في أقلّ من شهر، تتكرّر فصول المسلسل نفسه، من دون أن يحرّك أحدٌ ساكناً. أراضي مدينة صيدا تُباع “للغرباء” و”المريبين” على أعين أهلها العاجزين عن اتخاذ موقف منقذ لما تبقّى من أرضٍ وتاريخٍ ومجتمعٍ وناس. فقد علمت صحيفة «البوست» من مصادر عقارية متابعة، أن تاجراً عقارياً بات معروفاً بشراهة الشراء لأراضي المدينة، وبمبالغ يطرحها لا يقدر أحد على منافستها، قام بشراء عقارين، عبارة عن أرضين على «بولفار الدكتور نزيه البزري»، بقيمة إجمالية فاقت الـ17 مليون دولار لكليهما. ويأتي ذلك في وقتٍ تزداد فيه مشاريعه في التفريخ المهول، ما يطرح المزيد من علامات الاستفهام حوله، وحول الجهة التي تقف وراءه، من دون أن يغيّر ذلك من واقع الأمور على الأرض شيئاً.
منذ مدة، استدعى أحد الأجهزة الأمنية أحد تجار العقارات “المستحدثين” في صيدا، للاستماع إلى إفادته في عدد من الملفات التي تتمحور، في جوهرها، حول سؤال واحد، “من أين لك هذا؟” هذا السؤال لم يعد همساً في المجالس الصيداوية، بل بات يُطرح بقوة حول عدد من الأسماء التي صعدت بسرعة لافتة في عالم المال والأعمال. أسماء تعرفها صيدا جيداً، ولم يكن كثيرون، قبل سنوات قليلة، يتخيلون أن تتحول إلى واجهات لمشاريع وعقارات ومحال وأعمال توسعت بسرعة قياسية، لا تبدو منسجمة مع المسار الطبيعي للنمو المالي والتجاري. وبحسب مصادر سياسية مطلعة لـ”البوست”، فإن ما جرى مع هذا التاجر قد لا يكون حالة معزولة، بل مرشح للتكرار مع عدد من الشخصيات في المدينة في المرحلة المقبلة. وتشير المصادر إلى أن جهات معنية قد تبدأ، أو بدأت فعلاً، بطرح أسئلة حول أصول مالية وثروات منقولة وغير منقولة، في سياق أوسع من مجرد تحقيق محلي أو مساءلة محدودة. وتضيف المصادر أن المسألة باتت جزءاً من ملف أكبر، يبدأ من واشنطن ولا ينتهي عند “البستان الكبير”، في إطار ما تصفه هذه الأوساط بـ”تجفيف المنابع وعرقلة المسارب”. وهو مسار يُتوقع أن يشتد في الأيام المقبلة، خصوصاً بعدما بات واضحاً أن بعض من ظنوا أنفسهم خارج دائرة المساءلة، أو محصنين بغطاءات معينة، قد يجدون أنفسهم فجأة تحت المجهر.
تلفت مصادر سياسية مطلعة لظاهرة واضحة سُجّلت في صيدا مع اندلاع الجولة الحالية من العدوان الإسرائيلي على لبنان، وتمثّلت بسفر عدد من الشخصيات الميسورة وتواريها عن المشهد، بانتظار اتضاح مسار التطورات. وبحسب المعطيات، فإن عددًا من الميسورين، لا سيما من الفئات المستجدة، وأغلبهم من غير اللبنانيين، سُجّل عليهم ترك المدينة والسفر إلى وجهات خارجية يحمل بعضهم جنسياتها، من دون أن يُعرف حتى الآن ما إذا كان هذا الأمر ناتجًا عن تصرفات فردية، أم جاء ضمن توجّه جماعي مقصود، خصوصًا أن معظم هذه الشخصيات تنتمي إلى أجواء إسلامية متقاربة. وتطرح هذه الظاهرة تساؤلات في الأوساط الصيداوية حول توقيت هذا الانكفاء، ودلالاته السياسية والاجتماعية، في لحظة يُفترض فيها أن تكون الشخصيات القادرة ماديًا أكثر حضورًا إلى جانب المدينة وأهلها، لا أكثر ابتعادًا عنهم.