في بلادٍ أَنهَكَهَا التاريخُ وما زال، لا تُروَى الحكاياتُ إلّا على لَحنِ الألَم، ولا تُفهَمُ المواقفُ إلّا حينَ تُقاسُ بميزانِ الكرامة. قِصَّةُ اليومِ ليست من خيالِ شاعرٍ، بل من فصلٍ حقيقيٍّ في ذاكرةِ الأُمَّة… حكايةُ ياسر عرفات مع الثورةِ الإيرانية، تلك اللحظةُ التي كُشِفَتْ فيها بوصلةُ القيادةِ الفلسطينيةِ على حقيقتِها: أن تكونَ فلسطينُ أولًا، لا تابعةً لأحدٍ، ولا مُلحقةً بأيِّ وصايةٍ، مهما كانَ بريقُها الثوريُّ أو عمقُها العقائديّ ثورةٌ أرادت أن تُخضِعَ الشرقعامَ 1979، اهتزَّت المنطقةُ تحتَ وقعِ انتصارِ الثورةِ الإسلاميةِ في إيران. بدا المشهدُ آنذاك مفعمًا بالأمل، إذ ظنَّ كثيرونَ أن وِلاَدَةَ نظامٍ “مُعادٍ للإمبريالية” ستعني وِلاَدَةَ سَنَدٍ جديدٍ لفلسطين.ومن بينِ المهنِّئينَ الأوائلِ كانَ الشهيدُ ياسر عرفات، الذي حملَ معه التفاؤلَ الفلسطينيَّ إلى طهران، مؤمنًا بأنَّ إيران التي ساهمَ الفلسطينيونَ في دعمِ ثورتِها ستردُّ الجميل، أو على الأقلِّ ستقفُ معهم في خندقٍ واحدٍ من أجلِ القدس. لكن، في طهران، اصطدمَ عرفاتُ بحقيقةٍ أُخرى: الثورةُ التي حلمَ بها حليفةً، أرادت أن تكونَ وصيَّةً. الخمينيُّ في العُلوّ… وأبو عمار في المبدأدخلَ عرفاتُ مجلسَ الخميني، فوجدَ نفسه في مشهدٍ رمزيٍّ لا يخلو من الرسائل:الخمينيُّ يجلسُ على منصَّةٍ مرتفعةٍ، وعرفاتُ في الأسفل؛ لَمسَةٌ مسرحيةٌ في السياسةِ تعني الكثير — أنَّ المرشدَ لا يرى نفسه نِدًّا، بل “قائدًا” لكلِّ الثورات.ولم يقفِ الأمرُ عند ذلك: الخمينيُّ طلبَ وجودَ مترجمٍ رغمَ إتقانِه اللغةَ العربيةَ بطلاقة، وكأنّما أرادَ أن يُبقي جدارًا بينه وبينَ الضيفِ الذي جاءَه مفعمًا بالودّ. ثم جاءت لحظةُ الحسم، حينَ قالَ الخمينيُّ بثقةٍ:«أُفتي بأنَّ الثورةَ الفلسطينيةَ يجبُ أن تُعلَنَ ثورةً إسلاميةً.» فردَّ عليه عرفاتُ بصلابةٍ لا تصدرُ إلّا عمَّن تربَّى على الكرامة:«وأنا ياسر عرفات الحسيني، أُفتي بأنَّها ثورةُ الإنسانِ الفلسطيني، مسيحيًّا كان أم مسلمًا.» هنا انتهى اللقاء… لكن بدأ تاريخٌ آخر: تاريخُ استقلالِ القرارِ الفلسطينيّ. اليوم، في زمنٍ تذوبُ فيه المفاهيمُ، ويُعادُ تعريفُ الهويةِ الفلسطينيةِ تحتَ وطأةِ الانقسامِ والارتهان، تظلُّ هذه الحكايةُ درسًا لا بُدَّ أن يُروَى. فلسطين تُختصر في إنسانِهامنذ ذلك اليوم، فهِمَ العالمُ أنَّ الثورةَ الفلسطينيةَ ليست بندقيَّةً مُؤجَّرة، ولا لافتةً لغيرِها من الثورات.هي ثورةُ إنسانٍ يرى في ترابِ وطنِه قبلةَ الحرية، وفي وحدتِه الوطنيةِ ضمانةَ بقائه.ولأنَّ الاستقلالَ موقفٌ قبل أن يكونَ سياسة، فقد دفعت منظمةُ التحريرِ ومن خلفَها الشعبُ الفلسطينيُّ أثمانًا باهظةً للحفاظِ على هذا الخطِّ الأحمر.لقد أثبتَ عرفاتُ أنَّ الكرامةَ الوطنيةَ لا تُقاسُ بالتحالفات، بل بقدرةِ القرارِ الفلسطينيِّ على أن يقولَ “لا” في وجهِ من يُحاولُ احتواءَه، أيًّا كانَ اسمُه أو مذهبُه. اليوم، في زمنٍ تذوبُ فيه المفاهيمُ، ويُعادُ تعريفُ الهويةِ الفلسطينيةِ تحتَ وطأةِ الانقسامِ والارتهان، تظلُّ هذه الحكايةُ درسًا لا بُدَّ أن يُروَى.من حقِّ الجيلِ الفلسطينيِّ الفَتِيّ، الذي لم يرَ سوى الموتِ والخِذلان، أن يعرفَ أنَّ لأسلافِه مواقفَ صنعت التاريخَ، لا تبعتْه.ومن واجبِنا أن نُذكِّرَه بأنَّ مَن فقدَ استقلالَه لا يحقُّ له أن يبكي على احترامِه. فيا أبناءَ فلسطين… ليس كلُّ مَن يرفعُ رايةَ القدسِ يعنيها، وليس كلُّ مَن يهتفُ باسمِ الثورةِ يؤمنُ بها. الثورةُ الحقَّةُ هي التي لا تُبدِّلُ ولاءَها، ولا تتنازلُ عن روحِها الإنسانيةِ والوطنيةِ في سبيلِ أيِّ مشروعٍ خارجيّ. كانَ يا ما كان… ولا يزالُ في فلسطينَ مَن يقولُ “لا”، ولو وحدَه.
في شرم الشيخ أمس، حيث اجتمعت الوفود لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة، كان المشهد واضحًا بقدر ما كان صادمًا: الجميع يلعب دورًا ما، إلّا محمود عبّاس.رئيس السلطة الفلسطينيّة حضر القمّة، لكنّه لم يكن جزءًا منها. جسدٌ حاضر، وصوتٌ غائب.لم يُلقِ كلمة، ولم يوقّع على الاتفاق، ولم يقف على المنصّة الرئيسيّة. لم يُذكر اسمه في أيّ خطاب، ولم تلاحقه عدسات المصوّرين كما اعتاد في مؤتمرات “الصورة التذكاريّة”.كأنّما اجتمع العالم حول قضيّة فلسطين، وقرّر أن يتحدّث عنها من دون الفلسطيني الرسمي. إلى الهامش حين جاءت لحظة التقاط الصورة الجماعيّة، كان المشهد أبلغ من أيّ تصريح:عبّاس في الصفّ الثاني، أقصى اليسار، في موقع أقرب إلى “الظلّ الدبلوماسي” منه إلى رأس كيانٍ يُفترض أنّه يمثّل فلسطين.ابتسامة باهتة، نظرات مشتّتة، ووقفة توحي بأنّ الرجل نفسه يُدرك أنّه بات جزءًا من ديكور القمم، لا من مضمونها.لم يكن الغياب عن الخطابات أقلّ قسوة؛ لم يُوجّه أحد من القادة الكبار شكرًا له، لا تصريحًا ولا تلميحًا. بدا وكأنّه حاضرٌ في حدثٍ لا يعترف بوجوده.بل حتّى التغطية الإعلاميّة تجاهلته؛ لم تظهر صورٌ قريبة له، ولم يُذكر اسمه في نشرات الأخبار الأولى، وكأنّ الصحافة الدوليّة تبنّت الموقف السياسي ذاته: “عبّاس… خارج اللعبة”. قمّة بلا دور في الوقت الذي كان يُنتظر فيه أن يظهر “رئيس فلسطين” في موقع القيادة، ليُعلن موقفًا أو يفاوض أو يعترض على الأقل، اكتفى الرجل بالصمت المطبق، تمامًا كما اعتاد في اللحظات المفصليّة.صمتٌ مريب في لحظةٍ تتكلّم فيها كلّ الأطراف، بما في ذلك الأطراف التي لا علاقة مباشرة لها بالحرب.في الكواليس، تساءل كثيرون: ما الهدف من حضوره؟ هل جاء ليسجّل “وجودًا شكليًا”؟أم ليؤكّد للعالم أنّ قرار فلسطين لم يعد في يده؟ ومهما كان السبب، النتيجة واحدة: عبّاس لم يكن سوى ضيف مجاملة في مسرح الأحداث الكبرى، لا أكثر. الغياب الحقيقي الأغرب أنّ بعض الحاضرين أكّدوا أنّ عبّاس غاب عن بعض الفقرات الخاصّة والاجتماعات الجانبيّة، ما جعل تساؤلات الدبلوماسيّين تتضاعف: هل انسحب احتجاجًا؟ أم اكتشف أنّ وجوده لا يغيّر شيئًا ففضّل الانسحاب بصمت؟ الأرجح أنّه لم يُدعَ إليها أساسًا.صورة عبّاس في شرم الشيخ تختصر حال السلطة الفلسطينيّة اليوم: كيان رسمي فقد أدوات التأثير، يكتفي بالمشاركة في الصور الجماعيّة، ويغيب عن القرارات التي تخصّ مصير شعبه.لقد تحوّل الرجل إلى ما يُشبه “شاهد ما شافش حاجة” في السياسة الإقليميّة، لا يُستشار، ولا يُنتظر منه موقف، ولا يُحسب حسابه في أيّ معادلة.حتّى المقارنة الساخرة أصبحت مؤلمة: عبّاس بدا في القمّة كأنّه رئيس أرمينيا أو رئيس الاتّحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو — وجوه تُشاهد في اللقطات الجماعيّة فقط، لا علاقة لها بالحدث نفسه. “شو بدّك بهالروحة؟” يبقى السؤال الشعبي البسيط، الأكثر اختصارًا ودقّة:شو بدّك بهالروحة يا أبو مازن؟ زعلت لتروح… وها هي النتيجة: كأنّك ما كنت.ربّما كانت هذه المشاركة آخر فصلٍ في رواية “الحضور الرمزي”، حيث يتحوّل من يُفترض أنّه صاحب القضيّة إلى تفصيل بروتوكولي، ينتظر ذكر اسمه لا أكثر.لكنّ الرسالة التي خرجت من شرم الشيخ كانت أقوى من كلّ الكلمات: فلسطين حاضرة… وعبّاس غائب. بل لعلّ الغياب هذه المرّة كان أبلغ من الحضور. لقد تحوّل الرجل إلى ما يُشبه “شاهد ما شافش حاجة” في السياسة الإقليميّة، لا يُستشار، ولا يُنتظر منه موقف، ولا يُحسب حسابه في أيّ معادلة. حتّى المقارنة الساخرة أصبحت مؤلمة
لم تقتله إسرائيلُ هذه المرّة، بل قتله مَن باعوا أنفسَهم لها.في غزّة، سقط الصحفيّ الفلسطينيّ صالح الجعفراوي برصاصاتٍ غادرةٍ خرجت من بنادقَ فلسطينيّة، لكن رائحتها كانت إسرائيليّة. رصاصةٌ فلسطينيّة بيدِ عميلة، أطلقتها جماعاتٌ مأجورةٌ تحتمي بشعاراتِ “الوطنية” و“المقاومة”، فيما ولاؤها الحقيقيّ معلَّقٌ عند بوّابات ضبّاط الاحتلال أداةٌ في يد المحتلّ لم يحتج الاحتلالُ إلى الطائراتِ هذه المرّة، ولا إلى قنّاصٍ على الحدود؛ فقد وجد “بيننا” من يقوم بالمهمّة نيابةً عنه. العملاءُ الذين يتزيّنون بعباراتِ “الوطنية” و“المقاومة”، بينما يقتاتون على فتات استخباراتِ العدو، صاروا اليوم الخطرَ الأكبرَ على الشعبِ الفلسطينيّ.إنّهم لا يُطلقونَ النارَ فقط على الأجساد، بل على الوعي ذاته، على روحِ المجتمع، على كلِّ ما تبقّى من معنى الشرف والانتماء. صالحُ الجعفراوي، رجلٌ واجه الاحتلالَ بالكلمة، فواجهته الخيانةُ بالرصاص. مَن يعرفه يُدرك أنّ الرجل لم يكن محايدًا أمام الحقيقة، ولم يكتبْ إلّا بما يليق بضميرِ الصحافةِ الحرّة.نجا من قصف الاحتلال، وواجه آلةَ الحرب بعدستِه وقلمِه، فصار هدفًا لمَن أرادوا إسكات كلِّ مَن لا يسير في الركب. لم يستطع الاحتلال الوصولَ إليه في الميدان، فسلّم المهمّةَ إلى أذرعِه الخفيّة في الداخل.والنتيجة: دمٌ فلسطينيّ يُسفَك بأيدٍ فلسطينيّةٍ باعت أرواحَها في المزاد. تغيّرت الخيانةُ. لم تعد تلك الصورةَ النمطيةَ لعميلٍ يُهرّب وثائق أو يزرع جهازًا في سيارةِ مقاوم. اليوم، الخائنُ قد يكون مسؤولًا، أو ناشطًا اغتيالُ الجعفراويi جريمةً لجيلٍ من الصحفيّين ما زالوا يؤمنون أنّ الكلمةَ مقاومة.هي من الخنادق إلى المكاتب تغيّرت الخيانةُ. لم تعد تلك الصورةَ النمطيةَ لعميلٍ يُهرّب وثائق أو يزرع جهازًا في سيارةِ مقاوم. اليوم، الخائنُ قد يكون مسؤولًا، أو ناشطًا، أو حتى مَن يُصرّ على الصمتِ حين يرى الظلم.لا يحتاج الاحتلالُ إلى جواسيسَ فحسب، بل إلى بيئةٍ تتسامح مع الخيانة وتغضّ الطرف عنها. وهذا هو الخطرُ الأكبر: أن تتحوّل الخيانةُ إلى “تفصيلٍ سياسيّ”، أو إلى “خلافٍ داخليّ”. ليس اغتيالُ الجعفراوي جريمةً شخصيّة، بل جريمةٌ ضدّ فلسطينَ نفسِها. هو استهدافٌ لضميرِها الجمعيّ، لكلمةِ الحقّ التي لم ترضخ، ولجيلٍ من الصحفيّين ما زالوا يؤمنون أنّ الكلمةَ مقاومة.إنّ الذين نفّذوا الجريمةَ لم يقتلوا شخصًا، بل حاولوا اغتيالَ المعنى — المعنى الذي يقول إنّ فلسطين لا تُختصر بفصيل، ولا تُختزل بشعار، وإنّ الولاء للوطن لا يُقاس بالهتاف، بل بالفعل. قال أحد القنّاصة في قصّة رمزية شهيرة: “لا أريد أن أقتل قنّاصَ العدو، فهو فاشل. أخشى أن يستبدلوه بآخر أكثر دقّة فيقتلني.”تلك المفارقةُ تختصر ما يجري اليوم: نحن مَن نُبقي العدوَّ مرتاحًا في موقعه، حين يتكفّل بعضُنا بمهمّة تصفية بعضِنا. هكذا يربح الاحتلالُ دون أن يُطلق النار، فقط لأنّه يملك مَن يخدمه من الداخل. العدالةُ الغائبة من حقِّ الفلسطينيين أن يسألوا اليوم: مَن أمر؟ مَن موّل؟ مَن ضغط لإسكات صالح الجعفراوي؟ هل سنكتفي ببياناتِ النعي المكرَّرة، أم سنفتحُ الملفاتَ ونُسمّي الأشياءَ بأسمائها؟إنّ التستّر على القَتَلة جريمةٌ لا تقلّ بشاعةً عن القتل نفسِه، والصمتُ شراكةٌ في الجريمة.الواجبُ الوطنيّ الآن هو تحقيقٌ مستقلٌّ وعلنيّ، لا يخضع لحساباتِ الفصائل، ولا يُرضي مَن يقف خلف الستار. العملاءُ ليسوا “بيننا” فحسب… بل نحن مَن سمحنا لهم بالبقاء. هؤلاء الذين يُلوّنون وجوهَهم بالوطنية، وهم يبيعون دمَ إخوتهم للاحتلال، ليسوا أبناءَ فلسطينَ الحقيقيين. لكنَّ الخطأَ ليس في وجودهم فقط، بل في أنّنا سمحنا لهم أن يعيشوا بيننا، وأن يخترقوا مؤسّساتِنا، وأن يتحدّثوا باسمنا. ليس اغتيالُ صالح الجعفراوي نهايةَ قصّة، بل بدايةَ مرحلةٍ يجب أن نُواجهها بشجاعة. الاحتلالُ لم يعُد يحتاج إلى دباباتِه ليهزمنا؛ يكفيه أن يزرعَ بيننا مَن يُشبهنا شكلًا ويعمل ضدَّه مضمونًا. لكن ما لا يُدركه هؤلاء العملاءُ أنَّ الكلمةَ الصادقة لا تُقتل، وأنّ دماءَ الشرفاء هي التي تُعيد للوطنِ معناها حين يضيع بين المتاجرين به. فلْتبكِ غزّةُ ابنَها، ولينحنِ القلمُ احترامًا لدمِه، لكنْ لتقُم الصحافةُ حاميةً الكلمةَ، والعدالةَ، والشرف.