين القدرات العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية للولايات المتحدة وإسرائيل. فلسفة قيام الجمهورية إنها المادة 219 من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027 (NDAA)، التي تحولت من بند تشريعي إلى قضية تمس الفلسفة التي قامت عليها الجمهورية الأميركية. فالخلاف هنا لا يدور حول إسرائيل، ولا حول حجم الدعم الذي تقدمه واشنطن لحليفها الأقرب في الشرق الأوسط، بل حول سؤال أكثر خطورة: هل يمكن لأمة أن تبقى صاحبة سيادة كاملة إذا أصبحت مؤسساتها الأمنية والعسكرية جزءًا من منظومة اندماج دائم مع دولة أخرى؟ هذا السؤال لم يطرحه خصوم إسرائيل فحسب، بل شخصيات أميركية خدمت في أعلى مستويات الدولة، وفي مقدمتهم عضو الكونغرس السابق والمرشح الرئاسي السابق دينيس كوسينيتش، الذي يرى أن المادة المقترحة تتجاوز حدود التعاون العسكري المشروع، لتدخل منطقة جديدة لم يعرفها الدستور الأميركي من قبل. skip render: ucaddon_material_block_quote التحالف… بنية دائمة العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية ليست جديدة، بل تُعد من أكثر التحالفات رسوخًا في العالم. فمنذ عقود تتبادل الدولتان المعلومات الاستخباراتية، وتنسقان في مجالات الدفاع الصاروخي، وتنفذان تدريبات عسكرية مشتركة، وتطوران تقنيات دفاعية متقدمة. لكن المادة الجديدة، بحسب منتقديها، لا تتحدث عن تعاون، بل عن تكامل. وهنا يكمن الفارق الجوهري. فالتعاون يعني أن يحتفظ كل طرف باستقلال قراره السياسي والعسكري، بينما يعني التكامل إنشاء هياكل دائمة للتخطيط، وتطوير القدرات، وتبادل التكنولوجيا، وربما رسم الأولويات الاستراتيجية بصورة تجعل الفصل بين قرار واشنطن وقرار تل أبيب أكثر صعوبة مع مرور الوقت. في العلوم السياسية، لا تفقد الدول سيادتها فجأة، بل تبدأ بالتنازل عن أجزاء صغيرة من استقلال القرار، حتى يصبح الاعتماد المتبادل واقعًا يصعب الفكاك منه. ولهذا يرى المعارضون أن أخطر ما في المادة 219 ليس نصوصها وحدها، بل ما يمكن أن تؤسس له مستقبلًا. في مواجهة الجغرافيا السياسية لم يكتب الآباء المؤسسون الدستور الأميركي في زمن الهدوء، بل بعد ثورة قامت أساسًا رفضًا لهيمنة سلطة خارجية على القرار الوطني. ولذلك حرصوا على توزيع صلاحيات الحرب بين الرئيس والكونغرس، حتى لا تستطيع أي جهة احتكار قرار استخدام القوة العسكرية. من هنا، فإن أي إطار دائم يربط المؤسسات العسكرية الأميركية بمؤسسات دولة أجنبية يثير، من الناحية الدستورية، أسئلة معقدة لم تكن مطروحة سابقًا. فهل يستطيع الكونغرس، عبر قانون موازنة الدفاع، أن ينشئ التزامات استراتيجية تعادل في آثارها معاهدة دولية من دون المرور بالإجراءات الدستورية التي تشترط موافقة ثلثي مجلس الشيوخ؟ وهل يصبح من الممكن، مع مرور الزمن، أن تتأثر القرارات العسكرية الأميركية باعتبارات لا تخضع مباشرة للمحاسبة أمام الناخب الأميركي؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت جزءًا من النقاش القانوني والسياسي داخل واشنطن. شبح جورج واشنطن من اللافت أن يعود اسم جورج واشنطن إلى الواجهة بعد قرنين ونصف قرن من وفاته. ففي خطابه الوداعي الشهير، حذّر أول رئيس أميركي من الارتباطات الخارجية الدائمة التي قد تجعل الولايات المتحدة طرفًا في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة. لم يكن يدعو إلى الانعزال، بل إلى استقلال القرار. اليوم، يستحضر معارضو المادة 219 هذا التحذير، معتبرين أن العالم تغير، لكن منطق الدولة لم يتغير. فكل اندماج مؤسسي عميق يزيد احتمال أن تتحول أزمات الحلفاء إلى التزامات أميركية تلقائية، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا في البداية. وقد جاءت المواجهات الأخيرة في الشرق الأوسط، والتوترات مع إيران، لتعيد هذا النقاش إلى الواجهة بقوة، بعدما بدا أن أي تصعيد إقليمي بات يحمل في داخله احتمال الانخراط الأميركي المباشر. الأمن أم النفوذ؟ لا شك في أن أنصار المادة يمتلكون حججًا قوية. فهم يرون أن البيئة الدولية لم تعد تسمح بتحالفات تقليدية، وأن مواجهة القوى الكبرى، والحروب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي العسكري، تتطلب مستويات غير مسبوقة من التكامل بين الحلفاء. ويعتبرون أن إسرائيل ليست مجرد شريك عسكري، بل مختبر متقدم للتكنولوجيا الدفاعية والاستخباراتية، وأن تعميق التعاون يخدم الأمن القومي الأميركي قبل أي طرف آخر. لكن المعارضين يردون بأن المشكلة ليست في إسرائيل تحديدًا، بل في المبدأ ذاته. فإذا أصبح من المقبول دمج المؤسسات العسكرية مع دولة واحدة، فما الذي يمنع تكرار النموذج مع دول أخرى مستقبلًا؟ وهل يبقى القرار العسكري قرارًا وطنيًا خالصًا، أم يتحول تدريجيًا إلى نتاج شبكة معقدة من المصالح والتحالفات العابرة للحدود؟ أحد أهم مبادئ الديمقراطية أن يعرف المواطن من يحاسب. لكن عندما تتوزع عملية صنع القرار بين لجان مشتركة، ومراكز تخطيط متعددة، وشبكات استخبارات متداخلة، تصبح المسؤولية أكثر ضبابية. وحين تضيع المسؤولية، تضعف المحاسبة. وحين تضعف المحاسبة، تبدأ الديمقراطية بفقدان أحد أهم عناصرها. لهذا يرى منتقدو المادة أن القضية ليست قانونية فحسب، بل تمس جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها. ما وراء النص قد يمر هذا المشروع، وقد يسقط تحت ضغط الجدل السياسي والدستوري. لكن القيمة الحقيقية لهذا النقاش تكمن في أنه يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل تستطيع الدول الكبرى أن تحافظ على سيادتها الكاملة في عصر التحالفات العابرة للحدود؟ لقد دخل العالم مرحلة تتشابك فيها التكنولوجيا، والاستخبارات، والصناعات العسكرية، والاقتصاد، إلى درجة بات من الصعب معها رسم حدود واضحة بين الاستقلال والاعتماد المتبادل. ربما لهذا السبب، فإن المادة 219 ليست مجرد بند في قانون دفاع، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده النظام الدولي كله. فالقوة ليست فقط امتلاك أكبر جيش في العالم، بل امتلاك القرار الحر في كيفية استخدامه. والتحالفات، مهما بلغت أهميتها، تفقد قيمتها إذا أصبحت بديلًا عن الإرادة الوطنية. من جورج واشنطن إلى المادة 219: شبح السيادة يعود skip render: ucaddon_box_testimonial
برحيل آلان غرينسبان عن عمر ناهز المئة عام، يطوي الاقتصاد العالمي صفحة واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في رسم السياسات النقدية خلال العقود الأربعة الأخيرة. كان الرجل الذي قاد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بين عامي 1987 و2006، وشهدت الولايات المتحدة في عهده أطول فترات النمو الاقتصادي المستدام، كما واجه خلال مسيرته سلسلة من الأزمات المالية والنقدية التي شكّلت اختبارات حقيقية للنظام الاقتصادي الأميركي. لكن أهمية غرينسبان لا تكمن فقط في كونه رئيساً سابقاً للاحتياطي الفيدرالي، بل في كونه نموذجاً لفهم العلاقة المعقدة بين السياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي، وبين نجاح المؤسسات وقابلية الخطأ البشري، وهي العلاقة التي تبدو أكثر إلحاحاً عند النظر إلى التجربة اللبنانية المعاصرة. رجل هزّ الأسواق على مدى نحو عشرين عاماً، تولى غرينسبان مسؤولية حماية استقرار الدولار والحفاظ على توازن الاقتصاد الأميركي. وبفضل موقعه الاستثنائي، اعتبره كثيرون الرجل الثاني في الدولة الأميركية بعد الرئيس. وكانت الأسواق العالمية تتابع تصريحاته المحدودة بدقة، لأن كلماته كانت قادرة على تحريك تريليونات الدولارات في مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن الرجل الذي اعتُبر لسنوات طويلة رمزاً للنجاح الاقتصادي لم يخرج من التاريخ بلا أخطاء. فقد اتُّهم لاحقاً بالمساهمة في خلق بيئة مالية ساعدت على تضخّم فقاعات الأصول، بدءاً من فقاعة شركات التكنولوجيا في أواخر التسعينيات، وصولاً إلى الظروف التي مهّدت لأزمة الرهن العقاري والانهيار المالي العالمي عام 2008. skip render: ucaddon_material_block_quote المفارقة اللبنانية هنا تكمن المفارقة المهمة بالنسبة إلى لبنان. فالولايات المتحدة امتلكت مؤسسات قادرة على مراجعة أخطائها. وعندما انفجرت الأزمة المالية، وقف غرينسبان نفسه أمام الكونغرس معترفاً بأن بعض افتراضاته حول كفاءة الأسواق كانت خاطئة، وأنه اكتشف “خللاً” في النموذج الذي آمن به لعقود. أما في لبنان، فإن أحداً لم يقف حتى اليوم ليقدّم مراجعة مماثلة. فمنذ أوائل التسعينيات، بُني الاقتصاد اللبناني على فلسفة لا تختلف كثيراً عن بعض المبادئ التي سادت عالمياً في زمن غرينسبان: الاعتماد على التدفقات المالية، وتوسيع الائتمان، واستقطاب الرساميل، وربط الاستقرار الاقتصادي بالاستقرار النقدي. غير أن الفارق الجوهري كان أن الولايات المتحدة امتلكت اقتصاداً منتجاً ومؤسسات رقابية ودولة قادرة على امتصاص الصدمات، بينما اعتمد لبنان على اقتصاد ريعي هشّ، وعلى تدفقات خارجية متقلّبة. اقتصاد على الثقة كان غرينسبان يدير الدولار، العملة الاحتياطية الأولى في العالم، فيما كان لبنان يدير نظاماً نقدياً يعتمد بالكامل تقريباً على الثقة. وعندما اهتزّت هذه الثقة، انهار البناء بأكمله. ولعل المقارنة الأكثر دلالة تكمن في مفهوم استقلالية المصرف المركزي. ففي الولايات المتحدة، ورغم الضغوط السياسية الهائلة، ظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة قادرة على اتخاذ قراراتها ضمن إطار قانوني واضح. أما في لبنان، فقد تحوّلت السياسة النقدية تدريجياً إلى جزء من الصراع السياسي ومنظومة المحاصصة، حتى أصبح من الصعب الفصل بين القرارات الاقتصادية والاعتبارات السلطوية. لقد واجه غرينسبان انتقادات قاسية بسبب ثقته المفرطة بالسوق الحرة، لكنه ظل يعمل ضمن منظومة مؤسساتية تسمح بالمحاسبة والتصحيح. أما الأزمة اللبنانية فكانت أزمة غياب للمؤسسات نفسها. فالانهيار لم يكن نتيجة قرار نقدي واحد أو خطأ فردي بعينه، بل نتيجة تراكم عقود من السياسات غير المستدامة، وغياب الرقابة، واندماج السلطة السياسية بالمصالح المالية. أزمة مؤسسات لا أفراد ومن المفيد التوقف عند مسألة أخرى. فقد كان غرينسبان يؤمن بأن الأسواق قادرة، إلى حد بعيد، على تنظيم نفسها. وبعد أزمة 2008 اعترف بأن هذا الإيمان لم يكن دقيقاً كما تصوّر. أما في لبنان، فإن التجربة ذهبت إلى النقيض الآخر: لم تكن هناك أسواق حرة حقيقية ولا مؤسسات رقابية فعالة، بل مزيج معقّد من الاحتكارات السياسية والمالية التي جعلت الخسائر العامة تتحول إلى خسائر وطنية شاملة. وعندما نتأمل مسيرة الرجل الذي منحته الولايات المتحدة أعلى أوسمتها، ندرك أن قيمة التجربة الأميركية لم تكن في عصمة المسؤولين من الخطأ، بل في قدرة النظام على الاعتراف بالخطأ ومراجعته. فالدول لا تنهار لأن خبراءها يخطئون، بل لأنها ترفض الاعتراف بالأخطاء بعد وقوعها. ربما لهذا السبب يحمل رحيل آلان غرينسبان دلالة تتجاوز حدود الولايات المتحدة. فهو يذكّر اللبنانيين بأن الأزمات الاقتصادية الكبرى لا تبدأ عادة بالانهيار، بل تبدأ حين تتحول النجاحات المؤقتة إلى عقائد مقدسة لا يجوز نقدها، وحين يصبح الاستقرار النقدي بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي. لقد ترك غرينسبان وراءه إرثاً متناقضاً؛ فهو مهندس واحدة من أكثر فترات الازدهار الاقتصادي الأميركي، وأحد المتهمين بالمساهمة في خلق الظروف التي سبقت أكبر أزمة مالية عالمية منذ الكساد الكبير. لكن الفارق بين واشنطن وبيروت أن الأميركيين ناقشوا أخطاءه في الكونغرس والجامعات ووسائل الإعلام، بينما لا يزال اللبنانيون مختلفين حتى اليوم على تعريف الأزمة نفسها، وعلى تحديد من تسبب بها، ومن يجب أن يتحمل كلفتها. skip render: ucaddon_box_testimonial
على امتداد أكثر من قرن، بدا وكأن العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تستند إلى ما هو أعمق من المصالح الاستراتيجية والتحالفات العسكرية التقليدية. فخلف موازنات الدفاع وصفقات السلاح وقرارات الكونغرس، كانت هناك عقيدة فكرية ودينية تشكّل الوعي السياسي لملايين الأميركيين، وتمنح إسرائيل مكانة استثنائية لا تحظى بها أي دولة أخرى في العالم. هذه العقيدة هي الصهيونية المسيحية. لسنوات طويلة، جرى تقديمها باعتبارها تعبيرًا طبيعيًا عن الإيمان المسيحي، بينما كانت في حقيقتها نتاجًا لتطورات فكرية وسياسية حديثة نسبيًا، لم تكن معروفة لدى المسيحيين الأوائل ولا لدى غالبية الكنائس التاريخية في أوروبا والشرق. واليوم، وبعد حرب غزة وما رافقها من مشاهد غير مسبوقة للدمار والقتل الجماعي، تبدو هذه العقيدة أمام اختبار تاريخي قد يكون الأخطر منذ نشأتها. النبوءة مشروع جيوسياسي المفارقة الكبرى أن إقامة دولة يهودية لم تكن مرتبطة منذ البداية بفلسطين وحدها. ففي العقود الأولى للحركة الصهيونية، طُرحت بدائل متعددة تراوحت بين أفريقيا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى من العالم. لكن فلسطين كانت تمتلك ميزة لم تكن متوافرة في أي مكان آخر: قدرتها على استثارة المخيال الديني الغربي. هنا التقت الصهيونية السياسية مع تيار لاهوتي نشأ في القرن التاسع عشر على يد الواعظ الأيرلندي جون نيلسون داربي، الذي أعاد تفسير التاريخ الديني باعتباره سلسلة من “التدابير الإلهية” التي تنتهي بعودة اليهود إلى أرض فلسطين وقيام دولة لهم، تمهيدًا لأحداث آخر الزمان. لم تكن هذه الأفكار في البداية سوى اجتهادات هامشية داخل العالم البروتستانتي، لكنها سرعان ما وجدت طريقها إلى الولايات المتحدة، حيث تحولت من أطروحات لاهوتية إلى ثقافة شعبية واسعة الانتشار عبر الكنائس الإنجيلية ووسائل الإعلام الدينية والمدارس التبشيرية. مع مطلع القرن العشرين، بدأت الحدود الفاصلة بين التفسير الديني والموقف السياسي تتلاشى تدريجيًا. لم يعد دعم إسرائيل خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش، بل أصبح لدى ملايين الأميركيين واجبًا دينيًا يرتبط بطاعة الله وتحقيق النبوءات. skip render: ucaddon_material_block_quote الكنيسة تحكم واشنطن لطالما قدّمت الإدارات الأميركية المتعاقبة دعمها لإسرائيل باعتباره جزءًا من المصالح القومية الأميركية. لكن الواقع السياسي يكشف أن هذا التفسير يبقى ناقصًا. فلا يمكن فهم حجم التأييد الأميركي لإسرائيل من دون فهم القوة الانتخابية الهائلة للتيار الإنجيلي المحافظ، الذي يشكّل إحدى أهم قواعد الحزب الجمهوري. في هذا السياق، لم تعد إسرائيل مجرد حليف استراتيجي في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى رمز ديني وثقافي داخل الصراع الأميركي الداخلي نفسه. ولهذا السبب، غالبًا ما تبدو بعض المواقف الأميركية تجاه إسرائيل منفصلة عن المعايير التي تطبقها واشنطن على بقية دول العالم. إنها حالة فريدة يصبح فيها النقاش حول السياسة الخارجية مرتبطًا بتفسيرات دينية أكثر من ارتباطه بحسابات الجغرافيا السياسية. حرب غزة وكسر المحرّمات لكن كل العقائد السياسية تواجه لحظة اختبار. وجاءت غزة لتكون هذا الاختبار. فمشاهد الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات المدمّرة، والمجاعات الجماعية، والدمار الشامل الذي شاهده العالم مباشرة عبر الهواتف الذكية، أحدثت شرخًا متزايدًا داخل البيئة المسيحية الغربية نفسها. بدأت أسئلة جديدة تظهر داخل الكنائس المحافظة ووسائل الإعلام اليمينية: هل يعني دعم إسرائيل تبرير كل ما تقوم به حكوماتها؟ هل يمكن أن تتحول النبوءة إلى غطاء أخلاقي للحروب؟ وأين يقف الضمير المسيحي عندما تتعارض الرواية السياسية مع المعاناة الإنسانية المشهودة؟ هذه الأسئلة لم تعد تصدر فقط عن اليسار الأميركي أو عن الحركات المؤيدة لفلسطين، بل بدأت تصدر من شخصيات محافظة كانت تاريخيًا جزءًا من البيئة الفكرية نفسها التي دعمت إسرائيل لعقود. جيل جديد من المحافظين التحول الأكثر إثارة يتمثل في ظهور تيار محافظ جديد لا ينظر إلى إسرائيل من منظور النبوءة الدينية بقدر ما ينظر إليها من زاوية المصلحة القومية الأميركية. داخل حركة “أميركا أولًا” المرتبطة بالرئيس دونالد ترامب، برزت أصوات تتساءل عن جدوى استمرار انخراط الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط بالوتيرة نفسها. هذا التيار لا يتبنى بالضرورة موقفًا مؤيدًا للفلسطينيين، لكنه يعيد فتح ملفات كانت مغلقة لعقود، ويتعامل مع إسرائيل باعتبارها دولة تخضع للمراجعة السياسية مثل أي دولة أخرى. من هنا تأتي أهمية النقاشات التي بدأت تظهر داخل الإعلام المحافظ الأميركي، لأنها تعكس تحولًا أعمق من مجرد خلاف حول حرب أو حكومة. إنها تعكس صراعًا على تعريف العلاقة نفسها بين المسيحية والسياسة الخارجية الأميركية. واشنطن وإسرائيل… التحالف الذي صنعته النبوءة وتهدده غزة سؤال الحضارة الغربية في جوهره، لا يتعلق الجدل الدائر اليوم بإسرائيل وحدها. السؤال الحقيقي هو: من يحدد أولويات الغرب المعاصر؟ هل هي المصالح القومية؟ أم القانون الدولي؟ أم الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية؟ أم تفسيرات دينية نشأت في ظروف تاريخية محددة، ثم تحولت إلى عقائد سياسية فوق المساءلة؟ لقد نجحت الصهيونية المسيحية طوال عقود في تقديم نفسها باعتبارها جزءًا من الإيمان المسيحي ذاته. غير أن النقاش الدائر اليوم يكشف أن عددًا متزايدًا من المفكرين ورجال الدين والسياسيين باتوا يميزون بين المسيحية بوصفها رسالة روحية عالمية، وبين الصهيونية المسيحية بوصفها مشروعًا سياسيًا حديثًا. نهاية اليقين قد يكون من المبكر الحديث عن أفول الصهيونية المسيحية أو انهيار نفوذها داخل الولايات المتحدة. فما زالت تمتلك مؤسسات ضخمة وشبكات إعلامية واسعة وتأثيرًا انتخابيًا هائلًا. لكن المؤكد أن ما كان يبدو قبل سنوات قليلة حقيقة غير قابلة للنقاش، أصبح اليوم موضوعًا للنقد والمراجعة. لقد فتحت غزة نافذة لم تكن موجودة من قبل. نافذة تطل على أسئلة مؤجلة منذ أكثر من قرن: كيف تحولت قراءة دينية محددة إلى عقيدة سياسية تتحكم بجزء من القرار الأميركي؟ وكيف استطاعت أن تجعل دعم دولة أجنبية جزءًا من الهوية الثقافية والدينية لملايين المواطنين الأميركيين؟ وربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت المأساة الفلسطينية المستمرة ستنجح أخيرًا في تفكيك هذه المعادلة، أم أن الصهيونية المسيحية ستجد طريقًا جديدًا لإعادة إنتاج نفسها بصيغ أكثر حداثة داخل السياسة الأميركية. skip render: ucaddon_box_testimonial