تتداول مواقع التواصل الاجتماعي تعليقًا منسوبًا إلى أحد الأميركيين، قيل إنه نشره على موقع CNN، يقوم على فكرة تبدو للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تختزل واحدة من أكثر المغالطات انتشارًا في النقاش الغربي حول المسلمين والعالم العربي: «المسلمون ليسوا سعداء في غزة ومصر والسعودية وليبيا والمغرب والعراق وإيران وسوريا واليمن وباكستان وأفغانستان، لكنهم سعداء في أستراليا والسويد والولايات المتحدة والنرويج وهولندا والدنمارك». ثم تأتي الخلاصة الأكثر استفزازًا: إنهم لا يلومون قادتهم ولا أنفسهم، بل يلومون الدول غير الإسلامية التي وجدوا فيها السعادة، ويريدون تحويلها إلى نماذج تشبه البلدان التي هربوا منها. المشكلة ليست في أن صاحب التعليق يطرح سؤالًا يستحق النقاش، بل في أنه يقدّم إجابة جاهزة قبل السؤال، ويحوّل ملايين البشر إلى كتلة واحدة، ثم يقيس علاقة معقدة بين الإنسان والدولة والدين والاقتصاد والحرية والأمن بمسطرة واحدة اسمها «الإسلام». والأخطر أن الصيغة المتداولة لا تبدو موثقة بوصفها تصريحًا أصليًا من CNN، إذ تنتشر أساسًا عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من دون دليل موثوق على أنها مادة صادرة عن الشبكة نفسها. وهذه ليست مسألة هامشية في زمن تتحول فيه جملة مجهولة المصدر إلى «حقيقة» لمجرد إعادة نشرها آلاف المرات. لكن، بعيدًا عن صاحب العبارة ومصدرها، ثمة سؤال أكثر قسوة ينبغي أن نطرحه نحن على أنفسنا: لماذا ينجح عدد كبير من المسلمين والعرب في بناء حياة أفضل عندما ينتقلون إلى دول ذات مؤسسات أكثر استقرارًا، فيما تعجز دولهم عن توفير الحد الأدنى من الأمان والعدالة والفرص؟ هنا يبدأ النقاش الحقيقي؛ لأن المشكلة ليست في المسلم الذي وجد فرصة أفضل خارج بلده، بل في الدولة التي جعلت تلك الفرصة مستحيلة داخله. skip render: ucaddon_material_block_quote ليست المشكلة في الإسلام لو كانت العقيدة الدينية العامل الحاسم في تحديد سعادة الإنسان، لكان من الصعب تفسير وجود دول مسلمة تتقدم في مؤشرات الرفاه والاستقرار، مثل الإمارات والسعودية، اللتين جاءتا في مراتب متقدمة عالميًا في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، بينما جاءت الولايات المتحدة في مرتبة قريبة منهما. وفي المقابل، تتقدم دول غير مسلمة كثيرة، فيما تعاني أخرى ذات غالبية مسيحية أو علمانية من الفقر والحروب والانهيار. لذلك فإن اختزال المسألة في معادلة «مسلم = تعيس» و«غير مسلم = سعيد» ليس تحليلًا، بل تبسيط أيديولوجي لا يصمد أمام الواقع. المسألة، في جوهرها، ليست «مسلمين في مواجهة غير المسلمين»، بل دولة في مواجهة دولة، ومؤسسات في مواجهة مؤسسات، وقانون في مواجهة الفوضى، ومساءلة في مواجهة الإفلات من العقاب، واقتصاد منتج في مواجهة اقتصاد ريعي، ومواطن صاحب حقوق في مواجهة مواطن لا يُراد له إلا أن يكون تابعًا. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا للأنظمة العربية والإسلامية: لماذا يستطيع الطبيب العربي أن يجد مختبرًا أفضل في أوروبا، والمهندس وظيفة أكثر استقرارًا في أميركا، والطالب جامعة أكثر تنظيمًا في بريطانيا، والعامل حماية قانونية أكبر في أستراليا، ثم يعود إلى بلده ليجد دولة تعجز عن منحه الكهرباء والماء والدواء والعمل والعدالة؟ هل المشكلة في عقيدته، أم في الدولة التي استهلكت الدين سياسيًا ولم تتعلم كيف تبني مؤسسة؟ الغرب لم يجعل المسلمين سعداء لأنه «غير إسلامي»، بل لأن عددًا من دوله استطاع، بدرجات متفاوتة، بناء منظومات تجعل حياة الإنسان أقل اعتمادًا على مزاج الحاكم والطائفة والحزب والزعيم والوسيط. لبنان… المختبر الأكثر فجاجة لعل لبنان هو المثال الأكثر وضوحًا على سقوط هذه الحجة. فهو ليس دولة إسلامية أصلًا، بل بلد متعدد الطوائف والأديان، يعيش فيه المسلم والمسيحي والعلماني والملحد، ويتحدث الجميع عن الحداثة والديمقراطية والتعايش، فيما بقيت الدولة أسيرة نظام سياسي قائم على تقاسم النفوذ والمصالح والولاءات. ومع ذلك، انهار البلد في واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمالية، وخسر سعر صرف الليرة القسم الأكبر من قيمته، ودُفعت أعداد ضخمة من اللبنانيين نحو الفقر والهجرة. فهل يمكن وضع ذلك على حساب الإسلام؟ بالطبع لا. المشكلة اللبنانية لم تكن في صلاة اللبناني ولا في طائفته ولا في كتابه الديني، بل في نظام سياسي قائم على المحاصصة والزبائنية، وفي طبقة سياسية حوّلت الدولة إلى مجموعة حصص، والمؤسسات إلى ممرات للمحسوبيات، والاقتصاد إلى شبكة مصالح، والمواطن إلى زبون انتخابي. وقد خلصت تقارير دولية عديدة إلى أن جذور هشاشة لبنان مرتبطة بترتيبات تقاسم السلطة بين النخب، والولاءات الطائفية والرعاية السياسية، وما نتج منها من ضعف الخدمات العامة والفساد وغياب المساءلة وتفاقم عدم المساواة. وهنا يمكن قلب السؤال المتداول رأسًا على عقب: إذا كان المسلم اللبناني يستطيع أن يعيش في لندن أو سيدني أو ستوكهولم وفق القانون نفسه الذي يحمي المسيحي واليهودي والملحد، فلماذا يفشل النظام اللبناني في تأمين الحقوق نفسها له داخل لبنان؟ هذه ليست إدانة للإسلام، بل إدانة للدولة وللطريقة التي أُدير بها البلد، وللنخب التي جعلت الطائفة بديلًا عن المواطنة، والزعيم بديلًا عن المؤسسة، والولاء الشخصي بديلًا عن القانون. لسنا نهرب من أوطاننا بالضرورة… بل من الطريقة التي أُديرت بها أوطاننا لماذا يهاجر الناس؟ المهاجر لا يهرب بالضرورة من دينه، بل من غياب الفرصة والخوف والفساد والحرب وانهيار العملة والمحسوبية، ومن دولة تطلب منه الولاء قبل أن تقدم له حقه. والدليل أن الهجرة لا تسير على أساس ديني بسيط. الناس ينتقلون إلى حيث توجد الفرص، وحيث يستطيعون حماية أطفالهم ومستقبلهم، وحيث يشعرون أن القانون قادر على حمايتهم حتى عندما لا يكونون أصحاب نفوذ. والسؤال الأشد إحراجًا للأنظمة التي تتهم مهاجريها بعدم الولاء هو: لماذا يبقى المهاجر مرتبطًا بوطنه عاطفيًا وماليًا، ويرسل الأموال إليه، ويبني بيتًا فيه، ويموّل أسرته ويستثمر فيه، رغم أنه وجد في الخارج شروطًا أفضل للحياة؟ لأنه لم يهرب من وطنه بالضرورة، بل ربما هرب من الطريقة التي أُدير بها وطنه. السعادة ليست مالًا فقط لكن لا ينبغي الوقوع في المغالطة المعاكسة. فالغرب ليس جنة، وليس كل مسلم يصل إلى أوروبا أو أميركا يصبح سعيدًا تلقائيًا. تقرير السعادة العالمي لا يقيس السعادة بمعنى الابتسامة أو الثراء وحدهما، بل يتقاطع مع عناصر مثل الدعم الاجتماعي، والحرية في اتخاذ القرارات، ومتوسط العمر الصحي، والدخل، والنظرة إلى الفساد. كما يشير إلى تراجع ملحوظ في سعادة الشباب في عدد من الدول الغربية خلال العقود الأخيرة. أي إن النموذج الغربي نفسه ليس بلا عيوب، لكنه يمتلك في عدد من دوله شيئًا بالغ الأهمية: مؤسسات قادرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. الدولة الناجحة ليست التي لا تخطئ، بل التي تسمح للمواطن بأن يقول للحاكم إنه أخطأ، ثم تملك مؤسسات قادرة على محاسبته. أما الدولة الفاشلة فهي التي تقنع المواطن بأن المشكلة دائمًا في الخارج، وفي المؤامرة، والاستعمار، والطائفة الأخرى، والغرب، وإسرائيل، وأميركا، والإعلام، و«الأعداء»؛ أي في كل شيء إلا في المرآة. لبنان لم ينهَر بسبب الغرب لننظر إلى لبنان مجددًا. عندما انهارت المصارف، لم تكن السويد أو الدنمارك من أغرقتا لبنان
skip render: ucaddon_box_testimonial كان المبلغ سنتًا واحدًا، لكن الدرس كان يساوي مليارات. فالمشكلة لم تعد في قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم البيانات، بل في ماذا يستطيع أن يفعل بعد أن يفهمها. المساعد الذي كان يكتفي بالإجابة عن سؤال العميل يتحول تدريجيًا إلى «وكيل» يستطيع قراءة البيانات، والاتصال بأنظمة أخرى، واستخدام أدوات مالية، وتنفيذ سلسلة من الأوامر، واتخاذ قرارات بسرعة لا يستطيع الموظف البشري مجاراتها. وهنا تبدأ القصة اللبنانية. الحالة اللبنانية إذا كان بالإمكان زرع تعليمات داخل تحويل مالي صغير لخداع وكيل مصرفي، فلماذا لا نستخدم الوكلاء أنفسهم في الاتجاه المعاكس، لتعقّب التحويلات الكبيرة، ورسم شبكات المستفيدين، ومقارنة الحسابات، وتحليل حركة الأموال قبل الأزمة وبعدها، وربط الشركات والحسابات والصفقات والعقارات والتحويلات العابرة للحدود، ثم وضع خريطة كاملة تقول للمودع اللبناني: أين ذهبت أموالك؟ قد يبدو السؤال استفزازيًا، لكنه في لبنان لم يعد ترفًا فكريًا. منذ انهيار النظام المالي في تشرين الأول/أكتوبر 2019، يعيش مئات الآلاف من المودعين مع أموال عالقة داخل النظام المصرفي. وبعد سنوات من الأزمة، لا يزال السؤال الأكثر بساطة هو الأكثر إيلامًا: أين ذهبت الأموال؟ ومن استفاد؟ ومن يجب أن يدفع؟ هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من أداة تخيف المصارف إلى أداة تخيف الفاسدين. فإذا كانت المصارف الكبرى في العالم تستثمر في وكلاء قادرين على مراقبة المدفوعات، وإدارة السيولة، وتحليل المخاطر، فلماذا لا يكون هناك مشروع وطني مستقل يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المصرفية والمالية المتاحة قانونيًا، وبناء شبكة تربط حركة الأموال بالقرارات السياسية والمالية التي سبقت الانهيار وتلته؟ ليس المطلوب أن يصبح الذكاء الاصطناعي قاضيًا أو محققًا أو جهة تصدر الأحكام. المطلوب أن يصبح آلة بحث ضخمة لا تنام. آلة تستطيع أن تسأل، في وقت واحد، عن آلاف الحسابات والشركات والأشخاص والتحويلات. اِقلقوا البشر يستطيعون التحقيق في ملف، أما الآلة فتستطيع أن تقرأ ملايين الملفات. وهذه هي النقطة التي يجب أن تقلق منها الطبقة المالية والسياسية اللبنانية، فالتكنولوجيا التي يستخدمها العالم اليوم لمنع الاحتيال يمكن استخدامها أيضًا لكشف مسارات الأموال التي سبقت الانهيار. والذكاء الاصطناعي الذي تستطيع المصارف أن تمنحه صلاحية قراءة آلاف المعاملات في ثوانٍ، يمكن أن يُمنح، ضمن إطار قضائي وقانوني مستقل، مهمة البحث عن الأنماط التي قد يستغرق اكتشافها بشريًا سنوات. المفارقة أن لبنان لا يحتاج إلى اختراع أزمة جديدة كي يفهم قيمة هذه التكنولوجيا. الأزمة موجودة أصلًا، والبيانات موجودة في أماكن مختلفة، والوثائق موجودة، والضحايا معروفون، والأسئلة معلّقة منذ سنوات. المفقود هو القدرة على جمع الصورة كاملة: من «مَن سرق؟» إلى «أين ذهبت الأموال؟». الجدل اللبناني ظل طويلًا محصورًا في شعارات عامة عن الفساد والهدر وسوء الإدارة. لكن استعادة الأموال تحتاج إلى شيء أكثر قسوة من الشعارات؛ تحتاج إلى أدلة قابلة للتتبّع، ومسارات مالية قابلة للإثبات، وسلسلة زمنية توضّح كيف تحركت الأموال، ومن اتخذ القرار، ومن استفاد. يمكن تدريب أنظمة تحليل متقدمة على بيانات مالية وقانونية ومصرفية متاحة للجهات المختصة، بحيث تبحث عن العلاقات غير المرئية بين آلاف العمليات. ويمكنها اكتشاف الأنماط غير الطبيعية، وتحديد التحويلات المرتبطة ببعضها، ومقارنة توقيت العمليات مع الأحداث السياسية والمالية، وفرز ملايين الوثائق لتحديد ما يستحق التحقيق البشري. لا يعني ذلك أن الآلة ستقول إن شخصًا ما مذنب. بل ستقول للمحقق: انظر هنا. وهذا وحده قد يغيّر قواعد اللعبة. ففي القضايا المالية الكبرى، المشكلة ليست دائمًا غياب المعلومات، بل كثرتها وتشابكها. آلاف الصفحات والعقود والحسابات والتحويلات قد تخفي في وسطها عملية واحدة مهمة. وما يحتاجه فريق بشري إلى أشهر من العمل يمكن لنظام تحليلي أن يختصره إلى ساعات، ثم يترك للخبراء والقضاء مهمة التحقق والإثبات. ولبنان، الذي يدفع مواطنوه منذ سنوات ثمن الانهيار، يحتاج إلى مثل هذه الأدوات أكثر من أي وقت مضى. إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع إدارة المال، فليساعد في استعادته. العالم المالي يتحرك بسرعة نحو منح الذكاء الاصطناعي صلاحيات أكبر. وقد أصبحت المخاوف لا تتعلق فقط باختراق نظام واحد، بل باحتمال أن تعتمد مؤسسات مالية متعددة على نماذج متشابهة، فتستجيب للمعلومات نفسها بالطريقة نفسها، بما يعزّز سلوك القطيع والتقلبات في أوقات الأزمات. أي إن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يصبح جزءًا من المشكلة. إذا كان الوكيل الذكي يستطيع، في المستقبل، تنفيذ عملية دفع كاملة، فلماذا لا يستطيع تنفيذ مهمة أخرى أكثر تواضعًا وأهمية: تتبّع مسار وديعة لبناني فقد حقه في الوصول إلى ماله؟ إذا كان يستطيع تحليل المخاطر في أسواق عالمية خلال أجزاء من الثانية، فلماذا لا يستطيع تحليل شبكة الشركات والحسابات التي ارتبطت بالأزمة اللبنانية؟ وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح مستشارًا ماليًا، ومساعدًا مصرفيًا، ووكيل تداول، فلماذا يبقى المودع اللبناني وحيدًا أمام مصرف يقول له منذ سنوات: انتظر؟ ليس المطلوب «روبوتًا» قد يبدو الكلام عن الذكاء الاصطناعي في لبنان كأنه هروب إلى المستقبل، بينما البلاد لا تزال عالقة في أسئلة الماضي. لكن المسألة عكس ذلك تمامًا. المطلوب ليس روبوتًا يضغط زر «إعادة الأموال» ويحوّل الودائع إلى حسابات أصحابها. هذه ليست لعبة فيديو. المطلوب منظومة مستقلة للتحليل والتتبّع، تعمل تحت إشراف قضائي ورقابي واضح، وتستخدم الذكاء الاصطناعي في البحث الجنائي والمالي، مع حماية البيانات وحقوق الأفراد، وتمنع استخدام النتائج الآلية كبديل عن التحقيق أو الحكم القضائي. والأهم أن تكون مستقلة عن المصارف وعن السياسيين الذين قد تتقاطع مصالحهم مع الملف. فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع وحده إصلاح نظام سياسي فاسد، ولا يستطيع أن يحل محل القضاء، ولا يمكنه أن يخلق أموالًا من العدم. لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا بالغ الأهمية: أن يجعل إخفاء العلاقات المالية أصعب بكثير. وهذا تحديدًا ما قد لا يروق لبعض الذين استفادوا من ضبابية النظام. من يخاف من آلة تقرأ كل شيء؟ ربما تكون أكثر جملة استفزازًا في هذه القصة هي التالية: إذا لم يكن هناك ما نخفيه، فلماذا نخاف من تحليل البيانات؟ المودع اللبناني لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات عن الاقتصاد الرقمي، ولا يحتاج إلى خطب جديدة عن التحول التكنولوجي. هو يريد معرفة مصير أمواله. وإذا كانت البنوك العالمية تتجه إلى منح الآلات قدرة أكبر على قراءة المعاملات، وإدارة المخاطر، وتنفيذ العمليات، فمن غير المنطقي أن يبقى الذكاء الاصطناعي في لبنان أداة لتجميل التطبيقات المصرفية أو كتابة الردود الآلية لخدمة العملاء. يمكن أن تكون له وظيفة أكثر إزعاجًا وفائدة: البحث عن الحقيقة المالية. القضية هنا ليست تقنية فقط. إنها سياسية وأخلاقية. فالأموال التي اختفت من النظام المصرفي ليست مجرد أرقام في قواعد بيانات. إنها مدخرات عائلات، وأموال تعليم، وتقاعد، ومشاريع صغيرة، وحياة كاملة اختُزلت في عبارة باردة اسمها «فجوة مالية». لكن خلف كل دولار في تلك الفجوة إنسان. لهذا، ربما حان الوقت لأن يتغير السؤال اللبناني. بدلًا من أن نسأل الذكاء الاصطناعي: «اكتب لي رسالة إلى المصرف»، يمكن
يرتكز النموذج اللبناني على معادلة ثنائية تعيد إنتاج الأزمة ذاتها: تثبيت 33% من المقيمين تحت خط الفقر المُذلّ، بالتوازي مع اعتماد أعمى على تحويلات المغتربين التي تشكّل 33% من الناتج المحلي الإجمالي! هذه الأرقام المتطابقة ليست مصادفة إحصائية، بل هي النتيجة الحتمية لهندسة اقتصادية واجتماعية متعمّدة تُديرها طبقة حاكمة مؤلّفة، في غالبيتها، من أمراء الحرب الأهلية السابقين والمستفيدين من السلم المشوّه. طمس الجريمة لقد نجحت هذه المنظومة في تحويل الهجرة من خسارة بشرية إلى أداة بقاء سياسي واقتصادي، متستّرة وراء خطابات «المعجزة الفينيقية والانتشار العبقري» لطمس جريمة تفريغ البلاد وتدمير مقدّراتها الإنتاجية. في ظل انهيار مالي صُنّف ضمن الأشد عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر، لا يمكن قراءة تحويلات المغتربين كدليل عافية، بل هي «شريان الحياة الأخير» الذي تحوّل إلى آلية لتأبيد الأزمة. تلقّى لبنان، خلال السنوات الماضية، مليارات الدولارات كتحويلات جارية. غير أن هذه التدفقات النقدية الضخمة لم تجد طريقاً إلى الاستثمار الإنتاجي أو بناء بنية تحتية قادرة على توليد فرص العمل. وبدلاً من ذلك، استُنزفت بالكامل لتمويل العجز التجاري المزمن وشراء السلع المستوردة، ما يعني إعادة ضخ هذه الأموال مباشرة في جيوب «كارتيلات» الاستيراد والاحتكارات التي تسيطر عليها أطراف السلطة. هذا الواقع يصفه الخبير الاقتصادي والوزير السابق شربل نحاس بأنه «تحويل للمجتمع اللبناني إلى مجتمع مُعال». هكذا تصبح الأسر المقيمة بمثابة «رهائن» أو أسرى داخل نظام اقتصادي مغلق، لا يمكنها البقاء من دون دعم مالي خارجي يؤمّن كلفة المعيشة الأساسية التي باتت تفوق الحد الأدنى للأجور بأضعاف مضاعفة. تحويلات المغتربين هنا لا تساهم في النمو، بل تؤدي وظيفة «المخدّر المالي» الذي يمنع الانفجار الاجتماعي الشامل، ويُعفي الطبقة الحاكمة من مسؤولية المحاسبة أو القيام بأي إصلاح بنيوي حقيقي. skip render: ucaddon_material_block_quote استراتيجية أمراء الحرب ليست البنية الريعية للاقتصاد اللبناني عيباً تقنياً طرأ بالصدفة، بل هي خيار واعٍ رسّخته النخبة السياسية الحاكمة منذ اتفاق الطائف. يشير المؤرخ والباحث فواز طرابلسي إلى أن التشخيص السائد، الذي يحصر المشكلة في «الفساد السياسي» فقط، يطمس طبيعة السلطة الاقتصادية العميقة وعلاقتها العضوية بالمحاصصة الطائفية. تتمثّل هذه الاستراتيجية في النقاط التالية: الربح في الحرب والسلم: إذ تتربّح هذه الطبقة عبر تغذية النزاعات لتعزيز نفوذها الطائفي، ثم تتربّح بعد الحروب عبر صفقات إعادة الإعمار، والهندسات المالية، والمضاربات العقارية التي تدر أرباحاً هائلة من دون خلق أي قيمة مضافة. تدمير القطاعات المنتجة: فقد أدى التركيز على الاستدانة والفوائد المرتفعة تاريخياً إلى تدمير ممنهج لقطاعات الزراعة والصناعة، وتحويل الاقتصاد إلى هيكل ريعي استهلاكي بالكامل. الهجرة كصمام أمان سياسي: فهذه السلطة تدرك أن بقاء الشباب العاطل عن العمل والمسلّح بالوعي داخل البلاد يمثّل تهديداً مباشراً لاستمرارها؛ لذا يصبح التحريض غير المباشر على الهجرة أداة لتصدير الأزمات وتفريغ الشارع من طاقاته التغييرية. خديعة «المعجزة الفينيقية»! تمارس المنظومة الحاكمة وإعلامها التابع عملية تضليل أيديولوجي كبرى عندما تطلق على موجات الهجرة القسرية مصطلحات مثل «الانتشار اللبناني العبقري»، وتربطها بـ«الأمجاد الفينيقية». هذا القياس التاريخي ينطوي على مغالطة فاضحة وعميقة، إذ إن النموذج الفينيقي كان قائماً على التوسع التجاري وإنشاء مراكز اقتصادية مزدهرة انطلاقاً من مدن-دول قوية ومنتجة، حيث كانت الهجرة تعزّز ثروة الحواضر الأساسية وبنيتها التحتية. بينما يمثّل النموذج اللبناني الحالي نقيضاً تاماً، فهو قائم على تصفية التراكم المؤسساتي والإنتاجي المحقّق على مدار قرن كامل. الهجرة هنا ليست دليلاً على العبقرية، بل هي نزيف بشري حاد وخسارة فادحة لرأس المال البشري «هجرة أدمغة»، حيث تفيد استطلاعات الرأي والبيانات بأن النسبة الأكبر من المهاجرين هم من فئة الشباب وحملة الشهادات الجامعية. إن ترحيل أكثر من 700 ألف مواطن في غضون سنوات قليلة ليس إنجازاً تاريخياً، بل هو عملية «تطهير طبقي وديمغرافي» ناعمة، يتم فيها استبدال الكفاءات الوطنية الشابة بنظام يعتمد على المساعدات والتدفقات الخارجية لتغطية الانهيار التام في الركائز الأساسية كالتعليم والطبابة والخدمات العامة. بلد يصدّر العقول ليستورد السلع لا يبني اقتصاداً، بل يدير انهياره البنية الريعية… ماذا لو كانت ريعاً؟ تساهم هذه السياسات في تعميق الفقر النقدي وتوسيع الفجوات الاجتماعية. وتبرز فوارق شاسعة بين الاقتصاد الوطني المبني على الإنتاج والتنمية، والاقتصاد الريعي اللبناني المُدار بواسطة قوى المحاصصة. في النموذج الأول، يكون الهدف الأساسي هو بناء مؤسسات رسمية، وتحقيق توازن ديمغرافي، ودعم القطاعات المنتجة، واعتبار الهجرة استنزافاً للطاقات الوطنية يجب الحد منه بخلق فرص عمل، والإفادة من تحويلات المغتربين من أجل توجيهها نحو الاستثمارات الصناعية والزراعية والتكنولوجية، وبالتالي توسيع الطبقة الوسطى وتقليص معدلات الفقر والبطالة. في الاقتصاد الريعي الحالي، ماذا يحصل؟ تعظيم أرباح رأس المال المصرفي والعقاري والريوع الاحتكارية، وتشجيع الهجرة كآلية لجلب الدولارات وتصدير المشكلات الاجتماعية، وتمويل مستمر لعجز الميزان التجاري واستهلاك السلع المستوردة، ما أدى إلى دفع ثلث الشعب إلى الفقر المدقع وتعميق اللامساواة. الشريان الأخير… بخطر! إن الاستمرار في هذا المسار الانحداري لم يعد ممكناً، حتى ضمن الحسابات الريعية نفسها. تشير التقارير الاقتصادية الحديثة الصادرة عن البنك الدولي إلى أن «شريان الحياة الأخير» بات في خطر حقيقي. مع التباطؤ الاقتصادي العالمي، والتشظي الجيوسياسي، والتغيرات الهيكلية في أسواق العمل الخليجية والعالمية، بدأت تحويلات المغتربين تشهد تراجعات تدريجية ملحوظة. في اقتصاد هش ومنهار كالاقتصاد اللبناني، فإن أي تراجع إضافي في هذه التحويلات بنسب تتراوح بين 10% و15% كفيل بإطلاق آثار متسلسلة مدمّرة، إذ يفتقر البلد اليوم إلى القدرة المؤسسية أو الحيّز المالي لاستيعاب أي صدمات جديدة، أو حتى استيعاب العائدين. الخروج من «قدر الـ33%» يقتضي قطيعة كاملة وجذرية مع عقيدة الاقتصاد الحر المتوحّش والمضاربات المالية التي حكمت البلاد لعقود. إن الإنقاذ لا يبدأ من انتظار قروض خارجية جديدة أو الرهان على زيادة أموال المغتربين، بل يمر حتماً عبر: فرض ضريبة تصاعدية، وإعادة هيكلة جذرية للقطاع المالي والمصرفي، لتوزيع الخسائر بشكل عادل يطال أصحاب الرساميل الكبرى والريوع. استعادة الدولة دورها الناظم في توجيه الموارد نحو اقتصاد إنتاجي حقيقي يثبّت الشباب في أرضهم. تفكيك الاحتكارات التجارية و«كارتيلات الطوائف» التي تقتات على دماء المقيمين وتحويلات المهاجرين. skip render: ucaddon_box_testimonial