اثنا عشر عامًا من السجن، ثم كلمة واحدة: براءة. ليست هذه مفارقة قانونية عابرة، بل لحظة كاشفة لنظام كامل يهتزّ تحت ثقل أسئلته. في القرار الصادر بشأن الفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير، في قضية محاولة قتل أحد مسؤولي سرايا المقاومة التابعة لـ«حزب الله» في صيدا، لا تقف المسألة عند حدود حكم قضائي، بل تتجاوزها إلى سؤال وجودي: ماذا تبقّى من العدالة حين تحتاج إلى اثني عشر عامًا لتقول إن المتّهم بريء؟ الزمن هنا ليس تفصيلًا. اثنا عشر عامًا ليست رقمًا في ملف، بل عمرٌ مُقتطع من حياة إنسان، من سمعته، من عائلته، من احتمالاته. وحين يأتي الحكم بالبراءة بعد كل هذا، لا يبدو كتصحيح للمسار بقدر ما يبدو كإدانة متأخرة لنظام سمح بحدوث الخطأ واستمراره. المعضلة لا تقبل التجميل: إما أن القضاء يعاني خللًا بنيويًا عميقًا يجعله عاجزًا عن التمييز السريع بين الجرم والبراءة، أو أنه واقع تحت تأثيرات سياسية تُحوّله إلى أداة ضمن صراعات النفوذ. وفي كلا الاحتمالين، النتيجة واحدة: منظومة لا تحمي الأبرياء بقدر ما تعرّضهم للاستهلاك البطيء. في الدول التي تحترم نفسها، العدالة ليست فقط في الحكم النهائي، بل في المسار كلّه. سرعة الإجراءات، ضمانات المحاكمة، استقلالية القرار—هذه ليست كماليات، بل شروط أساسية. أما حين تتحوّل العدالة إلى عملية استنزاف طويلة، فإن البراءة نفسها تفقد معناها، وتصبح أقرب إلى اعتذار بارد لا يعيد ما سُلب. الأخطر أن مثل هذه الأحكام لا تُقاس فقط بتأثيرها على الأفراد، بل على ثقة المجتمع ككل. حين يرى الناس أن البراءة قد تأتي بعد عقد كامل، فإن الرسالة الضمنية واضحة: يمكنك أن تُسحق أولًا، ثم يُعاد الاعتبار لك نظريًا… بعد فوات الأوان. وهذا كفيل بتآكل الإيمان بأي منظومة قانونية، وفتح الباب أمام بدائل أكثر خطورة، من العدالة الخاصة إلى الفوضى. ليس المطلوب هنا الدفاع عن أشخاص بعينهم أو إدانة آخرين، بل مواجهة السؤال الجوهري: أي عدالة تلك التي تعاقب الإنسان مرتين؛ مرة بالسجن، ومرة بالانتظار؟ العدالة التي تتأخر إلى هذا الحد لا تعود عدالة، بل تتحوّل إلى شهادة على خلل أعمق. خلل في بنية الدولة، في توازن السلطات، وفي القدرة على الفصل بين القانون والسياسة. قد يختلف الناس في تفسير ما جرى، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن الزمن نفسه أصبح طرفًا في القضية. والزمن، حين يُساء استخدامه في مسار العدالة، لا يمرّ بصمت… بل يترك خلفه إدانة لا تُمحى. قد تُغلق الملفات، لكن الأسئلة تبقى مفتوحة. skip render: ucaddon_box_testimonial
قد يكون رئيس بلدية صيدا محقاً في كرهه الجلوس مع هكذا “شِلّة” يتكون منها المجلس البلدي الحالي للمدينة، فمن الصعب هضمهم. ومع الاقرار بذلك توقفت أوساط قانونية متابعة عند مسألة عدم دعوة رئيس بلدية صيدا المجلسَ البلديَّ إلى عقد اجتماع منذ أكثر من شهر، معتبرةً أن هذا الأمر يطرح علامات استفهام جدية حول آلية إدارة الشأن البلدي في مدينة تعيش ظروفًا استثنائية على أكثر من مستوى. ورأت هذه الأوساط أن تعطيل اجتماعات المجلس البلدي، أو الامتناع عن الدعوة إليها ضمن المهل المعقولة، لا يمكن التعامل معه كمسألة إدارية فحسب، بل كخلل في انتظام عمل المؤسسة البلدية، خصوصًا أن المجلس البلدي هو الإطار الطبيعي لاتخاذ القرارات ومناقشة الملفات الحيوية المرتبطة بالمدينة وشؤونها اليومية. واعتبرت أن هذا الأمر قد يشكّل مخالفة للقوانين المرعية الإجراء، ولا سيما في ظل الظروف الدقيقة التي يعيشها البلد عمومًا، وصيدا على وجه الخصوص، حيث تتراكم الملفات الخدماتية والمالية والإنمائية، من دون أن يكون واضحًا للرأي العام كيف تُدار هذه الملفات في غياب اجتماعات المجلس. وتساءلت الأوساط عن الهدف من وراء هذه المخالفة العلنية، وما إذا كان تعطيل الاجتماعات يهدف إلى تفادي النقاش داخل المجلس، أو منع طرح ملفات خلافية وحساسة، أو تمرير واقع إداري لا يخضع للرقابة والمساءلة من قبل الأعضاء المنتخبين. كما استغربت صمت محافظ الجنوب حيال هذا الواقع، وعدم اتخاذه أي إجراءات بحق المخالفين، باعتباره سلطة رقابية معنية بمتابعة انتظام عمل البلديات واحترامها للأصول القانونية.
حتى اليوم، لا يزال القانون الذي يمنع سير الدراجات النارية في مدينة صيدا، والمطبَّق منذ حادثة اغتيال القضاة الأربعة قبل سنين، ساري المفعول، إلا أن استثناءات وتجاوزات هذا القانون، ولأسباب عديدة، جعلته مجرد حبر على ورق. حاجز الجيش اللبناني عند نقطة نهر الأولي كان مانعًا لدخول الدراجات النارية إلى صيدا، إلا أنه سُجّل منذ مدة تعاطٍ مختلف مع حركة عبور الدراجات النارية من المسرب الشرقي الخارج من المدينة، بحيث بات يُستخدم من قبل سائقي الدراجات الداخلين بعكس حركة سيره، باعتباره طريقًا للدخول لا للخروج. المفارقة الغريبة تمثّلت في سماح عناصر الجيش للدراجات بالدخول من المسرب الخارج، ومنعهم، على الحاجز نفسه، الدراجات من الدخول من المسرب الداخل. ومع تنامي وكثافة حركة العبور بالاتجاه المعاكس، شكا عدد من المواطنين من هذه الظاهرة الغريبة، التي باتت تعرّض حياة الناس للخطر، سواء السيارات المغادرة من صيدا، أو الدراجات الداخلة بعكس حركة السير الطبيعية. أمر يستوجب إيجاد حل سريع للمعضلة المتفاقمة.