تُبدي مصادر محلية متابعة استياءها من بعض المظاهر التي برزت في صيدا خلال الأيام الأخيرة، وتحديدا بعد موجات النزوح المتعاقبة التي شهدتها المدينة بسبب العدوان الإسرائيلي المتواصل، لا سيما تلك المرتبطة بالمجاهرة بالإفطار في نهار رمضان، وما يرافق ذلك من سلوكيات تعتبرها شرائح كثيرة من الأهالي غريبة عن خصوصية صيدا وتقاليدها المعروفة في هذا الشهر الفضيل. وتتوقف هذه المصادر عند ظواهر باتت تشكّل مصدر ضغط واستفزاز متكرر لعدد من أبناء المدينة، من بينها تدخين النرجيلة علنًا في وضح النهار وعلى مرأى من الصائمين من قبل النازحين تحديدا، من دون مراعاة لحرمة الشهر وحساسية الأجواء الدينية والاجتماعية التي تميّز صيدا. كذلك يسجّل كثيرون تذمرًا من فوضى الدراجات النارية التي باتت تجتاح شوارع المدينة، سواء من حيث أعدادها المتزايدة أو بسبب السلوك غير المنضبط لبعض سائقيها، بما يحوّل الشوارع إلى مساحات فوضى يومية تضغط على الناس وتضاعف شعورهم بالاختناق. في هذا السياق، شكا عدد من أهالي المدينة من رفع أصوات “الندبيات” و”اللطميات” من سيارات تجول في الشوارع بطريقة وصفوها بالمستفزة، ما يزيد من منسوب الاحتقان في بيئة تحتاج أصلًا إلى التهدئة وضبط الأعصاب. في ظل الظروف المتأزمة التي يمر بها لبنان، تبدو الحاجة ملحّة، وفق مصادر متابعة، إلى معالجات حكيمة وجذرية لهذه الممارسات، منعًا لتحولها إلى عناصر توتر متنقلة قد تنعكس سلبًا على الجميع، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى التعقل، واحترام الخصوصيات، وتفادي كل ما من شأنه إشعال حساسيات إضافية. وترى مصادر محلية أن خطورة هذه الظواهر لا تكمن فقط في بعدها السلوكي أو في مخالفتها لذوق المدينة وتقاليدها، بل في كونها، إذا تُركت من دون معالجة، قد تتحول إلى عناصر تفجير متنقلة في لحظة لبنانية شديدة الهشاشة، حيث يكفي قدر قليل من الاستفزاز وكثير من الإهمال لإشعال ما لا تُحمد عقباه. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة مسؤولة وحازمة، تضع حدًا للفوضى وتحفظ حرمة الشهر وخصوصية المدينة، بعيدًا من التهويل أو التحريض، ولكن أيضًا بعيدًا من التساهل الذي قد يفتح الباب أمام مزيد من التوترات غير المحسوبة. يبدو، كما يؤكد مصدر صيداوي مخضّرم “لفهم حقيقة ما نراه ونعيشه، لا بد من فّك الشيفرة التي تربط بين الشيّعة والنرجيلة والموتوسيكلات، علنّا نفهم…”
تشهد مدينة صيدا منذ أيام ظاهرة لافتة وخطيرة في آن، تتصل مباشرة بتداعيات الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان، لكنها تتجاوز البعد الإنساني الظاهر إلى ما هو أبعد وأشد حساسية. فبحسب معلومات محلية متقاطعة، تنشط في المدينة حركة تأجير منازل يشغلها سوريون لصالح عائلات نازحة من مناطق الجنوب المهددة أو التي طالتها الاعتداءات وأوامر الإخلاء. وعلمت “البوست” أنّ ما يجري لا يبدو مجرد مبادرات فردية عفوية فرضتها الحاجة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ما يشبه سوقًا منظّمة تديرها سمسرة أزمات. إذ يتولى أشخاص، منذ مدة، التواصل مع مستأجرين من التابعية السورية لإغرائهم بمبالغ مالية مقابل إخلاء المنازل التي يقيمون فيها، تمهيدًا لتسكين عائلات نازحة مكانهم، وذلك بناءً على طلب جهات حزبية معنية بملف الإيواء والإسكان. وبحسب المعلومات المتداولة، تُسعَّر الشقق والمنازل وفق عدد الغرف التي تضمّها، وقد بلغ بدل الغرفة المفروشة الواحدة نحو 500 دولار، على أن تكون مدة الإيجار بالباطن شهرين كحد أقصى، تُدفع سلفًا. وهذا ما خلق، خلال فترة قصيرة، سوقًا ناشطة ومغرية دفعت عددًا من العائلات السورية إلى ترك المنازل التي كانت تشغلها والتوجّه إلى الداخل السوري، على أمل العودة بعد انتهاء الحرب واسترداد مساكنها. وتشير المعطيات إلى أنّ أكثر من 100 عائلة سورية غادرت بالفعل منازلها في هذا السياق، مستفيدة من المبالغ المعروضة ومن الانتعاش المفاجئ الذي أصاب هذا النوع من التأجير. إلا أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بقوة لا يتعلق فقط بالبعد المالي أو الإنساني، بل بما قد يختبئ خلف هذه الحركة من تداعيات أعمق: هل نحن أمام إجراء مؤقت فرضته الحرب والضغط الهائل على ملف النزوح، أم أمام إعادة توزيع سكاني تجري بصمت، تحت ستار الضرورة وبذريعة الظروف القاهرة؟ فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة: من يراقب؟ من يقرر؟ ومن يضمن ألا يتحول المؤقت إلى دائم؟
في مشهد يختصر قسوة الحرب وفوضى إدارتها، تكشّفت فصول مأساوية جديدة في منطقة “مشاريع الهبة” في مدينة صيدا، بعد مرور 3 أيام على القصف الذي طال الحي السكني. فبينما اعتقد كثيرون أن عمليات الإنقاذ قد انتهت، كانت رائحة كريهة تتسلل إلى الأزقة الضيقة لتكشف حقيقة أشد إيلامًا: جثث لا تزال تحت الأنقاض، ولم تصل إليها فرق الإنقاذ. أهالي الحي الذين عادوا لتفقّد منازلهم المدمرة لاحظوا انتشار رائحة نفاذة في المكان، ما دفعهم إلى الاعتقاد بوجود ضحايا ما زالوا تحت الركام. ومع تصاعد الشكوك، بدأ السكان البحث بأنفسهم بين الأنقاض، في ظل غياب واضح للفرق المختصة التي يُفترض أن تستكمل عمليات المسح والإنقاذ بعد أي قصف. وبحسب روايات سكان المنطقة، فإن الغارة كانت عنيفة واستهدفت مبنى سكنيًا مأهولًا، ما أدى إلى انهيارات جزئية في الأبنية المحيطة. لكن بعد مرور الأيام الأولى، توقفت عمليات البحث تقريبًا، تاركة خلفها احتمالًا مرعبًا بوجود ضحايا لم يتم انتشالهم. من المقصّر؟ تطرح هذه الحادثة سؤالًا أساسيًا، من يتحمل مسؤولية ترك الجثث تحت الأنقاض؟ في مثل هذه الكوارث، تتوزع المسؤولية عادة بين أكثر من جهة، وفي مقدمتها الجهات المحلية المعنية بالطوارئ. فالبلديات، والسلطات المحلية، وأجهزة الدفاع المدني، تتحمل مسؤولية أساسية في استكمال عمليات البحث والإنقاذ، وعدم وقفها قبل التأكد الكامل من عدم وجود ضحايا تحت الركام. https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/03/جثث-تحت-الركام-في-مشاريع-الهبة.mp4 نقص الإمكانات أم خلل في التنسيق؟ في كثير من الحالات، لا يكون التقصير متعمدًا، بل ناتجًا من نقص المعدات الثقيلة، وأجهزة الكشف، أو من غياب التنسيق بين الفرق المختصة، ما يؤدي إلى توقف عمليات الإنقاذ قبل الأوان. لكن مهما تكن الأسباب، فإن النتيجة واحدة: ضحايا يُتركون تحت الأنقاض، وعائلات تبقى معلقة بين الشك والصدمة والعجز. لا يمثل ترك الجثث تحت الأنقاض مأساة إنسانية لعائلات الضحايا فحسب، بل قد يتحول أيضًا إلى خطر صحي وبيئي، خصوصًا في المناطق السكنية الضيقة. فمع مرور الوقت، تنتشر الروائح وتزداد احتمالات التلوث، ما يضاعف من معاناة السكان الذين عادوا إلى بيوتهم المدمرة أو ما تبقى منها. كما أن لهذا المشهد بعدًا إنسانيًا عميقًا، إذ إن دفن الموتى بكرامة حق أساسي لا ينبغي أن يُحرم منه أي إنسان، حتى في أشد الظروف قسوة ووحشية. ليست حادثة “مشاريع الهبة” في صيدا مجرد خبر عابر، بل تذكير قاسٍ بمدى هشاشة المدنيين في زمن الحرب، وبحجم الفوضى التي قد ترافق إدارة الكوارث بعد القصف. فحين تتحول الرائحة إلى وسيلة لاكتشاف الضحايا، فهذا يعني أن المأساة لم تنتهِ بعد، وأن ما تحت الركام لا يزال يصرخ بصمت.