في وجداننا، حتى في ذاكرتنا الفردية والجماعية، يرتبط نيلسون مانديلا بفكرة الرجل “الطيب”. لا يمكنك أن تفكر فيه دون أن تغيب عنك ابتسامته الهادئة، وعيونه الرزينة، وتجاعيد وجهٍ أتعبته سنين النضال والسجن، وشعرٌ أجعد أبيض يُؤنسِن الأيقونة. تكرّس مانديلا في أذهاننا كفكرة شمولية “جيدة”، لا نهتم كثيرًا بتفاصيلها الأخرى. جلّ ما نفكر فيه أنه رمز للخير والعدل. حكمًا تبدو المسافة شاسعة بين بشرّي وأومتاتا بجوار كيب تاون، لكن الرجلين يتقاطعان في روايتين خُتمت إحداهما، وأخرى لم تكتمل فصولها الحقيقية بعد. سيتفاجأ كثيرون من مجرد المقارنة بين سمير جعجع ونيلسون مانديلا. قد يكثر الكلام والضوضاء والهجوم والانتقاد للفكرة بذاتها، ولصوابية طرحها، أو حتى لمجرد الاقتراب منها. ولأننا شعوب لا تعرف إنتاج أساطيرها، ولا حتى سردها، يبدو كسر المحرّم شرطًا إلزاميًا أحيانًا لبلوغ الحق والحقيقة. عند كثير من اللبنانيين، وحتى غيرهم، يرتبط اسم جعجع بكونه قائدًا لميليشيا تلطخت ممارساتها بالدماء في حرب شهدت كثيرًا من الفظائع. وكأن جعجع كان يقاتل وحده حينها. وكأنه لم يكن هناك من “آخر” في الجهة المقابلة. انتهت “الحرب الأهلية”، لكن الصورة بقيت، واستُثمرت، ونمت، وتكرّست لأغراض عدة، تختلف باختلاف راويها وحساباته والمناسبة. ما لا يعرفه كثيرون منا، وقد يعرفه آخرون، أن مانديلا، الذي سكن ذاكرتنا بطيبته كرمزٍ للخير، عاش ردحًا واسعًا من مسيرته النضالية بالكفاح المسلح. بعد “مجزرة شاربفيل” عام 1960، انتقل مانديلا من قناعة النضال السلمي وحده إلى المساهمة في تأسيس الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي، “أومخونتو وي سيزوي”، في سياق مقاومة نظام أغلق بوجهه ووجه أمثاله كل أبواب التغيير الطبيعي. انطلق جعجع من الفكرة ذاتها في حساباته الماضية. كغيره من “المحاربين القدامى” في تلك الفترة، كلٌّ حمل البندقية لتحقيق هدف آمن به واقتنع بصوابيته، صحّ ذلك أم كان خطأ. لكنه في حينها كان تصالحًا مع الذات قبل أن يكون خدمةً للمجموعة التي انتمى إليها، وكان معبرًا للوصول إلى المأمول. لكليهما صار السلاح جزءًا من معركة تحرير شعب ووطن من منظومة فاسدة. رجلان دخلا الحياة العامة من بوابة الصراع الحاد. خبرا العمل المرتبط بالعنف السياسي في بلدين مأزومين، ثم حملا السجن كجزء تأسيسي من صورتهما العامة، قبل أن يعودا إلى السياسة من موقع أكثر رمزيةً وتأثيرًا. أمضى مانديلا 27 عامًا في المعتقل، وخرج مثالًا عالميًا للصمود والانضباط والقدرة على تحويل المعاناة إلى شرعية تاريخية. خرج مانديلا من “رود آيلاند” ليرفع بلاده فوق منطق الانتقام، ويقود مصالحة صنعت دولة جديدة. لكن لبنان بلد لا يشبه إلا نفسه، ولا يُنصف أبناءه. بعد نحو 11 عامًا، يخرج جعجع من سجنه أكبر سياسيًا مما دخله. لكنه يعود إلى نظام لم يحسم أسئلته الكبرى بعد، ولم يُنجز عدالة انتقالية، ولم يكتب رواية وطنية واحدة لا للحرب ولا للسلم. لذا بقي لاعبًا أساسيًا ومؤثرًا، لكنه لم يتحول إلى رمز جامع فوق الانقسام، رغم ما يطرح وطنيًا ويطالب بتحقيقه، ويتفق معه أغلب اللبنانيين، والسبب أن لبنان نفسه لم يتحول إلى وطن متصالح مع ماضيه ومستقبله. صعودًا إلى معراب، للقاء عنوانه “إنقاذ لبنان”، تستذكر أننا جميعًا نعيش اليوم على أرض هذا الوطن حربًا وجودية. أحداث جمّة لم تحرك في كثيرين “الهمّة” للمبادرة إلى لقاء جامع شامل للجميع، على اختلافهم واختلافاتهم، للقول إن القادم من الأيام سيكون ببساطة: نكون أو لا نكون. في ذلك المنزل المرتفع، تسمع كلامًا وأفكارًا كثيرة. تشعر أن الجميع يتحرق للتغيير نحو الأفضل، كلٌّ بحسب ما يرى. لا ضير في ذلك. في طريق العودة، تستحضرك المقارنة الغريبة بين الرجلين. كم هو غريب أن تغيّر أحداث الحياة مسارات الرجال وخياراتهم. تشعر أن السجن كان لهذا الرجل فرصةً للترقي، لا سببًا للتشفي. تسمع من المتهم بحروب الإبادة والقتل على الهوية كلامًا لا لبس فيه عن: قيام الدولة، والعدالة، والجيش الحامي، والنظام، وعمل المؤسسات، ونبذ الاقتتال الداخلي، وعودة المغتربين، وتثبيت الشباب، والحفاظ على الهوية… تتعاطف معه لأنه لم يأخذ حقه حتى الآن. مانديلا صار رمزًا كونيًا لأن تجربته تجاوزت جماعته، أما جعجع فبقي، مهما اتسع حضوره، ابن ساحة لبنانية منقسمة، يعلو فيها الرمز داخل بيئته، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى مرجعية جامعة خارجها. أما السبب، ففي تكوين هذا الكيان العجيب نفسه، لا في “الحكيم”.
لم يعد خافيًا على أحدٍ أنَّ لبنان يقف أمام مرحلةٍ شديدة الخطورة، قد تحمل في طيّاتها سيناريوهاتٍ قاتمةً تهدّد الكيان اللبناني، دولةً وشعبًا. وفي مقدّمة هذه السيناريوهات، ما يشهده الجنوب من حشدٍ عسكريٍّ إسرائيليٍّ يثير مخاوف جدّية من عمليّةٍ برّيةٍ واسعة، قد يكون هدفها، في حدّه الأدنى، فرض واقعٍ جديدٍ في منطقة جنوب الليطاني، وتحويلها إلى شريطٍ عازلٍ يمهّد لوجودٍ إسرائيليٍّ طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية. غير أنَّ الأخطر من هذا التهديد الخارجي لا يكمن فقط في احتمالات العدوان، بل أيضًا في هشاشة الداخل اللبناني وعجز الدولة عن امتلاك قرارها السيادي الكامل. فحين يُنتزع منها قرار الحرب والسلم، تصبح قدرتها على المبادرة محدودة، ويغدو حتى خيار التفاوض محاصرًا بالتجاذبات والانقسامات وفقدان الشرعية الوطنية الجامعة. وبعد 106 أعوام على إعلان الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا اليوم: هل يقف لبنان على أعتاب لحظة تاريخية معاكسة، تتآكل فيها الحدود المعلنة للدولة، وتتعمّق معها أزمة ديموغرافية وسياسية قد ترسم ملامح “لبنان الصغير” من جديد؟ لبنان لم يُبنَ في يومٍ واحد، ولن يسقط بقرارٍ واحد، شرط أن يقرّر أبناؤه أن يكونوا دولةً قبل أن يكونوا طوائف أمام هذا المشهد، لا بدّ من مقاربةٍ بعيدةٍ عن الشعبوية والانفعال. فخيار المواجهة العسكرية المفتوحة لن يقود اللبنانيين إلا إلى مزيدٍ من الخراب والدمار. وفي المقابل، فإن الاستسلام للأمر الواقع ليس خيارًا مقبولًا لدولةٍ تريد البقاء. بين هذين النقيضين، يبرز مسارٌ ثالث، لا هو حربٌ عبثيةٌ تأكل الأخضر واليابس، ولا هو استسلامٌ مُذِلٌّ يُسقط ما تبقّى من هيبة الدولة ومعنى الوطن. هذا المسار ليس وهمًا رومانسيًّا، بل هو خيارٌ استراتيجيٌّ يتطلّب إرادةً سياسيةً حقيقيةً وشجاعةً وطنيةً نادرًا ما تجلّت في تاريخ لبنان الحديث. ومساره يبدأ من داخل الدولة نفسها: باحتكارها الكامل للسلاح وإنهاء ظاهرة السلاح خارج الشرعية، أيًّا كان مصدره أو مبرّره الأيديولوجي أو الطائفي أو الإقليمي. فلا دولةً حقيقيةً في التاريخ قامت وبجانبها جيشٌ موازٍ يختار حروبها ويرسم حدودها. ثم يمتدّ هذا المسار إلى إعادة انتشار المؤسسات الشرعية، الجيش والقضاء والإدارة، في كل شبرٍ من الأرض اللبنانية، لا سيّما في المناطق التي غابت عنها الدولة طويلًا حتى نسي بعض أبنائها أن لهم دولةً أصلًا. أمّا على الصعيد الخارجي، فيعني هذا المسار توظيف كل أدوات الضغط الدبلوماسي والقانوني الدولي والحشد الشعبي، لبناء ملفٍّ سياديٍّ متكاملٍ يُقدَّم أمام المجتمع الدولي لا كاستجداءٍ ولا كبكاءٍ على الأطلال، بل كمطالبةِ حقٍّ واضحةٍ وموثّقةٍ لشعبٍ يعرف ما يريد ويعرف ما يستحق. فلبنان الذي يملك قضيةً عادلة، ويتكلّم بصوت دولةٍ موحّدة لا بأصوات ميليشياتٍ متناحرة، يستطيع أن يخوض معركته على طاولات المفاوضات بالقدر ذاته الذي يخوضها على أرض الواقع، بل ربما أكثر. وقد يفرض الواقع، عاجلًا أم آجلًا، السير في تسويةٍ كبرى تشبه في شكلها بعض الاتفاقات الإقليمية المعروفة. غير أنَّ التسوية التي تُفرض على دولةٍ مشلولةٍ ومنقسمة تختلف جذريًّا عن تلك التي تفاوض عليها دولةٌ تعرف ثقلها وتحسن توظيف أوراقها. لذلك فإن الشرط الأول لأي مسارٍ ناجحٍ ليس في الخارج، ليس في واشنطن ولا في باريس ولا في تل أبيب، بل في بيروت نفسها: أن يقرّر اللبنانيون، بجميع أطيافهم وتياراتهم، الالتفاف حول دولتهم، باعتبارها المرجعية الوحيدة القادرة، بشرعيتها ومؤسساتها، على إنهاء الاحتلال وحماية الأرض وصون ما تبقّى من الوطن. لبنان لم يُبنَ في يومٍ واحد، ولن يسقط بقرارٍ واحد، شرط أن يقرّر أبناؤه أن يكونوا دولةً قبل أن يكونوا طوائف. لا دولةَ حقيقيةً في التاريخ قامت وبجانبها جيشٌ موازٍ يختار حروبها ويرسم حدودها
لم يعد مقبولا التعامل مع إخفاقات رئيس بلدية صيدا، منذ تسلّمه مهامه، على أنّها مجرّد عثرات عابرة أو ارتباك طبيعي يرافق البدايات. فالحجّة التي رُفعت طويلًا، ومفادها أنّ الرجل أثبت كفاءةً في مراحل سابقة، سواء خلال جائحة كورونا أو في محطات الحرب الإسرائيلية، لم تعد تصمد أمام الوقائع. طريقة إدارة البلدية للعدوان الإسرائيلي الحالي كشفت، في أكثر من مستوى، حجم الارتجال ومحدودية الجهوزية وضعف الفعالية، في وقت كان يفترض فيه أن تكون الاستعدادات الإغاثية حاضرة سلفًا لا أن تُدار بعقلية المفاجأة وردّ الفعل واللهث وراء الصورة.لكن ما هو أخطر من ضعف الأداء نفسه، أنّ بلدية صيدا تبدو اليوم، عمليًا، تحت تأثير “مركز قرار” غير رسمي، تتقدّمه “سيدة” من خارج المجلس البلدي، ومن خارج الملاك الوظيفي، بل ومن خارج النسيج الأصلي للمدينة نفسها. سيدة لا أحد يعرف بدقة ما هي صفتها الفعلية، ولا بأي تفويض تتحرك، لكنها، على أرض الواقع، تؤدي دور “رئيسة البلدية في الظل”. تحضر في معظم الاجتماعات، تتدخل في تفاصيل الملفات، تتنقل بين المواقع والمحافل، ويبدو أنّ لها الكلمة الراجحة في مسائل تمسّ مباشرة حياة الصيداويين والنازحين، من توزيع المساعدات إلى إدارة الأولويات، تحت عنوان فضفاض اسمه “مستشارة فوق العادة”، يسمع لها رئيس البلدية ويأخذ برأيها في معظم الأحيان.ليست هذه السيدة طارئة على المشهد البلدي الصيداوي، لكن نفوذها تضخّم بصورة لافتة مع وصول الرئيس الحالي، مستفيدًة من علاقة مهنية طويلة تجمعهما داخل لبنان وخارجه، ترسّخت في ملفات الجمعيات والمنظمات الأهلية وغير الحكومية، وتستمر اليوم بغطاء واضح ونفوذ متزايد.لم يعد هذا النفوذ خافيًا على أحد داخل المجلس البلدي وفي المدينة، بل تحوّل إلى أحد عناوين التوتّر والتفكك في مجلس يعاني أصلًا من الانقسام والضغائن والتشرذم بين أعضائه. غير أنّ الخطير فعلًا لا يقف عند حدود الخلافات الداخلية، بل يتمثل في أن تتحوّل شخصية من خارج البنية الرسمية إلى جهة تقرير فعلية. تحدد من يستفيد ومن يُحرم، من يدخل ومن يُقصى، كيف تُوزَّع المساعدات، وعلى أي أسس، وتحت أي معايير، بل وكيف تُتداول معلومات الناس العامة والخاصة أمام أشخاص لا يحملون أي صفة رسمية أو مساءلة قانونية.ربما يكون رئيس البلدية، حين ينظر إلى الموجودين على طاولة الاجتماعات من حوله، قد وجد في تكريس هذا الدور مخرجًا من عجزه عن الاتكال على مجلس لا يثق بكفاءته ولا بقدرته على تحمّل المسؤولية. لكن هذا لا يخفف من خطورة المسألة، بل يضاعفها. لأنّ أقصى ما يمكن أن يبرر به هذا الواقع هو أنّ يُدار الشأن العام بعقلية “أهون الشرّين”، لا بعقلية المؤسسات والمحاسبة.