تغيّر معنى الموت. بعد الحروب الأخيرة التي تعيشها البشريّة، لاسيّما في هذه المنطقة من العالم، أصبح الموت أمرًا سهلًا. لم يعد أمرًا يحسبه الفكر البشري شيئًا مَهولًا، بعيدًا، هامشيًّا، يحصل لغيرنا لا معنا…صار أمرًا عاديًّا يحصل في جزء من ثانية، دون توقّع ودون حصانة لأحد. ساهم التقدّم التكنولوجي الكبير ودخول الذكاء الاصطناعي بشكل واسع في تقزيم القيمة العظيمة للموت باعتباره أمرًا ذا شأن للبشر جميعًا. صار حدثًا يوميًّا متوقَّعًا في أي مكان وأي زمان. مسيَّرة في السماء، أو صاروخ ذكيّ مُوجَّه، أو حتّى شعاع قاتل غير مرئيّ، يمكن أن يقطع آلاف الأميال، ليدخل نافذةً في كوخ ناءٍ، أو كُوَّةً في خيمة مموّهة، حتّى في مجاهل غابات الأمازون، ويضع حدًّا لهدفٍ مرصود. أمّا الفاعل، فقد يكون في غرفة مُكيَّفة الهواء، على كرسيّ مريح، أمام شاشة مرتبطة بكاميرا وشبكة تواصل. يكفي للآن. ما حصل في الدوحة باغتيال أو محاولة اغتيال إسرائيل لقياديّين في حركة “حماس”، مؤشِّر أنّ الموت صار بمتناول الجميع، لا عصمة لأحد من أحد. الشرير يملك قوّة ما، وهو المتحكِّم في عالم اليوم. للخانعين المستسلمين أمام “الآلهة” الجديدة التي تختزل القوّة المادّية والتكنولوجيّة، نذكّركم بالحادثة التالية: كتب كِسرى (أمبراطور فارس) إلى باذان عامله على اليمن في ذلك الحين، أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز (يقصد النبيّ، عليه الصلاة والسلام)، فليأتياني بخبره. فبعث باذان قهرمانه ورجلًا آخر، وكتب معهما كتابًا، فقدما المدينة، فدفعا الكتاب إلى النبيّ، فتبسّم رسول الله ﷺ، ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد. وقال: «ارجعا عنّي يومكما هذا، حتّى تأتياني الغد، فأُخبِركما بما أريد». فجاءاه من الغد، فقال لهما: «أبلغا صاحبكما أنّ ربّي قد قتل ربَّه كسرى في هذه الليلة». حينها كانت التكنولوجيا كلّها بيد كسرى… لكنّ القوّة دوما ما تكون لله… في كلّ زمان ومكان. مهما تبدلت التفاصيل أو تغيرت…
في عام 2016، شهد العالم حدثًا مفصليًا في موازين القوى التكنولوجية والاقتصادية، عندما نجحت شركة هواوي الصينية في تحقيق إنجازٍ كبيرٍ عبر تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس للاتصالات 5G لم يكن هذا الاختراق مجرد تقدمٍ تقنيٍّ عابر، بل كان إعلانًا غير مباشر عن دخول الصين إلى ميدان قيادة الثورة الرقمية العالمية، وهو ميدانٌ لطالما اعتبرته الولايات المتحدة أحد ركائز تفوقها الاستراتيجي
في توقيت دقيق وحرج، وبتكتم بلغ حد النكران من أوساط رسمية، تسلُّم الجانب اللبنانيّ الوَرقة الأمريكيّة النهائيّة التي جاءت رَدّاً على الاقتراح اللبنانيّ الأخير المُقدَّم للمبعوث الأمريكيّ توم براك خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت. كشفت مصادر سياسيّة مُطَّلعة لـ”البوست” إنّ الوثيقة الأمريكيّة تضمَّنت تعديلات جوهريّة على الصيغة اللبنانيّة الأوليّة، بما يجعل النصّ غير قابل للمراجعة أو التعديل، مع تضمينها مطالب محدَّدة تشمل:جدول زمنيّ لتسليم السِّلاح: يبدأ بالأسلحة الثقيلة وينتهي بالخفيفةإعادة ترتيب الأولويّات: مع تأجيل البحث في ملفّ مزارع شبعاتعديلات على ترسيم الحدود: تتضمَّن تنازلات من الحِصّة اللبنانيّة في مياه الوزّانيخيار القَبول الكامل أو الرَّفض الكامل: مع تحمُّل التداعيات المترتّبة على أيّ قرار توقيت حَرِج يُصعِّد التوتُّر يُلفت النظر في توقيت وصول الوَرقة الأمريكيّة، حيث جاءت عشيّة انعقاد مجلس الوزراء في جلسة مفصليّة مهمّة يوم الثلاثاء ٥ آب الجاري، ممّا يعني فَرض بحثها في جلسة تُثير جدلاً واسعاً حول مشاركة الثنائيّ الشيعيّ فيها.في هذا السياق، شهدت الساحة اللبنانيّة دعوات من هيئات ثقافيّة إلى تحرُّكات واسعة قبل جلسة مجلس الوزراء، رفضاً لما أسمته “إعدام المُقاومة”، ممّا يطرح تساؤلات حول موقف حزب الله والثنائيّ الشيعيّ من هذه التطوُّرات.توضح مصادر سياسيّة متابعة أنّ حزب الله لم يوجِّه أيّ دعوة رسميّة للتحرُّك يوم الثلاثاء، مؤكّدة أنّ التحرُّكات المذكورة تُعتبر مبادرات فرديّة لا علاقة للحزب بها.أمّا بخصوص مشاركة وزراء الثنائيّ في الجلسة، مع غياب وزيرين بداعي السفر، فتؤكّد المصادر أنّ الاتّصالات لا تزال جارية بهذا الخصوص. وتشير إلى أنّ الوَرقة التي وصلت من المبعوث الأمريكيّ “قلبت كلّ الأولويّات اللبنانيّة، ووضعت لبنان في موقع آخر”، واصفة إيّاها بأنّها “وَرقة مطلوب تنفيذها دون مناقشة”. التحدّي الأمريكيّ للسيادة اللبنانيّة يطرح الاقتراح الأمريكيّ تساؤلاً جوهريّاً حول كيفيّة تعاطي الدولة اللبنانيّة مع مطلب يفرض عليها وَضع جدول لتسليم السِّلاح، دون تقديم مُقابل حقيقيّ يتمثّل في وقف إطلاق النار أو الانسحاب أو تسليم الأسرى. في هذا الصدد، يظهر التناقض الأمريكيّ بشكل واضح في لبنان، حيث يُمارَس الضغط في لحظة تُعتبر فيها السلطة الحاكمة أقرب سياسيّاً إلى الخطّ الأمريكيّ، أو على الأقلّ غير معادية له. ورغم ذلك، تستمرّ واشنطن في التلويح بخيار الحرب والتصعيد الأمنيّ. تضع هذه الإشكاليّة الأمريكيّين أمام معادلة صعبة: كيف يضغطون بقوّة على بلد، في وقت يريدون فيه الحفاظ على توازن هشّ مع السلطة القائمة؟ تجد الولايات المتّحدة نفسها اليوم أمام مزيج من الأهداف المتعارضة: فهي تريد استثمار الانتصارات التي حقّقتها، لكنّها في الوقت نفسه عاجزة عن دفع هذه الإنجازات نحو حَسم شامل. موقف استراتيجيّ بحسب متابعين لحزب الله وطرق إدارته للملفات، فإنّ ما عبَّر عنه أمينه العام الشيخ قاسم ليس جديداً، بل هو امتداد لموقف يعتبر أنّ أيّ بحث في “مستقبل المُقاومة” يجب أن يتمّ ضمن إطار استراتيجيّ شامل، لا أن يُقحم في النقاشات الحكوميّة التقنيّة أو حتّى الأمنيّة، خصوصاً إذا جاء ذلك تحت ضغط خارجيّ.ويشدّد هؤلاء على أنّ الحزب لا يزال يدرس خطواته بروية، ولم يحسم بعد مشاركته في الجلسة المفترضة يوم الثلاثاء، بانتظار ما ستؤول إليه الوساطات القائمة، وهو ويتواصل مع الجميع لتقدير الأمور بدقّة بعيداً عن الانفعال، لأنّ الموضوع حسّاس ويحتاج إلى الكثير من الحِكمة والتروّي في مقاربته. وتنبّه إلى أنّ الحزب والثنائيّ عموماً لا ينطلقان من فكرة مقاطعة جلسة مجلس الوزراء، بل ينتظران كيفيّة تعاطي السلطة السياسيّة الرسميّة مع الوَرقة الأمريكيّة، وكيفيّة مقاربة موضوع السِّلاح خلال الجلسة المرتقبة. تُعيد جلسة الحكومة المحدَّدة في ٥ آب لاتّخاذ قرار البحث في نَزع السِّلاح ووَضع جدول زمنيّ لتحقيق ذلك، إلى الأذهان جلسة ٥ أيّار ٢٠٠٨، التي حاولت مصادرة شبكة الاتّصالات الخاصّة بالحزب. واعتُبرت تلك الجلسة آنذاك أنّها تمسّ بجوهر المُقاومة، فتصدّى لها حزب الله في ٧ أيّار وأسقط ما أسماه “مؤامرة”. والسؤال المطروح اليوم: هل سيسمح الحزب بمصادرة سِلاحه، أم سيتصدّى مرّة أخرى لما يسمّيه البعض “إعدام المُقاومة”؟ بين أورتاغوس وبراك… والتصعيد المرتقب تَشْهَدُ الساحةُ اللبنانيةُ حالِيًّا تَطَوُّراتٍ سياسيَّةً ودبلوماسيَّةً مُعَقَّدَةً، تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مُسْتَقْبَلِ المبعوثِ الأمريكيِّ الخاصِّ توم براك وَدَوْرِهِ في الملفِّ اللبنانيِّ، وَسَطَ تَكَهُّناتٍ حَوْلَ عَوْدَةٍ مُحْتَمَلَةٍ لِمورغان أورتاغوس إلى المشهدِ اللبنانيِّ. هذِهِ التَّطَوُّراتُ تَأْتِي في ظِلِّ تَصاعُدِ الضُّغوطِ الأمريكيَّةِ على لبنانَ لِحَصْرِ السِّلاحِ بِيَدِ الدَّولةِ وَتَفْكيكِ تَرْسانَةِ حزبِ الله، مِمَّا يَضَعُ البِلادَ أَمامَ مَفْتَرَقِ طُرُقٍ حَرِجٍ قَدْ يَذْكُرُ بِأَحْداثِ ٧ أيَّارَ ٢٠٠٨. خِلالَ الأَشْهُرِ الماضِيَةِ، لَعِبَ براكَ دَوْرًا مَحْوَرِيًّا في الجُهُودِ الدبلوماسيَّةِ الأمريكيَّةِ لِحَلِّ الأَزْمَةِ اللبنانيَّةِ، حَيْثُ قامَ بِزِياراتٍ مُتَعَدِّدَةٍ إلى بيروتَ وَأَجْرَى لِقاءاتٍ مَكْثَفَةً مَعَ المَسْؤولينَ اللبنانيِّين. وَقَدْ شَدَّدَ براك خِلالَ هذِهِ الزِّيَاراتِ عَلَى ضَرورَةِ حَصْرِ السِّلاحِ بِيَدِ الدَّولةِ اللبنانيَّةِ وَتَفْكيكِ تَرْسانَةِ حزبِ الله، مُعْتَبِرًا أَنَّ هذَا شَرْطٌ أَسَاسِيٌّ لِاسْتِقرارِ لبنان وَنَيْلِ الدَّعْمِ الدُّوَلِيِّ. في تَطَوُّرٍ مُفاجِئٍ، اِشْتَعَلَت مَوَاقِعُ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ خِلالَ الأَيَّامِ الماضِيَةِ بِحَمْلَةٍ قادَتْهَا الإعْلامِيَّةُ وَالنَّاشِطَةُ الجُمْهُورِيَّةُ اليَمِينِيَّةُ لورا لومر، التي تُعْتَبَرُ مِن كِبارِ داعِمِي الرَّئِيسِ ترامب، تَدْعُو فيها إلى إِقالَةِ براك مِن مَنْصِبِهِ الدبلوماسيِّ.في مُواجَهَةِ هذِهِ الاتِّهاماتِ وَالتَّكَهُّناتِ، نَفَت وزارةُ الخارِجِيَّةِ الأمريكيَّةِ بِشَكْلٍ قاطِعٍ وُجودَ أَيِّ خُطَطٍ لِإِبعادِ براك عَنِ الملفِّ اللبنانيِّ. وَأَكَّدَت مَصادِرُ في الخارِجِيَّةِ الأمريكيَّةِ لقَنَاةِ “العَرَبِيَّة/الحَدَثِ” أَنَّهُ “لا صِحَّةَ لِلشَّائِعاتِ حَوْلَ تَرْكِ براك لِلْمَلَفِّ اللبنانيِّ وَعَوْدَةِ أورتاغوس”. كَما أَوْضَحَت مَصادِرُ مُطَّلِعَةٌ في القَصْرِ الجُمْهُورِيِّ اللبنانيِّ أَنَّ السَّفَارَةَ الأمريكيَّةَ في بَيْرُوتَ أَبْلَغَتْهَا بِأَنَّهُ “لا تَغْييرَ في هذَا الشَّأْن”. السيناريو المستقبلي على الرَّغْمِ مِنَ النَّفْيِ الرَّسْمِيِّ الحَالِيِّ، تَشِيرُ مَصادِرُ أُخْرَى إلى أَنَّ دَوْرَ براك في الملفِّ اللبنانيِّ قَدْ يَنْتَهِي طَبِيعِيًّا بِمُجَرَّدِ تَسَلُّمِ السَّفيرِ الأمريكيِّ الجَدِيدِ “فَوْقَ العادَةِ” مايكل عِيسَى مَنْصِبَهُ، فَوْرَ تَأْكِيدِ تَرْشِيحِهِ مِن قِبَلِ مَجْلِسِ الشَّيُوخِ الَّذِي دَخَلَ في عُطْلَتِهِ الصَّيْفِيَّةِ حَتَّى أَوَّلِ سَبْتَمْبِرَ المُقْبِلِ.بِمَا أَنَّ السَّفيرَ عِيسَى يُعْتَبَرُ مِن المُقَرَّبِينَ جِدًّا مِنَ الرَّئِيسِ ترامب وَعَلَى تَواصُلٍ مُبَاشِرٍ مَعَهُ، فَسَتَنْتَفِي الحَاجَةُ إلى تَعْيِينِ مَبَعوثٍ خاصٍّ إلى لبنان، حَيْثُ سَيَقُومُ السَّفيرُ بِهذِهِ المَهَمَّةِ مُبَاشَرَةً. على الرَّغْمِ مِنَ النَّفْيِ الرَّسْمِيِّ، تَشِيرُ بَعْضُ التَّقاريرِ إلى أَنَّ أورتاغوس قَدْ تَعُودُ إلى المشهدِ اللبنانيِّ بِصِفَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، حَيْثُ قَدْ تَأْتِي إلى بَيْرُوتَ لِبَحْثِ مَوْضُوعِ القُوَّاتِ الدَّوْلِيَّةِ جَنُوبَ لبنان، بِاعْتِبارِهَا مُسْتَشَارَةً لِلْبَعْثَةِ الأمريكيَّةِ في الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ. يَقِفُ لبنانُ اليَوْمَ على مَفْتَرَقِ طُرُقٍ تَاريخِيٍّ، حَيْثُ تَتَضَافَرُ عَوَامِلُ داخِلِيَّةٌ وَخارِجِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ لِتَضَعَ البِلادَ أَمامَ خِيَاراتٍ صَعْبَةٍ وَمَصِيرِيَّةٍ. الجِدَالُ حَوْلَ مُسْتَقْبَلِ المبعوثِ الأمريكيِّ توم براك وَاحْتِمالِيَّةُ عَوْدَةِ مورغان أورتاغوس إلى المشهدِ اللبنانيِّ لَيْسَ سِوَى جُزْءًا مِن مَعادَلَةٍ أَكْبَرَ تَتَعَلَّقُ بِمُسْتَقْبَلِ لبنان وَدَوْرِهِ في المِنْطَقَةِ.